; النفاق الأمريكي في قمة النفق | مجلة المجتمع

العنوان النفاق الأمريكي في قمة النفق

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أكتوبر-1996

مشاهدات 73

نشر في العدد 1221

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 15-أكتوبر-1996

كما توقعت أغلب الدوائر هنا في العاصمة الأمريكية واشنطن جاءت نتيجة الاجتماع الذي دعا له الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حول الأحداث الأخيرة في الأراضي المحتلة مخيبة للآمال، نعم لقد وصل كل من الملك حسين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وكذلك الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وعقدوا جلسة ترحيب وغداء عمل في البيت الأبيض وبلير هاوس (بيت للضيافة يقع مقابل البيت الأبيض) كما عقدوا جلسة أخرى صيغ فيها بيان يوضح ما تم التوصل إليه من نتائج دون حضور الرئيس الأمريكي والملك حسين. 

وقد صورت هذه المحصلة السلبية صحيفة تايمز في عددها الصادر يوم 2-10-1996م. عندما ذكرت بالخط العريض «النتيجة السلبية للاجتماعات»، ثم أردفت قائلة: «إن رئيس الوزراء الإسرائيلي وياسر عرفات أنهيا اجتماعهما دون حل المشكلات المعلقة بينهما، ولكنهما اتفقا على مواصلة المفاوضات المكثفة على ضوء اتفاق السلام ۱۹۹۳م». لقد كان الداعي لهذا الاجتماع هو الانتفاضة الفلسطينية التي بدأت يوم الثلاثاء الموافق ٢٤ سبتمبر ١٩٩٦م، واستمرت أربعة أيام متتالية ذهب ضحيتها أكثر من سبعين شخصًا «٦٠ فلسطينيًا و١٥ إسرائيليًا» وذلك إثر فتح باب آخر لأحد الممرات أو الأنفاق التي تحيط بالمسجد الأقصى، ولكن الموضوعات الأخرى الشائكة هي مادة وسبب هذه الانتفاضة التي وضعت عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل في مهب الريح. إن عملية السلام نفسها اليوم تقف على مفترق الطرق.. هل تتقدم أم تتراجع؟ لماذا يا ترى جاءت نتيجة هذا الاجتماع في واشنطن مخيبة للآمال؟ دعنا نبحث في بعض الأسباب.

الموقف الإسرائيلي

حتى نتمكن من تحليل الافتراض الذي قلنا به وهو أن نتيجة اجتماعات واشنطن جاءت مخيبة لآمال الفلسطينيين والأمريكيين والإسرائيليين الذين يريدون السلام فعلًا في الشرق الأوسط لا بد لمعرفة ذلك أن نحلل موقف كل من الأطراف المشاركة في هذه الاجتماعات وأهدافها وظروفها. لقد جاءت حكومة الليكود قبل ثلاثة أشهر كمفاجأة للعالم بأجندة في غاية التطرف تجاه عملية السلام التي بدأتها حكومة حزب العمل مؤسسة على اجتماعات أوسلو، ومؤتمر مدريد في أکتوبر ۱۹۹۱م، فقد رفضت حكومة الليكود مبدأ أو فكرة «الأرض مقابل السلام»، التي كانت حجر الزاوية في مؤتمر مدريد، واقترحت معادلة جديدة هي «الأمن مقابل السلام»، وعليه فقد نبذت المعادلة الأولى الأساسية التي قام عليها مؤتمر مدريد أما ثانيًا فللتدليل على هذا الجانب العملي لهذا التغيير رفضت حكومة نتنياهو الانسحاب من مدينة الخليل، وهو الأمر الذي كان مقرراً له أن يتم منذ مارس الماضي، وقد تحدث رئيس الوزراء نتنياهو حول عدم الانسحاب من هذه المدينة التاريخية باعتبارها مدينة إبراهيم عليه السلام-  وفيها آثاره فلابد من تأمين الوجود الإسرائيلي فيها حسبما ذكرت صحيفة الوول ستريت جورنال بتاريخ ١٩٩٦/٩/٢٠م.

هذا الإصرار من قبل حكومة الليكود يثير غضب السلطة الفلسطينية باعتباره إشارة واضحة لتخلي الحكومة الإسرائيلية الجديدة عن تعهدات حكومة حزب العمل الأمر الذي يضرب بقوة في مصداقية السلطة الفلسطينية وعجزها عن تحقيق ما كانت تصبو إليه، أما الأمر الآخر فهو إصرار حكومة الليكود على عدم التراجع عن قرارها بفتح النفق الذي أدى إلى هذه الأزمة.. كيف لا تتراجع عن إجراء أحدث كل هذا الخراب في مسار عملية السلام؟ إذا كانت هذه الحكومة جادة للسير قدمًا في عملية السلام- يسأل لسان الحال- فعليها إذًا أن تعود إلى حالة ما قبل الأحداث، ويدلل على هذا الإصرار عدم إقفال هذا النفق، يقول نتنياهو: «إن هذا الممر يعطي ويؤمن لليهود الصلة بقاعدة الوجود الإسرائيلي التاريخي قبل ألفي سنة في أرض القدس»، وذلك حسبما أوردت صحيفة الوول ستريت جورنال ذات الوزن المقدر في 30-9-1996م.

نتائج التراجع

إن التراجع الإسرائيلي عن افتتاح الممر نظر له من ناحية أعمق في مفهوم تحقيق التنازلات والمكاسب المستقبلية، لأنه يخدم المصالح الفلسطينية بعيدة المدى فلو تراجع نتنياهو عن قرار افتتاح الممر بإغلاقه، فإن الفلسطينيين سوف يتعلمون أنه كلما تظاهروا وأحدثوا اضطرابات فسوف يقودهم ذلك لتحقيق المزيد من التنازلات.

هذه المقدمة وهذه النتيجة لا تريد حكومة إسرائيل اليمينية أن تجعلها واقعًا، وإلا فسوف يتكرر ذلك كلما أراد الفلسطينيون أن يضغطوا على إسرائيل وبناء عليه فإن المعادلة التي تقول إنه كلما حدثت اضطرابات كانت الحصيلة خسارة الطرف المتظاهر هي الأقرب للتصور الإسرائيلي. هذه المعادلة يؤكد عليها الخطاب الذي أرسله كبار قادة الكونجرس الجمهوريين للرئيس الأمريكي، فقد ذكر المتحدث باسم مجلس النواب السيد نيوت غينفرتش (الجمهوري من جورجيا) وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ السيناتور ترنت لوت (الجمهوري من ميسيسبي) ذكرا: «إن الاجتماعات المذكورة سوف تكون ذات نتائج عكسية بالنسبة لعملية السلام في الشرق الأوسط على المدى البعيد، خاصة إذا ما استخدمت كأداة للضغط على إسرائيل للتنازل من طرف واحد استجابة لأعمال العنف التي تعرض لها المواطن الإسرائيلي، لأنها سوف تقوي من موقف الفلسطينيين الذين سوف يفهمون أنهم كلما استخدموا العنف تحققت لهم مكاسب أكبر»، هذا ما أوردته صحيفة الواشنطن بوست إحدى ثلاث صحف يومية رئيسية في الولايات المتحدة في عددها الصادر في 20-9-1996م.

هذا هو الأساس النظري لعدم التراجع الإسرائيلي والتعنت في عدم الاستجابة لمطالب الفلسطينيين، ومن هنا نعلم أن عدم تغيير الموقف صب تمامًا في اتجاه إخفاق اجتماعات واشنطن وبالتالي إقرار نتيجة مخيبة للآمال.

الموقف الفلسطيني

إن الموقف الفلسطيني يمثل موقف الطرف الضعيف في هذه المفاوضات، فهو لا يملك أن يعطي، ولكنه سعى لأن يأخذ، فقد أرادت السلطة الفلسطينية إغلاق الممر الذي أثار الانتفاضة، لأن عدم إقفاله قد يعني تجدد الاضطرابات، وهي لا تملك إيقاف الفلسطينيين من أن يعبروا عن رفضهم للتعنت الإسرائيلي، وإلا فقدت حتى التأييد ذو العد التنازلي الذي تحظى به في أوساط الشعب الفلسطيني. إن الذي تملكه السلطة الفلسطينية في هذه المفاوضات هو التركيز على عدم مسؤوليتها عما يحدث إذا لم تقفل الحكومة الإسرائيلية الممر، وهذا بدوره يؤكد الخوف والوجل في أوساط الحكومة الإسرائيلية، كما يؤكد عدم الرضا لدى الإدارة الأمريكية التي ظهرت بمظهر الذي فشل في إيقاف حمام الدم في الأراضي المحتلة رغم جهودها، وهذا كله ذو آثار سلبية على الانتخابات الأمريكية. أما نقطة الضعف في هذه الحالة والتي تلعب في صالح السلطة الفلسطينية- أي التهديد بعدم تحملها المسؤولية عن أي اضطرابات قد تحدث من جراء التعنت الإسرائيلي- هو أن الإسرائيليين ذكروا لسلطة عرفات أنهم يسعون لإقناع الولايات المتحدة والدول الداعمة لعملية السلام لتأمين مبلغ ٥٠٠ مليون دولار لدعم السلطة الفلسطينية، وأنهم هم السماسرة، فإذا أرادت السلطة الفلسطينية الحصول على هذا المبلغ- والذي يسعى الإسرائيليون لمساعدتها بالحصول عليه- فعليها أن تستخدم كل الوسائل لمنع الفلسطينيين من إثارة العنف، ولكن السؤال هو: هل تملك سلطة عرفات فعلًا المقدرة على السيطرة على الشارع الفلسطيني؟ 

لقد أجابت صحيفة نيويورك تايمز في عددها في 10-4-1996م قائلة على لسان أحد الفلسطينيين في مخيم العروف شمال مدينة الخليل: «إن الفرصة الأخيرة ستكون اجتماعات يوم الإثنين، وإذا فشلت، فإن الانتفاضة هذه المرة ستكون بقصد القضاء على اليهود وليس قيام دولة فلسطينية كما كانت تهدف الانتفاضة السابقة». طالبت السلطة الفلسطينية أيضاً أن تنسحب القوات الإسرائيلية من الخليل، وهي هنا أرادت أن تكون في موقف الذي يأخذ وليس الذي يعطي لإيقاف العنف. إن الأوراق التي تملكها إسرائيل في إيقاف العنف والعودة لمسيرة السلام أكثر بكثير مما تملكه سلطة عرفات وصدقت الدلائل التي قالت إن حكومة الليكود لن تتنازل الآن عن مدينة الخليل على كل حال. إن الطرف الفلسطيني يمكنه أن يتعهد بالسعي لإيقاف اضطراب الأحوال، وأن يسعى ليتحكم في عدم انفراط عقد الأمن وحمل الفلسطينيين على عدم اللجوء إلى العنف، ولكنه- أي الطرف الفلسطيني. لا يستطيع أن يقول بضمان ذلك. فكيف يضمن ذلك كبند من بنود النتائج الإيجابية التي لابد أن تتمخض عنها الاجتماعات؟ فهل تراهن السلطة الفلسطينية على شيء لا تضمنه تمامًا.

هذه المحصلات صبت في اتجاه صدق التنبؤ الذي قال بعدم إمكانية خروج هذه الاجتماعات بنتائج إيجابية، وعليه فإن حصيلة خيبة الأمل بدت واضحة من منظور إمكان مشاركة السلطة الفلسطينية في المساهمة الإيجابية في النتائج المتوقعة.

الطرف الأمريكي

شاءت إرادة الله أن تحدث هذه التطورات في الشرق الأوسط وانتخابات الرئاسة الأمريكية قاب قوسين أو أدنى من نهايتها، حيث تعقد عادة في شهر نوفمبر، وبلا شك فإن الطرف الأمريكي مشغول الآن بالانتخابات على مستوى كل من الإدارة الديمقراطية والحزب الجمهوري، وعليه فإن الطرفين سعيا للخروج بمكاسب انتخابية، وأقل هذه المكاسب ألّا يفقدا نقاطًا بسبب موقفهما من هذا الصراع، أما أكبر هذه المكاسب فسيكون إذا حققا ارتفاعًا في مستوى الإقبال على انتخابهما. وقد لخص الرئيس الأمريكي ما توصل إليه الطرفان عندما قال: «أرجوكم.. أرجوكم أعطونا فرصة لإنجاح هذه الجهود»، ولكنه عاد ليقول: «إن المشكلات ما زالت معلقة والاختلافات ما زالت ماثلة»، وذلك حسب تقدير واشنطن تايمز 3-10-1996م.

إن الطرف الأمريكي حاول ألّا يفقد أصدقاء إسرائيل، وبالتالي لم يرد أن يتخذ أي خطوة تعكر صفو علاقته بالجالية اليهودية واللوبي الصهيوني هنا، وأكثر من عبر عن ذلك هو وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر حيث قال: «إننا لا نتوقع معجزات من هذه الاجتماعات»، وذلك حسبما أوردت صحيفة النيويورك تايمز الصادرة في 20-9-1996م. ألم يكن في إمكان الولايات المتحدة مزاولة نوع من الضغط على الحكومة الإسرائيلية اليمينية لإقفال هذا النفق الذي أثار هذه المشكلة؟ بالطبع كان بإمكانها فعل ذلك، ولكن موقف الانتخابات الرئاسية وحساسية الموقف خاصة وهي في منافسة ومباراة حامية مع المرشح الجمهوري روبرت دول والذي انتهز هذه الفرصة ليظهر إخلاصه وحرصه على إسرائيل حيث قال:«إن على الإدارة ألّا تزاول أي نوع من الضغط على صديقتنا إسرائيل لأجل حملها على إحداث تنازلات من طرف واحد، وذلك حسبما أوردت الصحف هنا خلال اليومين الماضيين بل إنه طلب مقابلة نتنياهو في موعد كان مقررًا له يوم الثلاثاء 1-10-1996م. ولكنه أجل إلى الأربعاء حسب طلب نتنياهو.

إن اليد الأمريكية مكبلة تجاه المضي قدمًا في اتجاه الضغط على إسرائيل، لكنها عملت على إيقاف العنف وجعل الطرفين يدخلان في مفاوضات مباشرة على الأقل حتى تنتهي الانتخابات وقد عبر عن ذلك وزير الخارجية الأمريكية قائلًا: إن عملي ليس توزيع اللوم، ولكن عملي ينصب على حل المشكلات، وذلك حسبما قالت صحيفة واشنطن بوست عدد 20-9-1996م.

هذا بجانب ضغط الكونجرس الجمهوري الذي عبر عن رأيه في الرسالة التي أرسلت للرئيس الأمريكي، والتي تقف بصراحة إلى جانب إسرائيل.

وقد تعرضت الإدارة الأمريكية لضغوط من المنظمات اليهودية والمسيحية المتطرفة الأمريكية التي تساند إسرائيل، وهي منظمات ذات وزن في العملية الانتخابية الرئاسية، وقد حملت صحيفة الواشنطن بوست عدد 2-10-1996م. صورة رئيس «الإيباك» ريتشارد هلمان، وهي أقوى المنظمات اليهودية العاملة في أمريكا، بالقرب من البيت الأبيض أثناء الاجتماعات المذكورة وهو يحمل لافتة تساند إسرائيل وتطلب من الرئيس «ألّا يقوم بمكافأة الذين يثيرون المظاهرات والإرهابيين»، والقصد مفهوم. وهذا فإن الموقف الأمريكي كذلك لم يدلل على أنه سوف يساهم بشيء إيجابي لإحداث نتائج محسوسة في هذه المرحلة تخرج بها هذه الاجتماعات، وذلك بسبب تعقيد الخارطة الداخلية للولاية المتحدة في هذه الظروف.

الخلاصة

أشارت قراءة المواقف والظروف التي أحاطت بالاجتماعات الخاصة التي عقدت في واشنطن بين ياسر عرفات والملك حسين وبنيامين نتنياهو إلى أن تحقيق نتائج إيجابية أمر لم يكن متوقعًا، بل على العكس ظهرت صورة تدعو لخيبة الأمل، ولذلك ثمنه الذي سوف يدفعه كل الأطراف الثلاثة في هذه الجولة من الاجتماعات، فهي سوف تؤثر سلبيًا على موقف الرئيس الأمريكي الانتخابي ولكنها بالقطع لن تتسبب بصورة مباشرة في إسقاطه، كما أنها سوف تؤثر سلبيًا على موقف السلطة الفلسطينية. فقد ساهمت هذه السلطة في إيقاف المد الشعبي الفلسطيني عن مواصلة انتفاضته، وهو يتوقع مقابل ذلك نتائج محسوسة أقلها إقفال الممر الذي سبب هذه الأحداث، وعدم حدوث نتائج في هذا الاتجاه سيكلف عرفات وسلطته أمرًا عزيزًا. أما حكومة نتنياهو فإنها قطعًا ساهمت في خروج هذا المؤتمر بلا شيء على صعيدين، أحدهما يسعد أنصارها في الداخل من متعصبي الليكود. والآخر يغضب معارضيها في الداخل والخارج عربًا وأمريكيين ديمقراطيين، وهكذا تعد هذه الاجتماعات ذات نتائج مخيبة للآمال.

 

الرابط المختصر :