; الهجرة الألمانية - الألمانية | مجلة المجتمع

العنوان الهجرة الألمانية - الألمانية

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

مشاهدات 75

نشر في العدد 936

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

 

الهجرة الألمانية - الألمانية

•       ليس أمام برلين الشرقية سوى خيارات ثلاثة صعبة.

•       هونيكر.. هل يلجأ هو الآخر إلى ألمانيا الغربية؟

•       هل هي هجرة وطن.. أم هجرة نظرية؟

•       كاتب ألماني شرقي: إن هذا الحدث يهدد بلادنا بالفناء.

فرانكفورت - أسعد طه

هما مشهدان يفصل بينهما 28 عامًا. الأول كان عام 1961، أي بعد 13 عامًا من الحرب العالمية الثانية ومن "الصياغة" الشيوعية لنصف ألمانيا الشرقي. وبالتحديد مع فجر الثالث عشر من أغسطس حين قامت وحدات تابعة للشرطة الألمانية الشرقية بإزالة بلاط بعض المعابر بين شطري برلين، ثم أقامت أعمدة إسمنتية ومدت بينها أسلاكًا شائكة، في حين قطعت خطوط المترو والترام بين الشرق والغرب ليكون ذلك بمثابة البدء في إقامة سور برلين الشهير الذي يفصل الألمانيتين في محاولة منها لردع مواطنيها عن الهروب إلى الشقيقة الغربية.

المشهد الثاني كان عصر التاسع عشر من أغسطس الماضي حين أحدثت مجموعة من المواطنين الفارين من ألمانيا الشرقية منفذًا في السور الخشبي العتيق المحاط بالأسلاك الشائكة والذي يفصل المجر عن النمسا، وذلك تحت سمع وبصر ستة جنود من حرس الحدود المجري العُزَّل من السلاح، وليتمكن بعدها وفي خلال 3 ساعات حوالي 600 ألماني شرقي من النفاذ إلى النمسا في طريقهم إلى ألمانيا الغربية، وليشكلوا مع إخوانهم الذين لجأوا إلى السفارات الألمانية الغربية في بودابست، وبراج، ووارسو، وبرلين الشرقية، واحدة من موجات الشعب الهارب من "الصياغة" الأليمة.

هي الشيوعية إذن، وقد دفعت أمامها آلافًا يتوقع أن تصل إلى 100 ألف في نهاية هذا العام هاربة من أرضها ووطنها الشرعي، وقد استبدلت السور الألماني -والذي سقط حوله عشرات الضحايا وهم يحاولون بشكل أو بآخر النفاذ إلى عالم الأحياء في الجزء الغربي من الوطن الألماني- استبدلته بالحدود المجرية النمساوية مستغلة من ناحية حق التنقل المفتوح على مصراعيه أمام شعوب البلدان الاشتراكية في حدود بلدانها لتسافر إلى المجر.

ومستغلة من ناحية أخرى قرارات المجر -وفق سياستها "الجورباتشوفية" الإصلاحية الجديدة ومغازلتها للغرب- بتخفيف قبضتها على حدودها مع النمسا لتهرب عبر هذه الحدود إلى النمسا لتواصل طريقها إلى ألمانيا الغربية، ولتضع هونيكر، زعيم ألمانيا الشرقية والملازم لإحدى المصحات الطبية منذ أكثر من أسبوعين، أمام اختبار شرس وهو يحتفل بعيد ميلاده السابع والسبعين والذي وافق الخامس والعشرين من أغسطس الفائت، خاصة وأن هذا الحديث يأتي في أعقاب تصريح له بأن علاقة الفرد بالدولة والنظام الشيوعي لم تكن يومًا قوية كما هي الآن! بل إن أحد قادة حزبه الحاكم صرح في الخامس من يوليو الماضي: "إن الاشتراكية هي أول نظام اجتماعي في التاريخ يمكن الفرد من تحقيق إنسانيته".

