العنوان النووي العربي.. حلم يتجدد؟
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2007
مشاهدات 62
نشر في العدد 1777
نشر في الصفحة 14
السبت 17-نوفمبر-2007
٥٠ عامًا من الانتظار لم تفلح في فك الرقابة الأجنبية الصارمة!
مصر تبني ٨ مفاعلات بـ ١٦ مليار دولار وسبع دول عربية تدخل عصر «الطاقة النووية السلمية»
هل يكون بناء المفاعلات العربية بنظام تسليم مفتاح ويتحكم فيها الأجانب!؟
المعارضون قبل المؤيدين يرحبون بالنووي العربي لإيجاد قاعدة علمية عربية حقيقية والتركيز على البحث العلمي.
فتح إعلان مصر رسميًا يوم ۲۹ أكتوبر ۲۰۰۷م الدخول لعصر الطاقة النووية ببناء ثمانية مفاعلات نووية سيتم شراء أولها ، وتصنيع السبعة الأخرى، وإعلان سبع دول عربية أخرى هي: الجزائر والسودان والمغرب وتونس والإمارات والسعودية والأردن، نيتها امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض توليد الطاقة - فتح المجال واسعًا لدخول العرب للنادي النووي من أبوابه الواسعة، بعدما ظلت أغلب الدول العربية ترتاد هذا الميدان من أضيق أبوابه، عبر مفاعل واحد صغير أو اثنين للأبحاث لا تستوعب غالبًا الكفاءات النووية العربية التي تهاجر أو تجتذب للخارج.
وفتح الإعلان المصري -وقبله الخليجي وبعده السوداني- المجال لحديث متشعب حول كيفية بناء هذه المفاعلات، وما إذا كان الأمر سيقتصر على شرائها بنظام تسليم المفتاح الذي يشكل أخطارًا كبيرة في المجال النووي -بعكس شراء الأقمار الصناعية الترفيهية مثلًا- وما قد يترتب عليه من أخطار التحكم الأجنبي في عمل هذه المفاعلات والسيطرة عليها، ومن ثم تقييد هذه البرامج النووية العربية وضمان التفوق العلمي والتكنولوجي للصهاينة!
وزاد الجدال غموضًا بسبب غياب حقيقة النوايا العربية -لكل دولة على حدة- بشأن ارتيادها هذا المجال النووي، وهل هو للتغلب على مشكلات الطاقة مستقبلًا، خصوصًا أن النفط سينضب في العديد من الدول، كما أن أسعاره باتت باهظة وتقترب من ١٠٠ دولار للبرميل (ما يزعج نصف الدول العربية التي لا تنتج بترولًا)، فضلًا عن أن بناء المحطة النووية الواحدة يتكلف ملياري دولار على الأقل ويستغرق البناء 8 :10 سنوات، أم أن هناك أهدافًا سياسية ما مثل مواجهة المشروع النووي الإيراني أو موازنة النووي الصهيوني.
ولأنه لا خلاف على تأييد وتشجيع هذا البرنامج النووي العربي وضرورة إجماع الأمة عليه الأسباب تقنية واستراتيجية وفنية (لإيجاد قاعدة من العلماء العرب)، يبقى السؤال الأهم في هذا الملف وهو: كيف يمكن -مستقبلًا- الاستفادة من هذا المشروع النووي العربي في الضغط على الصهاينة والعالم لإخضاع البرنامج الصهيوني لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ونزع ما لديها من أسلحة نووية سواء عبر التهديد برفض العرب الخضوع بالمثل لرقابة الطاقة الذرية أو البروتوكولات الجديدة التي بدأت تفرضها على أعضائها -مثل مصر- ولا يلتزم بها الكيان الصهيوني والتي تستهدف إرغام العرب على التخلي عن حق تخصيب اليورانيوم، أو بالتلويح بـ «عسكرة»، هذا البرنامج النووي لمعادلة النووي الصهيوني!
الحلم النووي يتحقق أخيرًا
قبل ٥٠ عامًا تقريبًا كانت مصر من أوائل الدول التي قررت الدخول في هذا المجال النووي لأسباب علمية وسياسية. ولكن تكالب الضغوط على مصر والحروب وقتل علمائها في الداخل والخارج أجهض هذا البرنامج عمليًا. وعندما عاد التفكير في إحياء البرنامج في الثمانينيات من القرن الماضي، تكالبت الأخطار النووية عقب انفجار مفاعل «تشرنوبيل» مع الضغوط الأمريكية ليجهض المشروع مرة أخرى.
