العنوان الناس في طريق الدعاة
الكاتب مصطفى الخولي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1975
مشاهدات 92
نشر في العدد 251
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 27-مايو-1975
الناس في طريق الدعاة
تحدث الأخ أبو بصير في العدد 245 من «المجتمع» عن «عقبات في طريق الدعاة» أربع وهي خاصة بالدعاة أنفسهم، وأضيف لهـــــــــا عقبات أربع أخرى ولكنها ليست خاصة بالدعاة ولكن بالوسط الذي يتحركون فيه وهو المجتمع أو الناس برواسبهم واتجاه مداركهم بتخلفهم وتقدميتهم الزائفة بارتباطهم بالأرض وتعلقهم بالوهم.
أتحدث عن أنواع من الناس يغلب على كل نوع اتجاه ما، وأريد أولًا أن أدلي بكلمة عن «مأخذ» أخذه الأخ أبو بصير وأرد عليه من «المجتمع» ويتعلق بأسلوبين للدعوة: الكلمة المذاعة والمقروءة أم الاتصال الحركي المباشر وفضل الأخ أبو بصير الأسلوب الأخير لأن عائد الجهد فيه مضمون ولكن ألا ترى يا أخ أبو بصير أنه محدود أيضًا وهل نهمل الكلمة المذاعة والمقروءة أم نعطيها حقها وتطورها ونبدع قوالب جديدة نطرحها على الناس مع القوالب المعهودة، ولا زالت في ذهني صورة هذا الداعية الذي رأيته في القاهرة الصيف الماضي يقف بالقرب من درج ميدان التحرير المعلق وفي يده كتاب الله يرفعه إلى السماء ويصرخ بأعلى صوته «لا صلاح لا خير لا فلاح لا حياة لهذه الأمة إلا بكتاب الله» وعشرات الناس تمر به كل دقيقة صاعدة وهابطة هل ذهب جهد هذا الرجل هباء، هل فكر أحد أن يأتي في اليوم التالي ويقف إلى جانبه يشد أزره؟
تخيلت هذا الرجل في محنة هي محنة كل الدعاة هذه الأيام هذا الطوفان من محطات البث بأنواعه والصحف بأنواعها المصورة وغير المصورة وهي في أيدي إن لم تكن مشركة فهي إلى الشرك أقرب وإن لم تكن مضللة فهي إلى الضلال أقرب وإن لم تكن ماجنة فهي إلى المجون أقرب وتحارب الدعاة وإن استضافتهم ساعة أو سويعة من نهار أو أمسية.. ماذا يفعل الدعاة.. لا يتخلون عن موقع.. يعملون يتحركون لكسب مواقـع جديدة.. وازدواجية العمل ضرورية.. بل هي حركة الاسلام.. المعالجة وتوفير أسباب الحماية، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يربي الرجال في مكة ويتصدى للكفر وطواغيه في نفس الوقت.
وأتذكر حكم الطاغوت وجهاز التلفزة فيه يمسك بمعول ويهدم كل ما تبقى من خلق إسلامي كريم، وقالت إحدى السيدات: «لو أن اليهود هم يشرفون على جهاز التلفزة عندنا ما بلغ هذا القدر من السوء والعمل على الفتك بمقومات البلد الخلقية».
بلغ الأمر بهذا الجهاز أن كل أيام يشاهد الناس تمثيلية في إحدى القرى وشيخ معمم يذهب ويأتي في التمثيلية واسمه «محمد» ويقترف كل أنواع الكذب والمكر السيئ، وأشياء أخرى شبيهة بهذا ظاهرة أو متوارية تجدها واأسفاه في أجهزة البث العربية.
أعود الى أنواع الناس:
1- غرقى الجنس: هؤلاء هم الكثرة على امتداد الأرض، عبيد اللذة، وطلاب المتعة، لهم شأن أو هكذا يشعرون، يتملقهم الآخرون التافهون ويسعون لإرضاء رغباتهم الدنيا، وانظر حولك ترى العالم في موج من فلسفات العرى والخلاعة والمجون والشذوذ، وهؤلاء في حاجة إلى دراسة كيف نأخذ بيدهم ونغسل عن نفوسهم أدرانها ونقي قلوبهم كل سهام الشياطين المسمومة.
2- رواد الطعام: وهم كثير يسلبهم الطعام اللذيذ كل قدرة على الانضباط فيملؤون البطون وتبطـل العقول وتذوب الهمم ويستفحل التراخي في نفوسهم، وما دامت بطونهم ممتلئة أو في سبيلها الى أن تمتلئ فما لهم والدنيا بأسرها.. وما لهم والقضايا.. وما لهم وما يسمى بالفكر.. لتسير الدنيا كما قدر لها أن تسير.. وتتطلع بطونهم إلى الوجبة الآتية، ولا بأس من وقت للتسلية وألوان التسلية كثيرة كثير.
كيف يرتفع الدعاة بهؤلاء ويشعرونهم أنهم في تردٍ آثم وأنهم لم يخلقوا ليعيشوا كالعجماوات.. وأن حياة المسلم كلها تأمل وفكر وصلاة.. وما الطعام إلا وسيلة لاستمرار الحياة.
والحياة معجزة جديرة أن يتأملوها وتملك عليهم حواسهم كلها ووجدانهم كله.. وبذلك يقفون على أبواب السماء ولا يردون عنها.
3 - أصحاب الفكر الآثم: وجلهم من شباب هذه الأمة الذين فتنوا بالفكر المستورد، والكثير منهم يمسك بمقدرات الشعوب ومراكز التوجيه فيها، ولعب بعض النصارى واليهود داخل العالم العربي وخارجه دورًا محسوسًا في غواية هؤلاء الشباب.. تحرك عن حقد مثل حقد المجوسية القديمة.. والخروج عن مظلـمة الإسلام هو الارتداد إلى مسالـك جاهلية، وهذه المسالك نماذج حياة تحاصر بما فيها من انحرافات وتخريجات وفساد.. بل إن بعض هذه النماذج يقبلها ملايين المسلمين ويعايشونها ولا يجدون في ذلك غضاضة، وهؤلاء الملايين هم:
التائهون: لا لون لهم ولا فكر ولا عقول، هؤلاء هم العبء الذي يحمله الدعاة.. يتحدثون إليهم فلا يسمعون، يحثونهم على الكلام فربما مجرد المحاولة في قول شيء تحرك عقولهم أو وجدانهم ولكنهم لا يتحدثون، يلقون عليك نظرة ربما نظرة إعجاب أو نظرة لا مبالاة، ويمضون كل إلى حال سبيله، ويخيل إليك عندما ترى هذه النظرة أنهم يرونك والحقيقة أنهم لا یرون.. لا يرون سوى مطالبهم الهابطة العاجلة.
كيف يتحرك الدعاة في هذا الوسط؟ كما تحرك الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بالقرآن.. هو قوة الجذب وقوة التأثير الذي لا يقاوم، ثم قوة التغيير وإعادة البناء في النفوس.. وتاريخ الدعوة يقول أيضًا إن الكثير من النفوس في حاجة إلى هزة عنيفة لتفيق وتؤمن ثم بعد ذلك تنطلق وتحرك التاريخ.. حدثت هزات ولا تزال في المستقبل هزات.. وعندما يشتد العسر بالدعاة ويضيق ويظنون أن لا أمل عندئذ يطلع الفجر.. هل الفجر بعيد.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل