; النجم الذي أفل | مجلة المجتمع

العنوان النجم الذي أفل

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1997

مشاهدات 83

نشر في العدد 1239

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 25-فبراير-1997

للعلماء العاملين آثار باقية في خدمة الدين، معرفة وبيانًا وسلوكًا وتربيةً، فهم العاملون على تجديد الدين حين تندرس من حياة الناس بعض معالمه، وهم المبينون للناس ما يخفى عليهم من حكم الدين وأحكامه، وهم الجادون في أن يسود الدين الحياة بسلوكهم أولًا، وتربيتهم للناس ثانيًا، وخضوعهم في كل حياتهم إلى تعاليم الله أمرًا ونهيًا، يوقفون أنفسهم على هذه التعاليم قولًا وعملًا، وهم الذين يجهرون بالحق إن خاف الناس، ويقفون في وجه الظلم إن جبن البعض، ولا يخافون لومة لائم ما داموا قد أرضوا ربهم، وأتبعوا منهج رسوله ﷺ، ولذا كان الحيتان تستغفر لهم في بحارها، والنمل يستغفر لهم في شقوق الأرض وجحورها، وكانوا بحق ورثة الأنبياء، فهم في هذه الأمة الخاتمة كأنبياء بني إسرائيل في الأمة السابقة.

ولأجل ذلك تتضاعف خسارة الأمة عند فقد أحدهم؛ إذ في فقده قبض للعلم، وانحسار مساحته، وبسط لنفوذ الجهل وامتداد جبروته وطيشه.

وفقد العالم هدم لمنار يهدي السبيل، ويرشد الضالين، ويخرج الحائرين من ظلمة الشك، إلى نور اليقين وطمأنينته، فلم لا يحزن الناس لفراق العلماء؟ ولم لا يجزعون لقبض العلم بقبضهم وفقدان الأسوة الحسنة عند غيابهم؟ 

ولئن صدق هذا الكلام على كثير من العلماء العاملين في القديم والحديث، فإنه يصدق كذلك على أستاذنا العالم الفاضل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الذي فقدته الأمة، وحزن عليه أبناؤه وتلاميذه في كل مكان، فقد كان في العلم نجمًا ساطعًا، وفي التربية منارًا هاديًا، وفي السلوك والأخلاق رائدًا، لا يمل من الأعباء، ولا يكل من العمل- نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا- حتى لقي الله سبحانه- الحي القيوم- الذي له وحده البقاء، وكل مخلوق حق عليه الفناء، ويكفي أن يلقى المؤمن ربه غير مبدل ولا مغير، وهو ما نظنه- في أستاذنا ولا نزكيه على الله- لكأن الشاعر كان يعنيه حين قال:

 مضى طاهر الأثواب، لم تبق روضة *** غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر 

 إنه العالم المحدث الذي نال الشهادة في علم الحديث والرجال، وشهد له بذلك العارفون من أهل الاختصاص، وشهدت له بذلك كتبه العديدة، وبحوثه المستفيضة في هذا الفن الذي أثر أن تكون خدمته في ميدانه وفيرة.

 وهو في فقه أبي حنيفة إمام يصول ويجول، وكأنه أحد تلاميذ أبي حنيفة المقربين، ومريديه المحببين، ومع فقهه وفهمه ما عرف التعصب للمذهب طريقه إليه؛ لأنه يرجع آراء الفقهاء إلى الأصل الذي ترد إليه، وهو كتاب الله وسنة رسوله، لا يحيد عن ذلك قيد أنملة، وقد عرفت ذلك عنه أثناء جلساتي معه، ومن أجل خلاله الحميدة، وصفاته النبيلة يحزن طلبة العلم لفقده لجريان السنة الشرعية في العلماء عليه: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًاـ، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء».

وضوح الرؤية وسلامة المقصد

لطالما أصل الشيخ للحركة الإسلامية، وكان مفتيًا لها يقول ما يقتضيه الدليل، وما يوجهه إليه الحق، وإن لامه اللائمون، لقد كان لإخوانه موقف من الاعتداء العراقي الغاشم على الكويت، ولكنه- رحمه الله- انفرد عنهم بوضوح الرؤية، فلم تلتبس عليه الأمور- وقت المحنة- وليس هذا بغريب عليه وعلى أمثاله من العلماء الذين لهم الحق في الفتوى والريادة، فلا تقف نظرتهم عند حدود الحلال والحرام، والخطأ والصواب، ولكنهم يختارون أعظم المصلحتين، وأخف المفسدين، وإن الحركة الإسلامية ليعظم مصابها فيه أكثر من غيرها؛ نظرًا لقلة العلماء الفاهمين، وندرة المربين الصادقين الذين يعتمد عليهم في السير على الطريق المستقيم والتخلص من الشطحات السياسية أو الفكرية، التي تودي بالعاملين وتهلك السالكين، إن لم يعتصموا بالمنهج القويم.

كان- رحمه الله- صاحب دمعة تنهمر من عينيه إن حدثه الصغير أو الكبير، إن أثنيت عليه بكى، وإن استمع إلى معنى من المعاني فيه تذكير بالآخرة وما فيها جهش بالبكاء، ونحن نتعلم من بكائه، كما نتعلم من صمته، أو حديثه.

صبر وتجلد

أوذي- رحمه الله- كثيرًا من أحبابه وخصومه، فما قابل الإساءة بمثلها، بل كان يعفو ويصفح ولا يغضب لنفسه، وكان في ذلك محتسبًا صابرًا لا يحمل في قلبه ضغينة لأحد، ولا حقدًا على أحد، ولا حسدًا على أحد، ولا غلًّا للمؤمنين، وليس هذا الخلق بمستغرب على من تربى تربية إسلامية صحيحة عمادها رجال مخلصون، وكتب السلف الذين مضوا، وخلفوا وراءهم آثارهم؛ لينتفع بها الفاقهون من المسلمين.

أحداث ومنهج

ولا أترك القلم من يدي حتى أسجل للشيخ- رحمه الله- موقفين سمعتهما من فمه، عرفت بهما منهجه المستبين، وحرصه على سلامة الدعوة من الزائفين:

أما أولهما: فقد سألته- حين رأيته مهمومًا حزينًا- عن سبب ذلك، فقال: ولم لا أبكي وأحزن وهناك مئات من الأخوات في السجون، فكيف نأمن على أعراضهن، وأحدنا لا يأمن أن يترك نعليه على باب المسجد؟!

وأما ثانيهما: فقد حدث حين استعد إخوانه للتحرك نحو أمر من الأمور، التي يترقبها الناس ثم تبينت للقيادة خطورة هذا التحرك إن تم وهلاك القائمين به، فقال لهم: ارجعوا عما اعتزمتم، فقالوا: وكيف نتجنب نحن والشباب فتنة الرجوع، وإن الموت لأهون علينا وعليهم منه؟ فقال الشيخ: ولكن الرجوع فيه إنقاذ الأرواح وأنفس هلاكها مفسدة عظيمة، فنفس المؤمن أعظم حرمة عند الله من بيته الحرام، فقالوا: ومن يتصدى للشباب لإقناعهم بالرجوع؟ فنزل الشيخ إلى الناس، فخطبهم فبكى وأبكى، وأنقذ آلاف الأرواح برجوعها عما كانت تود أن تقوم به.

يحدث هذا مع الشيخ في الوقت الذي يعجز فيه بعض من لهم تأثير فكري أو تربوي في الحركة الإسلامية أن يطرحوا فكرًا جديدًا اقتنعوا به بعد دراسة ودراية؛ لأنهم تربوا وربوا غيرهم على فكر آخر ربما كان مناسبًا لجيل سبق. 

والكبار وحدهم هم الذين يقولون ما يعتقدون أنه الحق، يرضى من يرضى، ويسخط من يسخط؛ لأنهم يعلمون أنهم يقفون فرادى بين يدي الله- سبحانه- وقد كان الشيخ- رحمه الله- من هؤلاء الكبار.

وكم من دروس ومواقف أحملها للشيخ في نفسي، تضاعف من حزني عليه، وتجعل اللسان يتلعثم، والقلم يتوقف لشدة وقع الحدث الذي أصابني وأصاب الحركة الإسلامية، رحم الله الشيخ، وأجزل له ثوابه، ورحم الله الدعاة والعلماء، وأسكنهم فسيح جناته، وألحقنا وإياهم بالصالحين، وحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، والحمد لله رب العالمين. 

ونحسب الشيخ كما ذكرنا، والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا.

نعى الأستاذ مصطفى مشهور- المرشد العام للإخوان المسلمين- وإخوانه في العالم أجمع علمًا من أعلام الأمة الإسلامية، وحبرًا من أحبارها، وأخًا مناضلًا مجاهدًا هو فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة- المراقب العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين في سورية- والذي وافته المنية يوم الأحد 9 شوال ١٤١٧هـ الموافق ١٦ فبراير ۱۹۹۷م، في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، بعد حياة حافلة، تجسدت فيها صور العلماء العاملين الذين وفقهم المولى عز وجل إلى خدمة دينه وأمته بعطاء لا يعرف الملل، وتواضع العارفين بجلال رسالتهم، وقدسية ما يحملونه إلى الإنسانية من ميراث الرسل والأنبياء والصالحين، وشفافية ربانية وصبر على الأذى، وثبات في المحن، وإنا لنحسبه كذلك، ولا نزكي على الله أحدًا.

د. القرضاوي: فقد الشيخ أبو غدة خسارة للأمة

أكد فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي أن فقد الشيخ عبد الفتاح أبو غدة يعتبر خسارة للأمة يضاف إلى ما خسرته الأمة خلال هذه الفترة المتقدمة برحيل علمائها الذين كان لهم تأثير في أفكارها وسلوكها، فقد كان الشيخ عبد الفتاح من العلماء الأفذاذ، ومن المحدثين الثقات، ومن الفقهاء الأثبات، ومن الدعاة الأصلاء، ومن المربين الصلحاء، وكان أحد الأتقياء الورعين في سلوكهم طوال حياتهم، مما أثر ذلك في تلامذته ومريديه دون تشنج ولا تزمت، بل خفة روح وظرف فطري، جبل عليه الشيخ رحمه الله، وعرفه منه كل من عايشه أو عاشره ولو لفترة قليلة من الزمن. 

وقد ترك الشيخ وراءه آثارًا علمية بقدرها أهل العلم حق قدرها، معظمها في الحديث ورجاله وعلومه، تميزت بالتثبت والتحقيق والتدقيق الذي ساعد عليه التكوين العلمي العميق للشيخ في مدارس حلب الشرعية، وفي رحاب الأزهر الشريف بمصر، وفي حلقات شيوخ العلم الكبار الذين أجازوه ونوَّهوا بفضله وامتيازه من علماء سورية، ومصر، والمغرب، والهند، وباكستان.

فرحم الله الشيخ الجليل أبا غدة وتقبله في الصالحين المحسنين، وجزاه عن العلم والدين والأمة خير ما يجزي به العلماء العاملين والدعاة الصادقين.
 

مؤلفات الشيخ عبد الفتاح أبو غدة- رحمه الله

أولًا: المحققة

1- الرفع والتكميل في الجرح والتعديل/ للإمام اللكنوي / ٣ طبعات.

2- الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة/ للإمام اللكنوي / طبعتان.

3- تحفة الأخبار بإحياء سنة سيد الأبرار / للإمام اللكنوي.

4- نخبة الأنظار على تحفة الأخبار/ للإمام اللكنوي.

5- المنار المنيف في الصحيح والضعيف/ للإمام ابن قيم الجوزية/ ٥ طبعات.

6- المصنوع في معرفة الحديث الموضوع / للإمام عليّ القاري / ٣ طبعات.

 7- قواعد في علوم الحديث/ ظفر الله التهانوي/ ٦ طبعات.

 8- قاعدة في الجرح والتعديل/ تاج الدينالسبكي/ 5 طبعات. 

9- المتكلمون في الرجال / للحافظ السخاوي / ٤ طبعات. 

10- ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل/ الحافظ الذهبي.

11- الموقظة في علم مصطلح الحديث/ الحافظ الذهبي/ طبعتان.

12- قفر الأثر في صفو علم الأثر/ ابن الحنبلي. 

13- لغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب/ الحافظ الزبيدي. 

14- جواب الحافظ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل. 

15- توجيه النظر إلى أصول الأثر/ الشيخ طاهر الجزائري.

16- ظفر الأماني في شرح مختصر الجرجاني/ الإمام اللكنوي.

17- كشف الالتباس عما أورده الإمام البخاري على بعض الناس/ للغنيمي.

18- مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث للشيخ النعماني.

19- التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن/ للعلامة الجزائري.

20- تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة/ للعلامة أحمد شاكر.

 21- تحفة النساك في فضل السواك/ للعلامة الميداني.

22- العقيدة الإسلامية التي ينشأ عليها الصغار/ أبو زيد القيرواني.

 23- الحلال والحرام وبعض قواعدهما في المعاملات المالية/ لشيخ الإسلام ابن تيمية.

24- رسالة المسترشدين للإمام الحارث المحاسبي / ۷ طبعات.

التصريح بما تواتر في نزول المسيح/ محمد أنور الكشميري/ ٥ طبعات. 25- 

26- الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام/ الإمام القرافي/ طبعتان.

27- الترقيم وعلاماته / أحمد زكي باشا.

28- سباحة الفكر بالجهر بالذكر، الإمام اللكنوي.

29- قصيدة «عنوان الحكم»/ لأبي الفتح البستي.

30- رسالة الألفة بين المسلمين/ للإمام ابن تيمية.

ومعها رسالة في الإمامة للإمام/ ابن حزم الظاهري.

31- إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس بدعة للإمام اللكنوي.

32- فتح باب العناية بشرح كتاب النقابة «فقه حنفي» / لعلى القاري.

33- فقه أهل العراق وحديثهم/ لمحمد زاهد الكوثري.

34- خلاصة تهذيب الكمال في أسماء الرجال/ للحافظ الخزرجي0

ثانيًا: المؤلفات

1- صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل/ 4 طبقات.

2- علماء العزاب الذين أثروا العلم على الزواج/ 4 طبقات.

3- قيمة الزمن عند العلماء/ 6طبقات.

4- الرسول المعلم وأساليبه في التعليم.

5- لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث/ طبقتان.

6- أمراء المؤمنين في الحديث.

7- الإسناد من الدين ومعه: صفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين.

8- السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي.

9- تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي.

10- منهج السلف في السؤال عن العلم وفي تعلم ما يقع وما لم يقع.

11- من أدب الإسلام

12- نماذج من رسائل أئمة السلف وأدبهم العلمي.

13- كلمات في مشف أباطيل وافتراءات.

14- مسألة خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة و المحدثين و كتب الجرح و التعديل.  

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل