; النماذج الرائدة | مجلة المجتمع

العنوان النماذج الرائدة

الكاتب فيصل الزامل

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1985

مشاهدات 83

نشر في العدد 726

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 23-يوليو-1985

قضايا إسلامية

  • أيتها النماذج الرائدة.. أنتم نماذج ثمينة توجهتم إلى أصعب الميادين فيما اكتفى غيركم بأوساط يعبق فيها الطيب والبخور.
  • الشباب المسلم المؤهل يجمع بين رصيده الشرعي وفقهه الإسلامي وبين ثقافته العامة وتعليمه المعاصر.

         المدارس الفكرية والدعوات العقائدية والجماعات الإسلامية تستقطب آحاد الشباب ومجاميعهم، بما تحويه كل مدرسة من مرغبات تتنوع تأثيرًا بحسب عمق الطرح والمضمون، والظرف والبيئة والتوقيت المحيط بشخص الفرد ومجتمعه.

ومن بين تلك المدارس برزت المدرسة الإسلامية كغيرها في الظاهر، فهي مآل طموح شباب حائر، وهي تختلف عن غيرها في عمق الطروحات في الوجدان البشري والسلوك الآدمي، وتوافق ذلك مع توقيت ملائم فشلت فيه طروحات الآخرين في استيعاب طموح الأمة، وانكسرت آمال الشعوب على صخرة الاستعمار والصهيونية، فجاء المد الإسلامي المبارك يستوعب ما فشلت في استيعابه بقية المدارس.

وتنامت الأعداد وتنوعت الطروحات وكلها يستلهم الإسلام العظيم. ولقد تباينت نجاحات تلك الطروحات بين مجتمع وآخر وبيئة وأخرى وتوقيت وآخر، وتأثرت بالضغوطات المتعددة والمواجهة العنيفة من المدارس الأخرى. 

وآن الأوان لطرح جردة حساب أو وقفة تقييم لتلك التركيبة التي أفرزتها تلك الضغوط والظروف.

  • أساس متين 

استطاع رواد المدرسة الإسلامية المباركة قطع الشوط الأكبر في صياغة إنسان هذه المدرسة صياغة عقدية صافية، وأضافوا إليه من التربية ما نجا به من شطحات المجتمعات الصاخبة من حوله، وتعمق فكره إزاء معظم ما يطرح حوله من قضايا الإسلام والمسلمين، حتى رد الشبهات وأبطل الإشاعات عن دينه فاستقام فهمه، فهو بفضل من الله تجسيد لقوله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا (الأنعام: 122).

وتجمعت عن هذه النماذج أسس الفهم المتين لعلاقات المسلم بربه ودينه، وعلاقة المجتمع بالله وبالشريعة الإسلامية الغراء.

ثم إن هذا الإنسان المسلم انطلق يسير بين الناس بدينه، فواجهته الضغوطات والمحن والابتلاءات فاجتازها، واستجدت أمامه قضايا غريبة عليه... فهو داعية للإسلام ينبغي تقريب هؤلاء إلى دينه، ورسوله صلى الله عليه وسلم يدعوه لمخاطبة هؤلاء الناس وفق ما يعقلون كما جاء في الحديث «خاطبوا الناس بما يعقلون أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله». 

فجعل الشباب المسلم المؤهل بأرفع الشهادات يجمع بين رصيده الشرعي وفقهه الإسلامي إلى ثقافته العامة وتعليمه المعاصر؛ فيمشي بين الناس مقربًا لهم الصورة التي غفلوا عنها للإسلام العظيم. 

فنجح هذا الشاب فيما تعثر بعض من خاطب الناس بما يريدهم هو أن يعتنقوه... لا بما يعقلونه.. ويطرح عليهم المفاهيم الإسلامية وهم في أوضاع ومجالس لا هم مهيؤون لفهمه ولا لسماعه وبلغة لا يتعاطونها؛ فعجز عما نجح فيه أخوه... فانصرف الثاني، وثبت الأول يقرب العشرات من الشباب العابث والغافل، بما يحمله من لغات حوار ومخاطبة جسدت لهم النماذج الإسلامية التي فات عليهم تصورها... وعجز ذاك المتعجل «قطف الثمر» عن بلوغ مرامها. 

  • ليس كل متحامل عدوًّا للإسلام 
  • إذن فلهذه الشرائح من الناس دعاة مخصوصون وهذه الشرائح لها صفات بسيطة، فهم أغلب الناس عددًا وأقلهم قربًا من مركز المنبع الصافي.. بل إنَّ زادهم من الدين يخالطه الكدر مثل تحامل صحافي يتيم الثقافة، أو آخر مغرض في تحامله... وهؤلاء فيهم قليل الشأن في المجتمع وفيهم رفيع الشأن، وليسوا هم محادّين لدين الله بالضرورة بقدر ما هو الصدام بشخص أو أشخاص متدينين خاضوا معهم تجربة فاشلة في الحوار.... فلئن فشل أحد الدعاة في مخاطبتهم فليس هو بحجة على الكثير منهم... فقد يكون الفشل فيه، وقد قال الله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا  (الممتحنة: 5).

ولقد أدرك الإسلام أثر الاستعداد والتوافق النفسي في فتنة الناس وهدايتهم، فجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأرواحجند مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف». ولا يعتبر تآلف قلوب الناس وحسن مخاطبتهم سببًا للتلون في العقيدة والتراخي في الفهم والتساهل مع المحرمات أو الشبهات، فليس من الإسلام في شيء اعتبار أن «الغاية تبرر الوسيلة».

لذا رأينا نفرًا يحمل هذه الرسالةإلى تلك الشريحة العريضة من الناس فيخاطبهم بما يعقلون ويقرب أذهانهم إلى النموذج القرآني، وهو في كل ذلك على هدى الله قائم يعب من معين الحنيفية السمحة ولا يفارقها.

  • ريبة فيها قصور

 ولقد رأيت هذا النموذج الرائد في هذا الحقل يكسب في فهمه ويزداد أفقه واطلاعه اتساعًا على أحوال البشر وتصاريفهم وأفهامهم، فيضيف إلى ثقافته كل يوم شيئًا جديدًا في عالم الاقتصاد والسياسة والاجتماع، ويقدمه لهم في كياسة وفطنة لا تبعده عن نبعه الرقراق قدر شعرة.

رأيت هذا النموذج الرائد يتميز بعباراته وأفكاره وأفقه التمييز العجيب، ودهشت عندما رأیت «البعض» ممن فاته الأخذ بتلك الفنون وإتقانها ينظر لكل تلك العبارات والأفكار والأفق.... بنظرة فيها ريبة. 

فلا يزال هذا البعض يمعن النظر في الجيل الرائد يتحسس منه العثرة، فإن وقعت منه زلة تقع من سائر ابن آدم بادر إلى حفظها في نفسه، وفتح لها في ذاكرته ملفًّا وسجلًّا، فلا يزال يجمع له بما له من ريبة العثرة والشذرة، ولئن نُقل عنه ما يمكن تأويله لمعنيين اختار ما يتفق مع ريبته.

كل ذلك بغير مواجهة معه.. فهو لا يملك الشجاعة الأدبية لمواجهته، غير أنه يتبرع بإعطاء نسخة من ذلك الملف إلى من يثق به بعبارة عاجلة «فلان عليه كلام».. انتهى... هكذا بغير جهة في البحث أو تقوى.. وينسى بذلك نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن جاءه يخبره عن أحد الصحابة بسوء فقال له «لا تخبرني عن أصحابي فإني أحب أن ألقى أحدهم سليم الصدر» أو كما قال عليه السلام. 

وقد يتساءل المرء، وما هي أهمية طرق هذا الموضوع؟ 

والجواب: 

1 - في بحر النفس وفتنها غرقت مراكب رجال كان يمكن أن يكونوا للإسلام خير عون.

 ٢ - تحديد تلك المسائل يضع لها حدًّا، ننتقل بعده إلى التذكير بأهمية التوقف عند نقطة محددة اسمها «إنكار الذات» واحتساب الأذى عند الله، بعد أن نكون قد أنهينا تشخيص «المرض»، وأهدينا التشخيص إلى من يمكن أن يتسببوا في نشر هذا المرض بين الشباب المؤمن بحسن نية.

3- رأيت في العديد من التجارب والمجاميع الإسلامية سواء في بلاد الإسلام أم في الغرب تكرارًا لهذا «المرض» المشين، وكلما نشأت مجموعة واجتازت سنواتها العشر الأولى وجدت فيروس هذا المرض ينتشر بين شريحة «النماذج الرائدة» من أصحاب المبادرات فتسقط. 

فلهؤلاء أوجه هذا الحديث داعيًا إياهم إلىإنکار ذواتهم والتواضع لله الذي خلقهم، واعتبار فتن كهذه بديلًا أرحم من فتن أشد شراسة أصابت غيرهم، والفتنة حق على الذين آمنوا ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (الأنفال: 37).

 

وليمضوا بعد ذلك، فهم النماذج الرائدة.... وهم الذين لا يكذبون أهلهم «إن الرائد لا يكذب أهله»، فليخاطبوا قومهم بأي لغة تنفع في تقريبهم للنبع الصافي، بل إن عليهم أن يتقنوا اللغات جميعًا بأصالة شخصية ومتانة عقيدة ووضوح فهم. 

إنكم أيتها النماذج الرائدة نماذج ثمينة، فأنتم توجهتم إلى أصعب الميادين فيما اكتفى غيركم بأوساط يعبق فيها الطيب والبخور والأمن من الأذى.. فأنتم إذن خير منهم ببشارة الرسول صلى الله عليه وسلم «من يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم».

الرابط المختصر :