خيارات برلين الشرقية

هونيكر زعيم ألمانيا الشرقية ليس أمامه في نظر بعض الدبلوماسيين الغربيين ومصادر في الكتلة الشرقية سوى 3 خيارات أحلاها مر للقضاء على تدفق اللاجئين الألمان الشرقيين إلى الغرب. أولها:

فرض قيود على السفر بطريقة ما إلى المجر التي يستخدمها كثير من اللاجئين كنقطة عبور بسبب القيود المخففة على حدودها مع النمسا كما ذكرنا من قبل.

وهذا الإجراء سيؤدي حتمًا إلى وقوع تظاهرات علمًا بأن برلين الشرقية تنفي أي نية لفرض مثل هذه القيود.

وثانيها: زيادة التسهيلات في السفر وفتح باب حق التنقل في خطوة من أجل تخفيف القيود المفروضة على الشعب.

علمًا بأن إطلاق حرية السفر يحتاج إلى مبالغ ضخمة من العملة الصعبة لا تتوفر لألمانيا الشرقية وتعزف عن اقتراضها.

أما الخيار الثالث فهو تطبيق إصلاحات مثل إصلاحات بولندا والمجر، وفي ذلك يقول "أوتو رينهولد" المنظر العقائدي للحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية في أوضح العبارات حتى الآن: إن ألمانيا الشرقية تقاوم تطبيق إصلاحات؛ لأنها تعتقد أن تطبيق مثل هذه الإصلاحات سيقضي على سبب وجودها ذاته.

على أية حال، فإن الجميع هناك في برلين الشرقية أدركوا أخيرًا وبقلق بالغ هذا الخطر الذي يهدد الدولة "الحكم" والدولة "النظرية"، إلى الحد الذي جعل شتيفان هيم أحد الكتاب الألمان الشرقيين يقول: "إن هذا الحدث يهدد بلادنا بالفناء".

دلالات

إلا أن هذا الشعور والإدراك بالخطر لم تستطع حكومة برلين الشرقية أن تترجمه إلى خطوات فعلية لوقفه، أو حتى حجبه لأن الجميع أدرك أيضًا الدلالات الحقيقية لهذه الهجرة.

1.     فحكومة ألمانيا الشرقية ليست وحدها من بلدان الشيوعية التي تتعرض لهذه الأزمة، فقد سبقتها الصين الشعبية بمذبحتها الدموية التي مارستها ضد طلابها، والاتحاد السوفيتي "الرمز" بمظاهرات واعتصامات شعوبه الإقليمية، وتظاهرات يوغسلافيا، وأخيرًا أحداث بولندا التي أذهلت العالم وهي تنحي جانبًا الحزب الشيوعي عن الحكم بعد 40 عامًا من السلطة.

2.     ما أثار تعليق المراقبين السياسيين بأن الغالبية العظمى من الفارين إنما هم من الشباب الذين مورس معهم ومنذ أن وعوا الحياة كل أساليب الشيوعية ووعودها ليبدو الأمر وكأنهم قد كفروا بها وفقدوا كل الأمل في "الخلاص" الموعود، تمامًا مثلما عبر أحدهم في حديث تلفزيوني قائلًا: "إن لدي شعورًا بالحزن العميق على ما مضى من حياتي. إنني آمل أن يكون لي يومًا مسكن جديد وحديقة صغيرة خاصة بي".

3.     إن التسهيلات و"التجاوزات" من المعسكر الغربي والتي رافقت هذا الحدث تؤكد أن ضغوطًا شديدة يعاني منها النظام الحاكم بألمانيا الشرقية ليرضخ لتطبيق الإصلاحات الجورباتشوفية، وفتح صفحة جديدة مع الغرب، والتخفيف من معاناة شعبه.

انتقام الأشقاء

المجر، وهي واحدة من أطراف الأزمة، بدا لها هذا الحدث وكأنه فرصة مواتية للانتقام من الزعامة الألمانية الشرقية -ممثلة في هونيكر- وهي التي وقفت إلى جانب رومانيا في المشكلة التي تفجرت بينهما -بين المجر ورومانيا- نتيجة عمليات اضطهاد طالت مواطنين رومانيين من أصل مجري. ولهذا فإنها لم تدخر جهدًا في حسن استقبال "الفارين الألمان" فقررت تحويل الملاجئ المؤقتة التي أقيمت بالأصل لصالح الهاربين من رومانيا إلى مشروع مؤقت يضم متمردي ألمانيا الشرقية ريثما يتم انتقالهم إلى نصف الوطن الغربي.

كما أعلن متحدث باسم وزارة الداخلية أن قرارًا قد يُتخذ لصالح منح رعايا ألمانيا الشرقية حق اللجوء السياسي، وأن "المجر لا ترغب في إرغام المواطنين الألمان المعارضين لحكومتهم على العودة إلى برلين الشرقية". ولعل العذر الذي تتحجج به المجر حتى لا تثير حفيظة المعسكر الشرقي هو توقيعها وقبل شهر واحد من تفجر الأحداث على قرارات الأمم المتحدة المتعلقة باللاجئين وحقوقهم السياسية. إلا أن هذا العذر لم يقنع ألمانيا الشرقية التي تتابع ومنذ أكثر من شهر سياسة التقارب مع الغرب التي انتهجتها أخيرًا المجر "وتأييدها القوي للسياسات التي يدعو إليها الزعيم السوفيتي".

موقف بون

حكومة بون ما زالت تبذل كل ما في وسعها لاستقبال الوافدين إليها والتي بلغت أعدادهم في الأشهر السبعة الأولى من هذا العام وقبل اشتداد هذه الموجات حوالي 56 ألفًا مقابل 39 ألفًا في العام الماضي بأكمله. وقامت بمساع مضنية مع أكثر من محور، فقد أجرت اتصالات عاجلة مع حكومة النمسا لضمان سلامة الهاربين إليها وتأمين وصولهم إلى ألمانيا الغربية، كما أنها حيت وأيدت بشدة قرارات المجر بعدم إبعاد المواطنين الألمان الهاربين وحثتها على منح الهاربين إليها الأمان والملجأ. وعلى الجهة الأخرى، قامت بغلق سفاراتها في برلين الشرقية، كما وجه المستشار كول نقدًا حادًا إلى الحكومة الشرقية - "لإصرارها على استمرار غلق البلاد وحرمان مواطنيها من أبسط حقوقهم في التنقل والتعبير عن رأيهم".

ويأتي هذا التصعيد ليقضي على إمكانية قيامه بزيارة برلين الشرقية خلال الفترة المتبقية من هذا العام، وهي الزيارة التي كان يراد من خلالها إثبات حسن النوايا وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين. كما يأتي هذا الحدث بعد أن طفا على سطح المناقشات السياسية التي دارت في ألمانيا الغربية في الفترة الأخيرة موضوع ظل يعتبر لسنوات طويلة محظورًا على الأحزاب والساسة مناقشته أو التطرق إليه علانية أو بصورة شبه رسمية وهو قضية الوحدة الألمانية، حيث لن تسمح أوروبا وفي مقدمتها فرنسا بأي حال من الأحوال بعودة الدولة الألمانية الموحدة والتي تثير في النفوس ذكريات بسمارك وهتلر، وتهديد أمن أوروبا.

احتياجاته الأولية...

وأخيرًا، فإن وسائل الإعلام الألمانية الغربية والتي لا تترك فرصة إلا وتنتهزها لتعبر فيها عن شماتتها في النظام الشرقي تساءلت عبر مجلة شتيرن الشهيرة عن مصير "هونيكر" الذي بدأ يفقد نفوذه على شعبه، ثم أردفت أن الدوائر الدبلوماسية في بون تذكر أن ألمانيا الشرقية بدأت تفقد شعبها لدرجة أن هونيكر "قد يفكر هو الآخر بالهرب والهجرة إلى ألمانيا الغربية".

ومع تزايد التعليقات الإعلامية وانعكاساتها، وتصاعد الأفعال وردودها بين البلدان الأربعة محور القضية: ألمانيا الشرقية - المجر - النمسا - ألمانيا الغربية، تتصاعد أيضًا الأعداد الهاربة، لتدفع أمامها سؤالًا: هل باتت الشيوعية تلملم أوراقها من هذا العالم؟

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 470

76

الثلاثاء 19-فبراير-1980

بطاقات ثقافية.. عدد 470