العنوان النصر .. النصر .. والطريق من هنا
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2001
مشاهدات 56
نشر في العدد 1466
نشر في الصفحة 47
السبت 01-سبتمبر-2001
من حق الأمة العربية والإسلامية أن تجار اليوم وتنادي بأعلى صوتها الطريق من هنا التفتوا هنا، ومن حق الإسلام في وسط هذا الانكسار الفاضح أن يلفت التائهين إلى الطريق ويصيح بالحزاني الواهنين إلى درب النصر المبين، ومن حقنا أن نصغي إلى ندائه ونعقل بیانه وهو يقول هنا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين، ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 138-139]
من حق الجماهير أن تسأل عن هذا الذل وهذا الضعف الذي فاق كل خيال وتخطى كل توقع، ومن حقها كذلك أن تبحث عن الأسباب وتتساءل عن تفسير لهذه القارعة، ولم تطل الحيرة، أو تتاخر الإجابة، فقد عرفت الجماهير بفطرتها وباستقرائها لتاريخها وبغريزتها التي لا تخطيء أن الإسلام هو الحل، وتعلن الأمة رأيها في كل مناسبة، واضحًا لا غموض فيه أن قودونا بالإسلام وأحيونا بالقرآن، وكفى قتلًا نفسيًا، وفكريًا، وحضاريًا لهذه الأمة.
ولا شك أن أعداء الإسلام قد روعهم نداء الجماهير بالإسلام وقيام الشباب في فلسطين ببيع نفوسهم لله ولدينه، ولذلك فهم يسارعون بما يملكون أن يتهموا ويحرضوا ويخططوا لقتل هذا الشباب ومطاردته وإبعاده عن الساحة لتخلو الأجواء للمشبوهين والمنهزمين كما يقومون بحملات للتينيس بالتخويف من الآلة العسكرية الصهيونية، وبقتل المدنيين وهدم البيوت واستعراض القوة، لينخدع الأغرار الخانعون وينكسر المحاصرون الجائعون، وما عرف هؤلاء، وهؤلاء أن قوة الإسلام وعزم الرجال، وبطولة الصادقين لا تقف أمامها عدة مهما كثرت ولا يصمد معها عتاد مهما ارتقى ولا يوهنها الإثخان في القتل، والإمعان في الهدم والبغي.
فهل كان العرب متفوقين في العدد والسلاح على فارس وروما؟، وهل كان المجتمع الإسلامي بالمقاييس المادية أكثر أموالًا وأفضل تدريبًا وأمضـى عدة وأكثر تعليمًا؟!، لقد فاجأهم الفرس بسلاح ما عرفوه ولا جربوه سلاح الفيلة، حتى إنه لما جيء به إلى المدينة بعد ذلك... طاف به النسوة متعجبات وهن يقلن هذا من صنع الفرس!!
وكن يجهلن أنه من مخلوقات الله، ظنوه آلة فارسية!!.
ومع ذلك لم يجبن المسلمون ولم يفروا أمام الفيلة في الحرب يروي الطبري: أنه لما رأى سعد الفيلة تفرق بين الكتائب وتفزع خيل المسلمين أرسل إلى أولئك المسلمة وأصحابهم من الفرس الذين أسلموا، فدخلوا عليه فسألهم عن الفيلة، هل لها مقاتل - أي أماكن تقتل منها وتضرب فيها فتؤلمها؟ فقالوا: نعم المشافر والعيون لا ينتفع بها بعدها، فأرسل سعد إلى القعقاع وعاصم ابن عمرو فقال: اكفياني الفيلة، وشرح لهما ما يفعلان، فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمين وتسللا إلى الفيلة، فوضعا الرماح في أعينها وضربا مشافرها، فطرحت الفيلة ما عليها من مقاتلة وهلكوا، فقتلوا من كان عليها، فكيف كانت أعصاب القعقاع وصحبه الذين هجموا على الفيلة سلاح الفرس الرهيب ودمروه؟ إن القعقاع كان يملأ قلبه الإيمان، فكان الإيمان هو هازم ومذل الأكاسرة، وكانت بيزنطة سيدة البحار بلا منازع، وكان البحر الأبيض بحيرة رومية حقًا وصدقًا من سيطرة كاملة على الشواطئ جميعها إلى التفرد بامتلاك الأسطول الوحيد العامل في هذه المياه. وعمر بن الخطاب، قاهر الروم، لم ير البحر، ولا ركب سفينة في حياته، بل يطلب من رجل اسمه فصيح أن يصف له البحر، فيصفه بعبارات بليغة، تفزع عمر رضى الله عنه، فيقسم ألا يحمل المسلمين عليه أبدًا.
ولا تكاد تمضـي سنوات حتى يكون للمسلمين الأسطول الأقوى، وحتى ينزلوا بالروم هزيمة بحرية ساحقة في موقعة ذات الصواري وما كان العرب يملكون إلا التفوق الروحي والإحساس بأنهم يقاتلون في سبيل الله من أجل قيم أفضل، فبالعقيدة انتصروا وتعلموا وصنعوا واخترعوا وأثروا التاريخ البشري كله، ونقطة البدء في كل حضارة هي العقيدة، وهي القيم الموجهة للجماهير، وهي الأفكار التي توجه سلوك قيادتها.
الذين يحاربون الإسلام اليوم إنما يحاربون الأمة مع عدوها، ويقتلونها بسلاح قاتليها، إن إسرائيل اليوم تريد أن تخلى الأمة من الإسلام ومن العاملين له ومن عزمات رجاله حتى يقال إن بعض الجيوش العربية إذا صلى جندي أو ضابط من ضباطها يكون نصيبه الطرد وإذا شرب الخمر أو قارف الزنا كان من أصحاب الترقيات والخطوات والمكافآت وإذا كان عنده دين وكانت امرأته محجبة ومستقيمة حامت حوله الريب وربما قدم إلى محاكمة معينة، بينما العدو الصهيوني يعمل هذا ليلًا ونهارًا ليجعل جيشه جيشًا عقائديًا يعيش لدينه ويدافع عن عقيدته.
يقول مؤسس الصهيونية الحياة الدينية هي - دون سواها - سر خلود إسرائيل، وسيظل الإسرائيلي خالدا طالما بقي متعلقًا بالتوراة، فإذا هجر إسرائيلي التوراة. اندثر تاريخه في رمال الصحراء، ولو ظل مقيمًا في أرض بلاده.
ويقول شختر: «إن نهضة إسرائيل القومية وإحياء الدين اليهودي أمران لا ينفصلان وزعماء إسرائيل يتفاخرون بذلك، ويؤدون شعائر اليهودية بفخر وبلا وجل، وقد نظر الناس في لندن إلى سازاز رئيس إسرائيل ٧٦ سنة، وإلى بن جوريون رئيس وزرائه وسنه ۷۸ سنة، وهما يسيران مشيًا على الأقدام ثلاثة أميال وذلك أثناء تشييع جنازة تشرشل، لأن هذا اليوم يوافق اليوم الذي تحرم فيه الديانة اليهودية على اليهود استخدام وسائل النقل... ويقول ابن جوريون شعب إسرائيل لم يحافظ على السبت فحسب، بل السبت هو الذي حافظ على شعب إسرائيل. وبعد: فهل نعرف لماذا انتصر هؤلاء وهم قلة وشذاذ الأفاق وعجزنا نحن ونحن موعودون بالنصر ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [النور: 55].
ألا فلا نامت أعين الفسقة والجبناء.