ولم يكن الإعلان المصري الأخير ببناء سلسلة مفاعلات نووية والدخول في عصر الطاقة الذرية السلمية منفردًا، وإنما واكبه إعلانات أخرى قبله وبعده من سبع دول عربية حتى الآن، وشجع على هذا عدة عوامل منها: التحدي الإيراني والإصرار على استكمال برنامجها للطاقة السلمية، وتقليص المخاوف من انفجار المفاعلات النووية بعد ازدياد درجات الأمان النووي في المفاعلات الجديدة، فضلًا عن تزايد عوائد النفط الخليجية (٦٠٠ - ٧٠٠ مليار دولار عامي٢٠٠٦ و٢٠٠٧م) ما فتح المجال الاستثمار بعض هذه العوائد في بناء وخلق قاعدة علمية. إذ إن أحد أهم مزايا هذا البرنامج النووي هي دفع البحث العلمي وزيادة القاعدة العلمية في الدول التي تنشئ مثل هذه البرامج.
من هنا أصبح من الطبيعي أن تتوالى الإعلانات العربية ليصبح هناك ثماني دول عربية أبدت رغبتها في امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض توليد الطاقة، آخرها مصر ومن بعدها السودان بأسبوع واحد، وذلك على الرغم من نظرة الإعلام الغربي لهذه الخطوات العربية على أنها «رد على فشل الغرب في كبح جماح إيران النووي»، وتصوير هذا التحرك العربي على أنه ذو هدف عسكري بسبب امتلاك الكيان الصهيوني الأول قنبلة نووية في المنطقة، حسبما قالت صحيفة «صاندي تايمز».
اتهامات غربية: وربما كان الاهتمام بالبرامج المصرية والسعودية هو الأبرز إعلاميًا بسبب حجم الدولتين والتصورات المطروحة لبرامجهما، والمزاعم الغربية بأنهما يسعيان لتعزيز تطلعاتهما للزعامة في العالم العربي بالقدرة النووية. فالسعودية أعلنت العام الماضي ٢٠٠٦م خططًا لإقامة برنامج للطاقة الذرية مع شركائها في الخليج، يتردد أنه قد يشمل عدة محطات نووية مستقبلًا ومصر أشارت الثماني محطات.
كما أنه سبق أن شنت حملات غربية على السعودية واتهمها باحثون غربيون بالسعي للنووي العسكري، ورغم إعلان مسؤولين في الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن السعودية وقعت يوم ٢٠٠٥/٥/٦م اتفاقًا يسمح للوكالة بإجراء عمليات تفتيش محدودة للمواقع النووية في المملكة، فقد عارضته الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وأستراليا، لأن بروتوكول الكميات الصغيرة -الذي وقعته السعودية- يسمح بإعفاء الدول من شرط إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بامتلاكها كميات من اليورانيوم الطبيعي تصل إلى ١٠ أطنان، وهي كمية تكفي لإنتاج قنبلة نووية واحدة على الأقل كما زعموا !
وكانت آخر دولة عربية أعلنت عن هذا التوجه للنووي السلمي هي السودان التي أعلن وزير العلوم والتكنولوجيا هناك الفريق مهندس عبد الرحمن سعيد أوائل نوفمبر ۲۰۰۷ م عزم بلاده استخدام الطاقة الذرية في الأغراض السلمية، وقال: إن تلك المحطات لها جدوى اقتصادية عالية، وسيتم سداد تكلفة تمويلها من العائد المحقق، حيث أكدت الدراسات أن توليد الطاقة الكهربائية من خلال المحطات النووية أقل تكلفة من توليدها باستخدام البترول أو الغاز، خاصة إذا كان سعر البرميل
في تصاعد، وأن متوسط تكلفة إنشاء المحطة النووية بطاقة ألف ميجاوات يتراوح بين ١.٥ وملياري دولار، وأنه سيتم الاستعانة بمؤسسات وجهات تمويل دولية في ضوء الجدوى الاقتصادية للمشروع.
سيطرة أمريكية
وحينما أعلنت مصر لأول مرة استئناف برنامجها النووي السلمي بقوة، أعلنت أمريكا -على لسان السفير الأمريكي في القاهرة «فرانسيس ريتشاردوني» يوم ٢١ سبتمبر2006م: إن الولايات المتحدة يمكنها أن تتعاون مع مصر في مجال الطاقة النووية، وأنها لا تمانع في مساعدتها في توفير هذه الطاقة النووية، وأضاف: إن هناك فارقًا بينها وبين البرنامج النووي الإيراني، ما يشير بدوره ضمنًا لسعي واشنطن للتدخل في تسيير هذا البرنامج النووي وتوجيهه بحيث لا يخرج عن أهدافه التي تهدد أمن تل أبيب.
وقد كشف علماء ذرة مصريون عن هذه النوايا الأمريكية التي لا تعني رضاء عن سعي مصر لاستئناف برنامجها النووي بقدر ما تستهدف احتواء هذا البرنامج والسيطرة عليه، خصوصًا أن د. أحمد نظيف رئيس وزراء مصر قال: إن القاهرة تنوي شراء أول محطة نووية تدشن بها مشروعها للطاقة النووية، وأنه سيتم المشاركة في تصنيع المحطات السبع الباقية ضمن المحطات الثماني التي تنوي مصر إقامتها.
وحذر عدد من هؤلاء العلماء ونواب البرلمان من فكرة السيطرة الأمريكية على المشروع النووي والتحكم فيه مستقبلًا بفكرة توريد مفاعلات أمريكية غالية الثمن -عن نظيراتها الصينية مثلًا- وبفكرة «تسليم مفتاح»، بحيث يتحكم في أعماله الفنيون الأمريكيون وتتم السيطرة عليه عمليًا.
النووي- تسليم مفتاح
ويسود تصور بأن أمريكا - التي تدرك أهمية بناء مصر مفاعلات نووية لتوليد الطاقة منها -تسعى لاحتواء هذا البرنامج منذ بدايته ومراقبته عبر بيع مفاعلات أمريكية لمصر يشرف عليها خبراء أمريكان وتتولى واشنطن توفير الوقود النووي لها، ما يضمن السيطرة عليها وعدم خروج البرنامج النووي المصري عن خط سيره المحدد في إنتاج الطاقة أو السعي لتخصيب اليورانيوم وبالتالي ضمان أمن الدولة الصهيونية.
وفي هذا الصدد يقول د. محمد سلامة رئيس جهاز الأمان النووي السابق: إن دخول الولايات المتحدة بتأييدها المشروع بعد أن عرقلت تنفيذه عدة مرات، بدأت منذ عام ١٩٧٦م يعكس أمورًا سيئة قد تعرقله من جديد، فيما يحذر د. أحمد حشاد الخبير بهيئة المواد النووية وأمين عام نقابة العلميين من اشتراك أمريكا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تغيير مكان المحطة من «الضبعة» بمحافظة مرسى مطروح إلى المنطقة الحدودية بين مصر و«إسرائيل»، لإحياء المشروع «الإسرائيلي»، لمنطقة العوجة.
ويقول: إن الرئيسين الأمريكيين «داويت إيزنهاور» و«ريتشارد نيكسون»، سبق واقترحا خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم إقامة محطتين نوويتين في سيناء لتحليه مياه البحر المساعدة الصهاينة على زراعة سيناء بالاشتراك مع مصر، إضافة الإنتاج مواد انشطارية لصالح الولايات المتحدة.
أما المهندس سعد الحسيني الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين فقد أكد ترحيب النواب بإعلان الرئيس حسني مبارك إعادة إطلاق إحياء البرنامج النووي السلمي، من خلال بناء عدة محطات نووية لتوليد الكهرباء، ولكنه حذر في الوقت نفسه من استخدام هذا الملف كمطية لتحقيق أغراض سياسية وحزبية، أو أن يتم التعامل مع الملف النووي بأسلوب «تسليم المفاتيح».
في إشارة لخبراء الخارج، قائلًا: «إن صح أن تسلم المفاتيح لخبراء الخارج في المحطة الأولى في إنشائها وإعدادها وصيانتها، فلا يصح في المحطة الثانية ولا الثالثة ... إلخ». مطالبًا أن يتزامن مع هذا الأمر تأهيل فعال في الداخل الإدارة الملف النووي، وتطوير هيئة الطاقة النووية وأقسامها في كليات الهندسة بالجامعات المصرية، مع استقدام الخبرات المصرية في الخارج.
ويقول محللون إن مجرد الإعلان والبدء في بناء هذه المفاعلات النووية المصرية والعربية -بصرف النظر عن القيود المشددة المتوقعة دوليًا وأمريكيًا- يعني دخول العالم العربي عالم التكنولوجيا النووية، ويدفع باتجاه الاستفادة من الكفاءات المصرية والعربية المهاجرة للخارج في هذا المجال نتيجة توقف البرنامج النووي العربي فترة طويلة، كما أنه قد يكون حافزًا على استثمار دول عربية في هذا المجال للاستفادة من الخبرة المصرية في بناء المفاعلات وإدارتها مستقبلًا .
فيما يرى آخرون أن ظروفًا محلية داخلية وأخرى خارجية عجلت بالقرار المصري يصرف النظر عما قيل عن تنسيق مع أمريكا قبل إعلان القرار، حيث جاء في وقت يتصاعد فيه الحديث عن الترسانة النووية الصهيونية، والبرنامج النووي الإيراني وسعي تركيا لبناء ثلاثة مفاعلات نووية على الأقل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل