; النكتة ... مفهومها وأنواعها وتأثيرها 1 من 4 | مجلة المجتمع

العنوان النكتة ... مفهومها وأنواعها وتأثيرها 1 من 4

الكاتب جابر قميحة

تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011

مشاهدات 65

نشر في العدد 1950

نشر في الصفحة 50

السبت 30-أبريل-2011

  • النكتة عمل درامي مستقل بذاته له تركيبة أدبية مضغوطة ومكثفة .. وهي إفراز ساخر لأزمات الدول والثقافات.
  • الشائعة سلاح من أسلحة الحرب النفسية تهدف إلى تحطيم المعنويات وتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية.
  • المصريون برعوا في الفكاهة منذ العصر الفرعوني لتمتعهم بسرعة البديهة.. واتخذوا منها منفذا للتفريج عن همومهم.

عرفوا «الإنسان» بتعريفات متعددة، لعل أشهرها وأقدمها أنه حيوان ناطق»، أي: مفكر ومن هذه التعريفات كذلك : أنه حيوان مخترع أي متطور وضربوا مثلاً بالإنسان والقرد فالقرد - من ملايين السنين - مازال يعيش في الكهوف وبين الأشجار ويأكل الموجود الجاهز من ثمار وحشائش وغيرها، أما الإنسان فقد طور حياته وبيئته، فحول سكنه من الكهوف إلى البيوت المبنية وطور ملبسه من ورق الشجر إلى جلد الحيوانات، ثم إلى الملابس الحديثة.

وعرفوا الإنسان كذلك بأنه «حيوان ضاحك».. والضحك نوعان ضحك تعبيري وضحك تعويضي، والأول مصدره شعور الإنسان بالفرح والسعادة، أما النوع الثاني فسببه تلاحق الشدائد والمصائب على الإنسان حتى يفقد إحساسه بها، على حد قول المتنبي:

 رماني الدهر بالأرزاء حتى                           فؤادي في غشاء من نبال

فكنت إذا أصابتني سهام                            تكسرت النصال على النصال

وأمام حالة «اللامبالاة» هذه يلجأ المرزوء إلى ملء منطقة السعادة المفقودة في شعوره بالضحك الذي يأخذ صورة السخرية من ظالميه وأعدائه.. يسخر منهم ويضحك ويُضحك الآخرين عليهم، منتقما منهم بلسانه بعد أن عجز عن الثأر منهم بيده، ويجد أن أمضى سلاح في هذا المقام هو النكتة.

التعريف اللغوي لـ «النكتة» «النكتة»

 تعني المعاني الآتية في اللغة العربية:

- حز الأرض، أو ضربها بعود أو عصا وإحداث أثر فيها .

- النقطة السوداء، كوسخ في المرأة أو السيف أو العين .. إلخ.

- الضربة أو الطعنة، أو إلقاء الرجل في الأرض على رأسه، والرجل النكات بتشديد الكاف: الطعان في الناس. والنكيت: المطعون فيه ...

وهناك طائر كبير يسمى «النكات» بتشديد الكاف، وهو طويل المنقار والساقين يعيش في الأمريكتين وأستراليا وأوروبا، ويفد إلى مصر شتاء طلبا للدفء، وأطلق عليه هذا الاسم لأنه ينكت - أي يضرب – بمنقاره الطويل في الطين بحثاً عن الديدان .

وهناك كلمة تشبه كلمة «التنكيت» في المعنى هي كلمة «التبكيت»، وهي - كما جاء في لسان العرب - الضرب بالعصا والسيف واليد ونحوها ، وهو أيضا : التقريع والتوبيخ. والتعريف اللغوي يشير في قوة إلى الطابع النقدي المعنوي للنكتة»؛ فهي تكشف العيوب والمثالب وتهزها وتضربها بالسخرية الشديدة المرة.

وهي - كالتبكيت - تحمل معنى التقريع والتوبيخ، ونذكر في هذا المقام أن عبدالله النديم أصدر مجلة سماها «التنكيت والتبكيت»؛ كانت تهاجم المستعمرين والفاسدين بسخرية وتهكم.

ويعد الشعب المصري من أكثر شعوب العالم ضحكا وتنكيتا - وذلك على سبيل التعويض طبعا - لأنه تعرض على مدار التاريخ للظلم الفادح والقهر المطحون.

والعلاقة بين النكتة والظلم السياسي والاجتماعي علاقة طردية، فهي تكثر وتتنوع

وتنتشر في عهود الظلم والدكتاتورية، وتقل بل تختفي - في عهود العدل والحرية

لذلك كان النصف الثاني من القرن العشرين بعد قيام الثورة الميمونة سنة ١٩٥٢م أغزر العهود وأشدها وأمرها نكتاً، وأغلبها يرتبط بتصرفات المسؤولين الكبار إذا شذت عن الطريق القويم.

التعريف الفني

ومما كتب في تعريف «النكتة»:

 هي عمل درامي مستقل بذاته، له تركيبة أدبية مضغوطة ومكثفة، وهي إفراز ساخر

لأزمات الدول والثقافات.. فيكفي أن تتعرض بنكتة لأي فئة حتى تنبري هذه الفئة بطريقة قبلية حماسية للدفاع عن نفسها، حتى لو لم تكن النكتة تمسها بشكل مباشر.

ونرى شيخ الإسلام ابن تيمية يعرف النكتة بأنها : شيء من قول أو فعل يقصد به غالباً الضحك وإدخال السرور على النفس، وينظر في حكمها إلى القصد منها وإلى أسلوبها، فإن كان المقصود بها استهزاء أو تحقيراً مثلاً، أو كان في أسلوبها كذب مثلا كانت ممنوعة، وإلا فلا .. وهي تلتقي مع المزاح في المعنى، وقد كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً، ومن حوادثه أن رجلا قال له: احملني على بعير ، فقال : بل نحملك على ابن البعير»، فقال: ما أصنع به؟ إنه لا يحملني فقال : «ما من بعير إلا وهو ابن بعير (رواه أبو داود والترمذي وصححه. «الأذكار للنووي ص (۳۲۲)، وقيل: إن السائل امرأة.

 النكتة والشائعة

ابتداءً يجب أن نعرف أن كلمة «الشائعة» تستعمل كما تستعمل كلمة «الإشاعة»، والفرق بينهما هو فرق صياغة، فالشائعة مشتقة من شاع» بمعنى انتشر، فهي فعل لازم، بينما الإشاعة مشتقة من الفعل «أشاع» فهي فعل متعد .

وفي القرآن الكريم استعملت كلمة شاع مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ ( النور : ۱۹)

والتعريف العلمي للشائعة كما عرضه فقه الإعلام والسياسة؛ أنها سلاح من أسلحة الحرب النفسية، ويتمثل في خبر مدسوس كليا أو جزئيا، وينتقل شفهيا، أو عبر وسائل الإعلام دون أن يرافقه أي دليل أو برهان ويقصد غالباً بالشائعة تحطيم المعنويات وتحقيق أهداف سياسية، أو اجتماعية...

وقد قسموا الشائعة عدة أقسام إلخ ،منها:

١- الشائعة التي تنتقل ببطء من شخص لآخر.

٢- الشائعة التي تنطلق بضجة فتصل

إلى أسماع عدد كبير من الناس خلال فترة زمنية قصيرة، وتكثر أيام الكوارث، وعند الانتصارات أو الهزائم.

3- الشائعة التي يطلق عليها اسم الشائعة الغائصة»؛ أي أنها تروج في البداية، ثم تختفي لتظهر ثانية عندما تتاح لها فرصة للظهور.

 والشائعة يطلقها العدو أو عملاؤه، كما تطلق ذاتياً للتنفيس عن كبت شديد.

وقد ظهرت الشائعات أثناء الحرب العالمية الثانية لخدمة الجيوش المقاتلة، وعلى سبيل التمثيل.

1- أشاع الألمان بين الجنود المسلمين الذين يقاتلون في صف الحلفاء بأن الشحم

المستخدم في البنادق وغيرها شحم خنزير.

٢- كما أشاعوا بين الجنود الهندوس بأن هذا الشحم شحم مأخوذ من البقر، مما جعلهم ينحدرون معنويا ؛ لأن هذا يعتبر إساءة لمعتقداتهم.

صحافة النكت

وقبل أن نعرض لأنواع النكت نستقرئ صحافة النكت في العصر الحديث، ويطلق عليها الأستاذ ياسر قطامش «الصحف الفكاهية»، ونقتبس مما كتب القطوف الآتية: معنى الفكاهة مأخوذ من الفاكهة» التي يتفكه بها الناس؛ أي يتلذذون بطعمها الجميل وقد برع المصريون في ذلك براعة شديدة منذ العصر الفرعوني وإلى الآن؛ لتمتعهم بالذكاء وسرعة البديهة، وقد اتخذوا من الفكاهة والسخرية والنكت اللاذعة منفذا للتفريج عن همومهم؛ خاصة في أوقات المحن وعصور الاستبداد والظروف الحالكة، فالمصري بطبيعته ابن نكتة منذ فجر التاريخ، كما يقول عالم الآثار الكبير سليم حسن، كما أن العربي بصفة عامة يميل للضحك والفكاهة، وقديما قال الجاحظ: «إذا أردت أن تقتل خصمك - فاجعله أضحوكة لك وللآخرين.

في عام ١٨٧٠م، أصدر رفاعة رافع الطهطاوي مجلة «روضة المدارس»، وكانت . أدبية علمية لا تخلو من الفنون واللطائف . والفكاهة.

وانتعشت الصحافة الفكاهية بظهور مجلة «أبو نظارة»، التي أصدرها يعقوب صنوع سنة ،۱۸۷۸م، وكانت أول صحيفة هزلية كاريكاتيرية في الشرق، وابتكر أبو نظارة في :

مجلته شخصية «شيخ البلد»، وكان يرمز به إلى الخديو إسماعيل، وشخصية أبو الغلب 

التي ترمز للفلاح المصري، كما أطلق على الخديو توفيق اسم الخديو «توقيف»، وعلى رياض باشا اسم الوزير المشخلع»، وعلى نوبار باشا اسم غوبار باشا.

- وقد تلى ذلك صدور «التنكيت والتبكيت» لعبدالله النديم سنة ۱۸۸۱م، وكانت صحيفة وطنية أسبوعية أدبية هزلية هجوها تنكيت ومدحها تبكيت، ولغتها لا تلجئك إلى معجم لغوي.

وفي عام ١٨٩٢م، أصدر النديم مجلة «الأستاذ»، فكانت صحيفة عملية تهذيبية فكاهية، إلا أن صفحات المجلتين كانت تخلو تماما من فن الكاريكاتير، وإن كانت المقالات المنشورة حافلة بالسخرية والنقد الكاريكاتيري.

 وتطورت الصحافة الفكاهية تطوراً كبيرا في العشرينيات، ثم بلغت ذروتها في الأربعينيات من القرن الماضي، وكان ذلك من خلال مجموعة من الصحف، منها : الكشكول»، و«خيال الظل»، و«الفكاهة» و«ألف نف»، و«الغول»، و«الخازوق»، و«أبو قردان»، و«البغبغان»، و «اشمعنى» و«البعكوكة»  و «ضحك » .

أما الصحف العادية، فكان معظمها يزخر بالمقالات الساخرة والأزجال الفكاهية والشعر الحلمنتيشي.

ومن تلك المجلات: «اللطائف المصورة» وسركيس»، و«كل شيء»، و«روزاليوسف» و «آخر ساعة»، و«الاثنين»، و«الصاعقة» و«المطرقة».. وغيرها

وقد أدى هذا الازدهار في الصحافة الفكاهية إلى ظهور كوكبة من الساخرين والظرفاء، أمثال : عبد العزيز البشري، والمازني وفكري أباظة، وحسين شفيق المصري وبيرم التونسي، ومحمد مصطفى حمام وعبد السلام، وكامل الشناوي.. وغيرهم ..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل