العنوان النظام المصري في مواجهة أحرار العالم.. هل يقدر على قمعهم؟
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 02-يناير-2010
مشاهدات 85
نشر في العدد 1883
نشر في الصفحة 22
السبت 02-يناير-2010
فلسطين
- سألتُ أحدهم: هل مارس البوليس العنف والقوة أو ألقى القبض على بعض المتظاهرين؟ فتبسّم قائلاً: وهل يقدر على ذلك؟ إنهم أجانب!!
- هل أصبح التضامن مع غزة ضد الحصار الصهيوني أمراً يحدّده الرئيس بنفسه بعد ستين عاماً حاربت فيها مصر أربع حروب من أجل فلسطين؟!
بينما أقف أمام بائع الجرائد صباح يوم الإثنين الماضي (٢٨/۱۲/٢٠٠٩م) أتصفح العناوين عقب صلاة الفجر، إذا بحديث يتناثر عن مظاهرة ليلية أمام السفارة الفرنسية في القاهرة استمرت من العاشرة مساءً حتى الثالثة قبل الفجر، وأن حشودًا أمنية ضخمة تغلق الطريق، وأن المتظاهرين كانوا جميعًا من الأجانب -رجالًا ونساءً وشبابًا- ومن جنسيات متعددة، غالبيتهم فرنسيون، وأن الهتافات كان معظمها للشعب الفلسطيني، ولغزة وأهلها الذين يعيشون حصارًا قاتلًا منذ ثلاث سنوات اشتد في السنة الأخيرة.
وتشارك مصر بقوة في تشديد هذا الحصار الخانق الآن ببناء جدار فولاذي تحت الأرض لمنع تهريب الغذاء والدواء والحاجات الأساسية التي تمنع السلطات المصرية نفسها مرورها فوق الأرض عبر معبر رفح الذي تصر على إغلاقه طوال الوقت، ولا تفتحه إلا أيامًا معدودات كل شهر المرور عدد من المرضى وبعض الطلاب والعالقين على الجانبين، ولا تمر عبره إلا شاحنات قليلة تحمل ما يسد الرمق للفلسطينيين، ويمنع الانفجار الذي حدث من قبل.
سألت أحد المتحدثين: هل استخدم البوليس العنف والقوة أو القى القبض على بعض المتظاهرين؟
فتبسم ضاحكًا، وقال: وهل يقدر على ذلك؟ إنهم أجانب!
وتذكرت الحماية التي كان يضفيها الاحتلال البريطاني على الرعايا الأجانب في مصر، الذين تمتعوا بحريات واسعة وكانت لهم محاكم خاصة، قبل إلغائها.
وتذكرت أكثر تاريخًا أبعد عندما تذرع البريطانيون بحادثة اعتداء على مالطي بمدينة الإسكندرية «شمالي مصر» فتقدمت قواتها وأساطيلها لاحتلال مصر الذي دام سبعين عاما، والظاهر أنه لم يرحل بالكامل عام ١٩٥٤م أو حتى عام ١٩٥٦م بل حل مكانه احتلال أجنبي من لون آخر ونوع جديد مرة سوفييتي، ومرة أمريكي حيث ترابط كتيبة كاملة من المهندسين الأمريكيين لتنفيذ الجدار الفولاذي العازل، وتمر كتائب أخرى دورية لتفقد الأمور على الجانب المصري من الحدود مع فلسطين.
ونسمع عن زيارات دورية لبرلمانيين من دول متعددة تتفقد الحدود لتطمئن إلى قيام مصر بمهامها المتفق عليها، وتنفذ الاتفاقية الاستراتيجية التي وقعتها وزيرة الخارجية الصهيونية السابقة تسيبي ليفني مع نظيرتها الأمريكية كونداليزا رايس قبل مغادرة الأخيرة لوزارة الخارجية وفي آخر يوم عمل لها.. يومها قالت مصر: إنها ليست طرفًا في الاتفاقية وغير ملزمة بها، والظاهر أن ذلك كان كلامًا في الهواء، وأن مصر لا تستطيع اليوم أن تقول: لا!
تضامن إنساني
ورحت أعيد تذكر ما قرأته في الصحف، وتابعته على الفضائيات: فتبين لي أن هناك قافلتين قدمتا من مختلف أنحاء العالم للتضامن مع غزة في ذكرى الحرب الصهيونية التي مر عليها سنة، وقتلت أكثر من ١٤٠٠ شهيد منهم أكثر من ٢٠٠ طفل، ودمرت القطاع بالكامل، واستخدمت الأسلحة المحرمة دوليًا كالفوسفور الأبيض، والقنابل العنقودية، وغيرها، جاؤوا من البر والبحر والجو واحتشدوا في القاهرة، أو تسللوا فرادي إلى العريش أو على الحدود يريدون الوصول عبر معبر رفح المغلق إلى غزة الإعلان تضامنهم مع صمود المقاومة في وجه الاحتلال، وليعلنوا أن هناك إنسانية ما زالت باقية، وقلوبا حية تتألم من أجل الإنسان لأنه إنسان بغض النظر عن معتقداته أو موقفه السياسي.
حضروا من أكثر من ٥٠ دولة يمثلون حوالي ربع سكان العالم، لا يتحدون مصر ولا سيادتها ولا يهددون أمنها القومي بل يتحدون العدوان والهمجية الصهيونية، ليست هذه المرة الأولى، بل هذه قافلة شريان الحياة.. وسبقتها بالتالي قافلتان يرأسها النائب البريطاني الجريء جورج جالاوي الذي تحدى في بلاده رئيس حزبه «العمال»، ورئيس الوزراء السابق توني بلير، واحتفظ بمقعده رغم خروجه من الحزب وترشحه مستقلًا، ثم أسس حزبًا «الاحترام» ليظل محتفظًا بمقعده، ومعه منظمة تحيا فلسطين المنظم الرئيس للقافلة.
طريق مسدود
ها هو جالاوي، يتلقى جوابًا على سؤال طرحه علي في لندن، عندما التقينا في برنامج قناديل في الظلام الذي يقدمه محيي الدين اللاذقاني الكاتب المعروف على قناة (ANN): حيث سألني على الهواء وبين الفواصل: لماذا لا تتحدون أيها المصريون والسياسيون هذا النظام المستبد؟!
هو الآن أمام المحاولة التي لا أشك أنها ستنجح، لكن فليتأمل قدر المعاناة التي يلقاها مع النظام القمعي الذي لا يستطيع اعتقاله ولا ضربه ولا سحله على الأرض، ولا تلفيق قضية تزوير له، فقط يضع العراقيل في وجهه هو وزملائه ورفاقه.
لا أشك أن قافلة شريان الحياة.. ستصل إلى غزة كما وصلت قافلتان من قبل، وكما وصلت قافلة أميال من الابتسامات، ولكن بعد جهد جهيد تبذله وساطة تركية نشطة، أما هؤلاء الذين تظاهروا في القاهرة أمام سفاراتهم وقد علمت أن الإيطاليين تظاهروا أمام سفارتهم أيضًا فلهم شأن آخر.. ليس معهم إعلام كاف إلا (BBC)، ولا يتحدون النظام كما فعل جالاوي: بل بذلوا الكثير من الوقت للتفاوض الهادئ مع النظام في مصر وممثليه الدبلوماسيين في الخارج وممثليه الشعبيين في الداخل، وعندم وصلوا إلى طريق مسدود اضطروا اضطرار للتظاهر في قلب القاهرة أو التسلل فرادي إلى العريش، كما نقلت الصحف، ينادون الحرية لغزة.. والظاهر أنهم يجب أن ينادوا أولًا بالحرية لمصر، ولذا منعهم النظام من الوصول إلى غزة، وسيعودون إلى بلادهم لينضم إليهم العشرات والمئات والآلاف ليتظاهروا أمام السفارات المصرية ينددون بالقمع والمنع والعنت، وعندها لن يجد أزلام النظام الإعلاميون حجة بأن هناك من يسعى لتشويه صورة مصر ودور مصر، لأنهم هم الذين قدموا الدليل الناصع الذي لا يقبل الشك والبرهان القوي على تواطؤ مصر في حصار غزة، ومنع المساعدات الإنسانية عن شعبها.
اليوم يتظاهرون أمام السفارة الصهيونية في لندن يطالبون بمرور قافلة شريان الحياة، ويا له من عار! كأنهم يؤكدون أن القرار ليس في القاهرة بل في تل أبيب، فهل وصلنا إلى هذا القاع؟! هو النظام المصري أمام تنظيم دولي حقيقي جديد، والغريب أنه ليس على رأسه د. عبد المنعم أبو الفتوح «الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب»، وليس يضم أحدًا من الإخوان المسلمين.
وها هو النظام المصري يواجه مظاهرة عجيبة للنشطاء الفرنسيين والإيطاليين والأمريكيين بل وقليل من الهنود في قلب القاهرة يغلقون أحد اهم شوارعها، ويعتصمون من أجل المرور إلى غزة! رأيت المظاهرة وأنا أكتب هذه الكلمات على شاشة ال(BBC)، ولم الحظ فيها لا د. حمدي حسن نائب الإخوان، ولا د. محمد البلتاجي أمين عام كتلة الإخوان، ولا حتى جورج إسحق، أو عبد الحليم قنديل.
موقف عجیب
يقف النظام اليوم، وقوات بوليسية وأدوات قمع عاجزة عن التعامل مع هذه الظاهرة الإنسانية، فإذا أغلق الحدود البرية والبحرية فكيف يقوم بفرز القادمين في الطائرات؟! وليس لديه قوائم بأسماء سكان العالم الذين تحرك مشاعرهم وقلوبهم إنسانية عظيمة ورحمة تلين بها قلوب العباد بإذن الله، وقد خلت من قلوب حكامنا الرحمة وافتقدوا الإنسانية يا له من موقف عجيب! هل يقدر النظام المصري على قمع أحرار العالم؟!
لقد وضع النظام رجال الخارجية أمام موقف عصيب، فقد استمعت إلى حديث السفير حسام زكي المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية، يتكلم بعصبية ولغة غير دبلوماسية إطلاقًا على عكس العهد به يتهمهم بأنهم تسللوا إلى مصر بتأشيرات سياحية وليست الممارسة نشاط سياسي، وكان هناك الآن تأشيرات سياسية للتظاهر أو زيارة المحاصرين في غزة ويتهمهم بأنهم وضعوا السفير الفرنسي بالقاهرة في وضع حرج، وأنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا، ويصمم بقوة على أن السلطات المصرية لن تسمح بمرور هؤلاء المتضامنين مع أهل غزة، إلا أنه تدارك الأمر بقوله: إنهم رفعوا مذكرة إلى الرئيس المصري في إشارة إلى السلطة العليا التي يمكن أن تجب كل السلطات وهذا يدل على أن التضامن مع غزة وأهلها ضد العدو الصهيوني بات أمر أمن قومي يحدده الرئيس بنفسه، وليس استراتيجية ثابتة درجت عليها مصر طوال أكثر من ستين عامًا حاربت فيها أربع حروب أو أكثر من أجل فلسطين.