; النبي صلى الله عليه وسلم مع خلفائه الراشدين 3: رحم الله عمر .. يقول الحق وإن كان مرًا | مجلة المجتمع

العنوان النبي صلى الله عليه وسلم مع خلفائه الراشدين 3: رحم الله عمر .. يقول الحق وإن كان مرًا

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 02-مايو-2009

مشاهدات 64

نشر في العدد 1850

نشر في الصفحة 56

السبت 02-مايو-2009

نال القرب والصحبة من النبي ﷺ.. فازداد قوة وشجاعة في الحق حتى صار الشيطان يخشاه ويهابه.

جواد في الحق بخيل بالباطل .. رحيم وفي متواضع تقي نقي .. عفيف الطرف.. طيب العرف.. شديد الورع .. لا مداحًا ولا معيابًا. 

تخرج في المدرسة النبوية الراقية وفي فصولها وعلى يدي معلمها تتلمذ فصار نابغة عصرة ومعجزة فصله.

كان نبينا محمد ﷺ خير معلم، وأوفى صاحب، وأصدق صديق، وأحسن جار، وأرحم أب، وأحن زوج، كان أحكم قائد، وأعدل حاكم، وأشجع إنسان، وأفضل نبي، أرجح الناس عقلًا وأحسنهم رأيًا وأزكاهم فؤادًا، رحيمًا حييًا، صابرًا وفيًا، شجاعًا قويًا، ذاكرًا شاكرًا زاهدًا جوادًا متواضعًا عفوًا، قد اجتمعت فيه أخلاق الكمال وصفات الجمال، فهو رحمة للعالمين، و بالمؤمنين رؤوف رحيم، يقول لهم: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وبينته لكم». (الطبراني).

دعا إلى صلاح الظاهر وإصلاح الباطن وأكد على أعمال القلوب فقال: «ليس للعامل من عمله إلا ما نواه، نية المؤمن خير من عمله» (الطبراني)، ودعا إلى مكارم الأخلاق فقال: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم» (أبو يعلى)، نهي عن التنطع في الدين فقال: «هلك المتنطعون» (مسلم)، ودعا إلى الوسطية والسماحة وقال: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا، وقاربوا، وأبشروا..» (البخاري).دعوته سلام وأمان وإيثار وحب، إذ يقول لنا: «خير المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده» (مسلم)، ويأمر فيقول: «وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا» (احمد).

تربية عالية

وفي هذه المدرسة النبوية الراقية تخرج عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه، الخليفة الثاني لرسول الله ﷺ، وفي فصولها تعلم، وعلى يدي معلمها الأعظم تتلمذ، فصار رضي الله عنه نابغة عصره، ومعجزة فصله، إذ تخرج منها بتفوق وامتياز فقد أخذ عن أستاذه العلم وتعلم منه العدل، ونهل على يديه من معين الإيمان فصار له قدوة وكان له أسوة ليكون بذلك خير تلميذ بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالي عنه، فنال الكرامة والذكر الجميل إلى يوم الدين. عرف نبينا محمد ﷺ له منزلته وقدره فكان له عنده الحظوة، ونال منه القرب وشرف بالصحبة، فازداد عمر بذلك قوة إلى قوته، وجرأة وشجاعة في قول الحق الذي تعلمه وأمن به ولو كان مرًا، حتى صار الشيطان نفسه يخشاه و يهابه ولا عجب أن قال له النبي ﷺ: «إيه يا بن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك» (البخاري). وبمثل هذه الكلمات الطيبات التي تشد العزائم وتوقظ الهمم وتثبت على الطريق كانت تربية رسول الله ﷺ لأصحابه، يستخرج من نفوسهم خبايا المواهب التي منحهم الله تعالى إياها، وزكاها فيهم رسوله ﷺ ليكون قدوة لكل المعلمين، وها هو يعلن على الملأ تفوق تلميذه في اختبار الإيمان وفوزه بجائزة الفراسة فيقول: «قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم أناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد منهم فهو عمر بن الخطاب» (البخاري)، ومن ثم يجعله أستاذًا لمن بعده وقدوة لكل المؤمنين، فيقول لهم: «اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر» (الترمذي)، ولا عجب أيضًا أن صار عمر فيما بعد أميرًا للمؤمنين يضرب به المثل في العدل والتقوى والورع!

من هو عمر بن الخطاب؟

هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي،  ولد قبل الهجرة بأربعين سنة، وكان مبعوث قريش وسفيرها ومفخرها في الجاهلية، ترتيبه الأربعون بين من أسلم، لكنه صار بإسلامه فاروق هذه الأمة، وفرق الله به بين الحق والباطل، يقول ابن مسعود: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر»، هداه الله للإسلام بعد دعوة النبي ﷺ: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب» (أحمد)، فكان إسلامه فتحًا، فقد كان جريئًا في الحق لا يخاف أحدًا من الناس فيه، وهو الصحابي الوحيد الذي جهر بهجرته إلى المدينة وقد تحدى المشركون أن ينالوا منه فما تجرأ منهم أحد، ابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها زوج رسول الله ﷺ.

عمر في رؤى النبي ﷺ

لقد نال عمر رضي الله تعالي عنه  من المكانة العظيمة عند النبي ﷺ ما يجعل كل مؤمن يغبطه على ذلك، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره» قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «الدين» (البخاري). وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب».  قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال «العلم» (مسلم)، وفي هذا قال عبد الله بن مسعود: لو أن علم عمر بن الخطاب وضع في كفة ووضع علم الأرض في كفة لرجح علم عمر، إني لأحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم..

البشائر والهدايا: بشره النبي ﷺ فقال: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش، فظننت أني أنا هو، فقلت: ومن هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب، فلولا ما علمت من غيرتك لدخلته» (متفق عليه). كما بشره بالشهادة في سبيل الله: وذلك أن النبي ﷺ صعد أحدًا، وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق، وشهيدان» (البخاري). ودعا له قائلًا: «البس جديدًا، وعش حميدًا، ومت شهيدًا، ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة» (ابن ماجه).

رسائل حب ورضا من رسول الله ﷺ  هي كلمات ورسائل حب من النبي ﷺ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد فعلت في نفس عمر ما يعجز الإنسان عن وصفه، وكان النبي ﷺ يريد أن يعلي من مقام عمر وقد أحبه الله تعالى إذ هداه واختاره لنصرة دينه ونبيه.. مما جعل عمر شديد الخوف من الله عز وجل يحاسب نفسه ويؤدبها ويؤنبها، ولاسيما بعد أن صار خليفة لرسول الله ﷺ وأميرًا للمؤمنين، فلا تراه إلا خائفًا وجلا، يسمع الآية من كتاب الله فيخر مغشيًا عليه، يقول: «أكثروا من ذكر النار، فإن حرها شدید وقعرها بعيد ومقامعها جديده، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (الحاقة: 18) .. وكان زاهدًا مع أن الدنيا كلها كانت في يديه، وفي هذا يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: والله ما كان عمر بن الخطاب بأقدمنا هجرة، وقد عرفت بأي شيء فضلنا، كان أزهدنا في الدنيا» كما كان شديد الورع، أمينًا رغم إغراء الإمارة وفتنتها فقد أرادته الدنيا ولم يردها، يقول: «لقد آليت على نفسي الا أكل السمن واللحم حتى يشبع منهما المسلمون جميعًا» وقد حدث أن مرض يومًا فوصفوا له العسل دواء وكان في بيت المال عسل قد جيء به من البلاد المفتوحة، فلم يتداو به حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذنهم في تناوله. قال عنه عبد الله بن سلام: نعم أخو الإسلام كنت يا عمر، جوادًا بالحق بخيلًا بالباطل، ترضى من الرضا وتسخط من السخط، لم تكن مداحًا ولا معيابًا، طيب العرف «الرائحة» عفيف الطرف.

هذا هو تلميذ رسول الله ﷺ

هذا هو تلميذ رسول الله ﷺ والخليفة الثاني له، الذي كان إسلامه فتحًا وهجرته نصرًا وإمارته رحمة، هو أول من اتخذ التاريخ الهجري، وأول من عس بالليل، وأول من جمع الناس في صلاة التراويح، وأول من أنار المساجد في ليالي رمضان، وأول من منح الجوائز لحفظ القرآن الكريم، وأول من فرض عطاء لكل مولود في الإسلام، وأول.. وأول.... وأول .... وقد كان عظيم الرحمة بالرعية شديد المحاسبة لولاته، وقد سن قانون الشفافية والوضوح «من أين لك هذا؟» أقرأ الناس لكتاب الله وافقههم في دينه، كان خالص النصيحة في الله لا تأخذه في الحق لومة لائم، عطر المجالس وأريجها، قالت فيه عائشة رضي الله عنها: «إذا ذكرتم عمر طاب المجلس» ونعاه علي بن أبي طالب فقال: «ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كنت كثيرًا أسمع النبي ﷺ يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» (البخاري).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 910

73

الثلاثاء 28-مارس-1989

استراحة المجتمع (910)