العنوان النظام العالمي الجديد بين الاستمرار والسقوط (2-2)
الكاتب د. عبدالله الشيخ
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1994
مشاهدات 61
نشر في العدد 1108
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 19-يوليو-1994
- التدهور الأمريكي في المجال الاجتماعي والأخلاقي يبرز في تفكك الأسرة وانتشار الجريمة والمخدرات وثقافة الموت.
- البابا جون بون الثاني: إن على أمريكا أن تعالج مشكلتها الأخلاقية وإذا لم تستطع فإنها سوف تفقد روحها.
في العدد الماضي عرض الكاتب للأسس التي يقوم عليها النظام العالمي الجديد وفق الرؤية الغربية وفسر على ضوئه موقف النظام العالمي من إسرائيل وانتهى إلى تحليل دور الولايات المتحدة في النظام العالمي الجديد الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال الحرب الباردة وتناول الآراء التي تقول باحتمال تدهور وزوال قوة الولايات المتحدة وإلا تبقى هي القطب الأوحد، وقد تتبع هذا التدهور في المجال الاقتصادي حيث فقدت الولايات المتحدة المركز القيادي في مجال تكنولوجيا الالكترونيات وتفوقت عليها اليابان في مجال التكنولوجيا الدنيا أو العليا.. وهذا الانحدار الاقتصادي هو نفسه الذي أودى بالاتحاد السوفيتي وهذا العدد يستطرد الكاتب بعرض صور التدهور في مجالات أخرى بادئًا بالمجال الاجتماعي والأخلاقي.
التدهور الأمريكي.. في المجال الاجتماعي والأخلاقي
إذ كان العلماء قد أثبتوا حقيقة التدهور الأمريكي في المجال الاقتصادي، والصناعي مقارنة بمنافسيها في السوق العالمي، فإن علماء الاجتماع، وعلماء الأخلاق يتفقون على حقيقة مؤادها أن الولايات المتحدة تعيش فترة من الانحدار الاجتماعي والأخلاقي لم تشهدها من قبل للدرجة التي دعت رأس الكنيسة المسيحية في العالم البابا جون بول الثاني إلى قرع الأجراس الدالة على هذا الخطر، وقال بصريح العبارة إن على أمريكا أن تعالج مشكلتها الأخلاقية، وإذا لم تستطع ذلك فإنها سوف تفقد روحها، وفقدان الروح يعني الموت.
تصدع الأسرة الأمريكية
دعونا نلقي نظرة على وضع الأسرة في المجتمع الأمريكي، والأسرة هي الوحدة الأساسية لأي مجتمع تماسكها يعني تماسك المجتمع وتصدعها يعني تصدع ذلك المجتمع، فقد ذهبت الدراسات إلى أن تغييرًا كبيرًا لحال هيكل الأسرة الأمريكية أي الهيكل الطبيعي للأسرة والذي يتكون من الأب والأم والأطفال سيرًا نحو هيكل جديد غير طبيعي للأسرة، فالأسرة الطبيعية ما عادت هي أساس البناء الاجتماعي في المجتمع الأمريكية لأنها صارت تشكل فقط نسبة ٥٨٪ من أنواع الأسر الجديدة التي خلقها التطور المادي والحرية الشخصية المبالغ فيها.
أما الأسر الأخرى التي صارت تشارك هيكل الأسرة الطبيعي في المجتمع فهي الأسرة القائمة على التبني والتي تتكون من زوج وزوجة وطفل متبنى، فهي تشكل حوالي ١٦٪ من مساحة الأسرة الأمريكية.
أما النوع الثالث من الأسر فهي الأسرة التي تقوم عليها امرأة دون وجود رجل هذه الأسرة تشكل٢١٪ من مساحة الأسرة الأمريكية، هذه وتجيئ هياكل أسرة أخرى مثل الأسرة التي يقف على رأسها رجل دون امرأة، فهي تشكل نسبة ٢,٥٪ من مساحة الأسرة الأمريكية، بينما يشكل هيكل خامس تسمية الدراسات الإحصائية بالهيكل الآخر نسبة ٢,٧٪ من الأسر الأمريكية (1).
