; النقد بين الالتزام الأدبي وحرية الأديب المسلم | مجلة المجتمع

العنوان النقد بين الالتزام الأدبي وحرية الأديب المسلم

الكاتب الأستاذ الأديب الداعية د. عبد الباسط عبد الرزاق بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1990

مشاهدات 62

نشر في العدد 951

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 23-يناير-1990

•       دعوة الالتزام في ظل الأدب الإسلامي هي استثارة لوجدان الأديب المسلم.

•       يجب أن نرفض كل ما يزرع في لغتنا ونقدنا، ما دام هناك ترجمة له.

•       الالتزام ليس دعوة يتفرد بها الماركسيون أو الوجوديون.

•       حرية الأديب المسلم مضمونة ومكفولة كفالة تامة في ظل الالتزام الإسلامي.

•       الأدب الإسلامي أدب شمولي يضم إبداع الشعوب المسلمة بلغاتها المختلفة.

لا أجد حرجًا في استخدام لفظة عربية أصيلة، لا ترتبط بمذهب محدد، ولا تقتصر على عقيدة أو دعوة معينة، وثمة مصطلحات نقدية كثيرة نستخدمها بكثرة في كتاباتنا النقدية وفي تاريخ الأدب، لها مقابلاتها في اللغات الأخرى، وتستخدم في أدبها بدلالات مطابقة أو مقاربة، ترتبط بشكل العمل الأدبي أو بمضمونه، وتحمل قضاياه بمفهومات متشابهة أو مختلفة، ولا نجد حرجًا في استخدامها.

ففي الشكل نستخدم مصطلحات: الإيقاع والصورة والبناء ومحاكاة الواقع والإسقاط وتيار الوعي والحبكة والعقدة... إلخ.. وفي المضمون تستخدم مصطلحات الصراع والثورة، والاستلاب والإقطاع، والعدالة والاغتراب، والاستبطان... إلخ، بل إن مصطلحي: الشكل والمضمون لم يُستخدما بالدلالة التي تعرفها الآن في تراثنا النقدي، فقد كان الشائع في تراثنا مصطلحا اللفظ والمعنى!

وقد استخدم المترجمون مصطلحات كثيرة في الشكل والمضمون، ونقلوا بها المفهومات الخاصة التي يقصدها الواقعيون الاشتراكيون والواقعيون الانتقاديون، والوجوديون، والسرياليون، والداديون.. إلخ، فهل صودرت ألفاظ تلك المصطلحات؟؟ وهل أصبحت ملكًا لأصحاب تلك المذاهب لا يجوز أن نستخدمها... وربما يستحسن أن نسقطها من قواميسنا الأدبية.. ثم اللغوية؟!!

أعتقد أننا لو فعلنا ذلك لتنازلنا عن جزء من لغتنا لأولئك المتسلطين، ولاستطاع أن يترجم كتابًا لخصومنا، ويحجز المفردات التي يقابل بها المصطلحات الأجنبية، ويحظر علينا استخدامها.

 

ضرورة الابتعاد عن الهوامش:

إننا ونحن نتصدى لقضية ضخمة ترتبط بالإسلام - قضية الأدب الإسلامي - ونسعى لتعزيزها في المجتمعات والأفراد عبر بوابات الأدب والنقد، لا يصح أن تشغلنا الهوامش والحواشي غير الأساسية، ولا أن نستسلم لفرط الحساسية والتفرد المطلق.. فالأدب الإسلامي بنية قوية متماسكة، قادرة على التعامل مع الساحة الأدبية والنقدية المحلية والعالمية من مواقف الشخصية المتكاملة القادرة على الأخذ والعطاء.

والأدب الإسلامي أدب شمولي، يضم إبداع الشعوب المسلمة بلغاتها المختلفة، ويتعامل مع المعطيات الأدبية والنقدية - المحلية والعالمية - بثقة كاملة، فيأخذ ما يريد، ويترك ما يريد.. ويضع بصماته المتميزة على أي شيء يأخذه، ويضع مصطلحاته بأي أسلوب كان سواء بالابتكار المطلق، أو بتأهيل الألفاظ والعبارات المستخدمة من قبل، وعندما يستخدم لفظًا أو عبارة ما، ويجعلهما مصطلحًا يعبر عن مفهوم من مفهوماته، أو يدل على قضية من قضاياه، فإنه يشحنه بمضمونه الخاص، ويربطه بتصوراته، فيكون متميزًا بما دخله من مضمونات ومفهومات؛ فمصطلح الثورة مثلًا يمكن أن نؤهله، ونستخدمه وفق دلالات إسلامية محضة، ولا عبرة إطلاقًا لاستخدام الماركسية له.. فمضمون الثورة عندنا - أسبابًا ونتائج - يختلف عن مضمونها عند الماركسية... ودلالاته الإسلامية تأتي من إضافته إلى الإسلام، أو من قرينة واضحة، أو من دلالة السياق، ولا يمكن للمصطلح أن يدجننا، وشحنناه بدلالاتنا، وأضفناه إلى شريعتنا، أن يجر الأدب الإسلامي - هذا الكيان الضخم - إلى المظلة الجاهلية، ولا أن يلوثه، ولا حتى أن يثير الشبهات حوله، فما من دارس للأدب إلا ويدرك أن الالتزام الإسلامي في الأدب مختلف كل الاختلاف عن الالتزام الماركسي أو الوجودي أو الأليوني... إلخ، وقد ارتضى دعاة الأدب الإسلامي هذا المنهج، ثقة بأنفسهم وبدعوتهم الأدبية، وبقدرة الإسلام وأدبه على تدجين أية لفظة، وتوجيهها الوجهة التي يريدها.

لذلك لم تخل كتاباتهم ومناقشاتهم من استخدام تلك المصطلحات ببصيرة واعية، بدءًا بالأستاذ محمد قطب، ومرورًا بالدكتور نجيب الكيلاني والدكتور عماد الدين خليل، والدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا - رحمه الله - والدكتور محمد مصطفى هدارة، والدكتور صالح آدم بيلو، والدكتور عبد القدوس أبو صالح، والأستاذ محمد الحسناوي... إلخ، ووصولًا إلى الباحثين الجادين، الذين قدموا دراسات موضوعية متخصصة في الأدب الإسلامي لنيل درجات جامعية "الماجستير أو الدكتوراه" في الأدب الإسلامي، وقد طبعت قبل أشهر قليلة واحدة من تلك الدراسات القيمة في كتاب بعنوان: الالتزام الإسلامي في الشعر للباحث الجاد ناصر بن عبد الرحمن الحنين.

وقد فصل الباحث القول في قضية الالتزام الإسلامي، وأظهر التمايز الكبير بينه وبين الالتزامات الأخرى، وأثبت بذلك أن مصطلح الالتزام ليس ملكًا للمذاهب الضالة، وأن الأدب الإسلامي ونقده قد استخدماه بمفهوم إسلامي وطوعاه طواعية تامة، ولا يفوتني هنا أن أذكر الدراسة القيمة التي قدمها الدكتور محمد مصطفى هدارة إلى ندوة الأدب الإسلامي التي عقدت في الرياض عام 1405هـ، بعنوان: الالتزام في الأدب الإسلامي، والتي آمل أن تُطبع في وقت قريب.

المصطلح ورابطة الأدب الإسلامي:

وكذلك اعتمدت رابطة الأدب الإسلامي العالمية - وعلى رأسها سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي - هذا المصطلح بدلالته الإسلامية، وأوردته ضمن مبادئها العامة في وصف الأدباء الإسلاميين، فقد نصت الفقرة الثالثة من تلك المبادئ على ما يلي: "الأدباء الإسلاميون متقيدون بالإسلام وقيمه، وملتزمون في أدبهم بمبادئه ومثله"، ونصت شروط العضوية في نظامها الأساسي على أن يلتزم عضو الرابطة بدين الله - عز وجل - ثم بمبادئ الرابطة، ثم يدفع الاشتراك المالي... "انظر الفقرات 1، 3، 5 من المادة الرابعة من النظام الأساسي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية".

وبعد:

فإن قضية الأدب الإسلامي كبيرة واسعة، وإن موضوع الالتزام فرع من فروعها، وإن الثقة بالقضية وبالعاملين فيها كبيرة - إن شاء الله - وإن مرحلة بناء الكيان الأدبي والنقدي الضخم متواصلة، تبطئ حينًا وتسرع حينًا آخر... ولا خوف عليها البتة من تدجين مصطلح وتثبيت قاعدة، ما دام المصطلح مشحونًا بالدلالة الإسلامية، وما دامت القاعدة مرتبطة بالتصورات الإسلامية الصحيحة.

ولئن كان من طبيعة الدعوات الأدبية - وغير الأدبية - أن تظهر اجتهادات فردية، وآراء متميزة، فهذه ظاهرة صحية لا ظاهرة انحراف أو سقم، فالاستثناء يؤكد القاعدة دائمًا.

ولئن كان من طبيعة الدعوات - أيضًا - أن يتمسك بعض أصحاب الاجتهادات الخاصة باجتهاداتهم، فإن من نواميس نجاح الدعوات وسلامتها أن يتعاون الدعاة فيما اتفقوا عليه، وأن يتكاتفوا، وأن يوحدهم خندق المواجهة مع الخصوم، لا أن تستدير خنادقهم، وتصبح ميدانًا لمواجهات خاطئة، فأصحاب أبي حنيفة خالفوه في بعض اجتهاداتهم.. ولكنهم نشروا فقهه، وأفتوا بما وافقوه به.. وكذلك فعل أصحاب الأئمة الآخرين وتلاميذهم - رضي الله عنهم جميعًا - .. ولا شك أن المجتهد يؤجر مرتين إذا أصاب، ومرة إذا أخطأ، ما دام مخلصًا في توجهه، متفوقًا على ذاته، مقتنعًا بأن اجتهاده "في سبيل الإصلاح" ليس غير.

لذا.. فإننا نعد الاجتهاد الفردي المخالف في قضية التزام الأديب المسلم لا يقيد من ضرورة هذا الالتزام، ولا يغير اقتناعنا الكامل بأن الالتزام الإسلامي هو أحد خصائص الأدب الإسلامي، وأحد قواعده النقدية الرئيسية، وإن استخدام مصطلح "الالتزام" لا يخدش ذلك الأدب، ولا يلوثه بلوثة الآداب الجاهلية، ولا يجعله مختلطًا بها تحت مظلة واحدة، فالالتزام الإسلامي له خصوصية واضحة، والدراسات النقدية هي الكفيلة بإزالة أية شبهة حوله.

إن التزام الأديب المسلم حقيقة واقعة قديمًا وحديثًا، وإن الدعوة إلى مزيد من الأدباء المسلمين الملتزمين ضرورة يمليها ويزكيها واقعنا المعاصر.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 18

0

الثلاثاء 14-يوليو-1970

هذا الأسبوع (18)

نشر في العدد 1116

116

الثلاثاء 13-سبتمبر-1994

ثلاثيات (العدد 1116)

نشر في العدد 1652

95

السبت 21-مايو-2005

المجتمع الثقافي (1652)