هذا التغيير الهيكلي في الأسر الأمريكية جاء نتيجة أسباب عديدة منها تزايد نسبة الطلاق التي وصلت عام ١٩٨٠ إلى ٤٨٪ ثم وصلت عام ۱۹۸۹م إلى٥٠٪ بل إن بعض الدراسات تذهب إلى أن هذه النسبة وصلت إلى ٦٠٪، ففي دراسة أعدها الباحث فيليب لادار محرر مجلة التقرير الكاثوليكي العالمي وهي دورية شهرية «ذكر أن نسبة الطلاق في الولايات المتحدة وصلت إلى ٥٠٪ علمًا بأن دراسات أخرى تذهب إلى أن النسبة المذكورة تصل إلى ٦٠٪» (٢) ولا شك أن هذه نسبة مذهلة تعني أن البنية الأساسية للمجتمع الأمريكي في حالة انهيار ومن الطبيعي أن يكون مثل هذا المجتمع هو مجتمع الجريمة والمخدرات، وقد ذكر الباحث المذكور أعلاه السيد لادلر «إذا كان تصدع الأسرة الأمريكية يمثل السبب الأكبر في ازدياد الجريمة والفقر، واستخدام المخدرات فإن ذلك يعني أن المجتمع الأمريكي يسير في الاتجاه الخاطئ» (۳).
الجريمة.. والمخدرات.. وانتشار الأمراض.. وثقافة الموت
تذهب الدراسات الاجتماعية إلى أن أحد أسباب انتشار المخدرات، وتنامي الجريمة وانتشار الأمراض هو تصدع الأسر الأمريكية فقد وصل معدل الجريمة في الولايات المتحدة عام ۱۹۸۷م إلى ١٣.٥ مليون جريمة، أما سنة ۱۹۸۹م، فقد سجلت ١٤,٢٥ مليون جريمة.
ففي دراسة أعدها السيد: كيشور محبوباني نشرتها دورية الشئون الدولية المحترمة جاء أنه منذ ١٩٦٠ زادت نسبة نمو سكان الولايات المتحدة بحوالي ٤١٪ بينما زادت جرائم العنف بنسبة ٥٦٠٪ وزادت نسبة المواليد غير الشرعيين بحوالي ٤١٩٪، أما نسبة الطلاق فقد زادت بحوالي ٢٠٠٪ إن هذا تهرؤ اجتماعي ضخم، الشيء الذي يخيف أي مجتمع إذا حدث مثل ذلك فيه، ورغم ذلك ترى الأمريكيين يسافرون إلى الخارج يبشرون بمزايا الحرية الشخصية، متجاهلين النتائج الاجتماعية الظاهرة، يفعلون ذلك بنوع من الثقة بدلًا من أن يشعروا بالصغار (٤).
كل ذلك ولد مجتمعًا في حالة حرب اجتماعية حيث تحمل وسائل الإعلام في كل يوم جديد أخبار القتل العشوائي بين الشباب في الشوارع وفي ساحات المدارس، وفي المطاعم لأتفه الأسباب، حتى أطلق البابا جون بول الثاني على هذه الحالة عند زيارته الأخيرة للولايات المتحدة اسم «ثقافة الموت»، هذا وقد دفعت الحالة المتدهورة للسلام الاجتماعي داخل البلاد الكونجرس الأمريكي لإجازة قانون خلال هذا الشهر سمي بقانون الجريمة يضع شروطًا قاسية لشراء السلاح، وعقوبات أشد لمرتكبي الجريمة، وزيادة في عدد رجال الأمن في الشوارع.
تدهور المؤسسة الدينية الكنيسة في مهب الريح
إن التدهور الاجتماعي لم يقتصر على المساحات التي ذكرناها، بل وصل إلى الكنيسة نفسها مكان القداسة الدينية، وملاذ الطهر والعفاف، فقد انتشرت قضايا الفساد الأخلاقي ضد كبار رجال وآباء الكنيسة، أمثال القس التلفزيوني «جيمي سواغرت»، والذي وجد يمارس الرذيلة مع بائعات عاديات للهوى في شوارع لوس أنجلوس، والقس التلفزيوني جيمي بيكر والذي استمر يجمع ملايين الدولارات من المؤمنين لينفقها على حياة بازخة، وسلوك منحرف، حتى أنه شيد غرفة مجهزة بنظام للتبريد والتدفئة لكلبه المدلل في حين يعيش عشرات الألوف من الناس دون مساكن بهذا التجهيز وهذه الأنظمة، بل يعيش المئات دون مساكن في شوارع المدن الكبرى مثل شيكاغو، وواشنطن، ونيويورك.
وبسبب هذا السلوك من آباء الكنيسة فقدت الكنيسة مصداقيتها، وصارت تفقد المعركة وراء المعركة، وأول الذين فقدتهم الكنيسة هم قطاع الشباب الذين قلت مشاركتهم في سلك الآباء، حتى لجأت الكنيسة إلى النساء والشيوخ غير الأكفاء لملء المناصب في الهرم الكنسي، وأكثر من عبر عن هذا العزوف من قبل الشباب هو الباب جون بول الثاني في زيارته للولايات المتحدة ١٣. 1993/8/16 ، عندما قال مخاطبًا اجتماعًا شبابيًا حاشدًا في مدينة بولاية كلورادو ليس هذا وقت الشعور بالذلة والحرج من الرسالة المسيحية، بل هو وقت التبشير بها من أعلى أسطح المنازل (٥). ولكن لا يمكن علاج المشكلات المستعصية للكنيسة الغربية بصورة عامة والأمريكية بصورة خاصة بعيدًا عن العلاج الجذري للمجتمع الغربي فالكنيسة ما هي إلا نتاج المجتمع الذي تعيش فيه.
أمريكا دولة أحادية في المجال العسكري... تعددية القطبية في المجال الاقتصادي
رغم هذه الأمراض الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية التي تنهش في الجسم الأمريكي إلا أن الولايات المتحدة تعد القوة العظمى العسكرية الوحيدة في العالم اليوم، ففي دراسة أعدتها وحدة بحوث خدمات الكونجرس ۱۹۹۱م عن صادرات السلاح، جاء ترتيب الاتحاد السوفيتي رقم واحد في حصيلة صادرات السلاح في الفترة ما بين ۱۹۸۲ م - ۱۹۸۹م إذ صدر ما قيمته ۱۳۳ بليون دولار، أما الولايات المتحدة فقد صدرت سلاحًا بقيمة ٥٠ بليون دولار (٦) وفي عام ١٩٨٩م كانت نسبة صادرات الاتحاد السوفيتي من الأسلحة التقليدية ٤٣.١٪ لم تتعد صادرات الولايات المتحدة نسبة ٢٤.٧٪ هذا وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتدهور ترسانته العسكرية تصدرت الولايات المتحدة قائمة تجار السلاح حيث بلغت نسبة صادراتها ۱۹۹۱م حوالي ۳۸٪ من صادرات السلاح في العالم، الأمر الذي جعل نصيب روسيا من صادرات السلاح لا يزيد على ٢٠٪.
أما في مجال الأسلحة النووية فإن الولايات المتحدة تعد الدولة الأولى كذلك، فمع التزامها باتفاقيات الحد من الأسلحة الذرية مع الاتحاد السوفيتي سابقًا، تبقى هي الدولة العظمى الوحيدة في هذا المجال، وهذا ما دفع بكثير من أساتذة العلاقات الدولية إلى وصف النظام العالمي الراهن بأنه نظام القطب الواحد استنادًا على التفوق العسكري للولايات المتحدة في مجال الأسلحة التقليدية، والأسلحة النووية (٧).
ولكن التفوق العسكري لا يعني بحال من الأحوال الاستمرار في التفوق في المجالات الأخرى مثل التكنولوجيا المتطورة، والإنتاجية الاقتصادية، فقد أثبتت معظم الدراسات تدهور إنتاجية العامل الأمريكي مقارنًا بغيره في الدول المنافسة للولايات المتحدة مثل أوروبا وآسيا وكذلك في اليابان الأمر الذي يجعل من الولايات المتحدة في نظام دولي أحادي القطب في المجال العسكري، تعددي القطبية في المجال الاقتصادي، فأوروبا الموحدة صارت تشكل أحد الأقطاب الثلاثة أو الأربعة الاقتصاديين في النظام العالمي الجديد، كما أن اليابان صارت لاعبًا قطبيًا في الاقتصاد، هذا بالإضافة إلى الصين، والتي بدأت تظهر كمورد اقتصادي.
فقد تدهورت إنتاجية العامل الأمريكي من ٢,٨٪ في السبعينيات إلى ٠.٨٪ في بداية التسعينيات، أما اليابان فقد سجلت إنتاجية تصل إلى ٤.٥٪ في السبعينيات بينما كانت الحين تسجل إنتاجية تصل إلى ٥.٨٪ أما في التسعينيات فقد وصلت الإنتاجية في الصين في الوقت الذي تتدهور فيه الإنتاجية في الولايات المتحدة إلى أقل من 1%، ويذهب كثير من الاقتصاديين إلى أن اتجاه الاقتصاد العالمي سوف يستمر في السير في هذا الاتجاه أي اتجاه نحو الإنتاجية في شرق آسيا، وتدهورها في أمريكا وغرب أوروبا.
الخلاصة
رغم ظهور الولايات المتحدة كأقوى دولة بعد الحرب الباردة في المجال العسكري، وكأكبر اقتصاد في العالم مقارنة بحلفائها، إلا أن الدراسات الميدانية تشير إلى أن الولايات المتحدة تفقد بصورة وئيدة مركز القيادة في الاقتصاد العالمي وتشير نفس هذه الدراسات إلى تنامي قوة الاقتصاد الياباني والصيني في شرق آسيا، وكذلك اقتصاد غرب أوروبا، هذه الحقائق تشير بوضوح إلى أن العالم يعيش لحظة أحادية القطبية في المجال العسكري، بقيادة الولايات المتحدة، ولكن النظام العالمي يسير بصورة متئدة نحو نظام تعددي القطبية في المجال الاقتصادي والسياسي.
هذا ومن ناحية أخرى تتعرض الولايات المتحدة إلى أمراض اجتماعية في غاية الخطورة مثل تدهور النظام الاجتماعي، بسبب تصدع الأسرة، وانحلال عام في الأخلاق وانتشار المخدرات والأمراض المتصلة بها. وازدياد نسبة الجريمة، وفقدان عام للسلام الاجتماعي، بسبب عدم العدالة في توزيع الثروة وعدم الانسجام العرقي الذي يترجم من وقت لآخر في جرائم بشعة تنطلق من منطلقات عرقية، هذه الأمراض الاجتماعية تصاحب عادة سقوط الدول الكبرى، والإمبراطوريات مما يجعل الولايات المتحدة عرضة لنفس مصير الاتحاد السوفيتي، والذي كان يبدو من الخارج قوة عظمى، مع أنه في الواقع الداخلي لا يختلف كثيرًا عن أية دولة من دول العالم الثالث.
فهل سيؤدي تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة إلى سقوط يشبه سقوط الاتحاد السوفيتي؟؟!!.
الهوامش
١- التقويم العالمي شركة هوارد، نيويورك، ص ٨٣٤ - ٨٥٢.
٢، ٣ - دول شربت جورنال ۱۳ أغسطس ۱۹۹۳م.
٤- كيشور مجبواني دورية الشئون الخارجية عدد سبتمبر - أكتوبر ۱۹۹۳م - ص ١٠ – ١٤.
٥- واشنطن تايمز ١٦ أغسطس ١٩٩٣م.
٦- فلادلفيا لتكوليرد 1991/5/7م.
٧- جوزيف فاي، مجلة السياسة الخارجية، عدد خريف ۱۹۹۱ م ص ١٥٣ - ١٧٥
(*) باحث بالمؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل