العنوان الهجرة بين الآلام والآمال(1297)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998
مشاهدات 65
نشر في العدد 1297
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 28-أبريل-1998
تودع الأمة الإسلامية عامًا هجريًّا مضى -ندعو الله أن يتقبل ما قدمنا فيه، وأن يتكرم بالتجاوز عن التقصير- وتستقبل عامًا هجريًّا آخر قد هل هلاله، وأشرقت أنواره على دنيا المسلمين، مذكرًا بصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- الذي ضرب بنفسه المثل الفذ للمكافحين، وخط بسيرته الطريق الفرد للعاملين، واستطاع بعزيمة إيمانية، وهمة ربانية أن يزلزل قواعد الكفر، وأن يستل رجالًا من حظيرة الشرك ليكونوا نواة أمة الخلود، وعمد دولة الرسالة، ثم هاجر بهم إلى موطن فيه مراغم كثير وسعة، وأسس بهم دولة فتية يسيطر عليها روح اليقين والفداء والاستبسال، ظهرت فيها كلمة الله، وأعلنت في جنباتها دعوة الحق، وبدأ ينطلق منها إشعاع الوحي إلى الآفاق، ليخلص الدنيا من أوضار الظلم ورجس العبودية لغير الله، ويرد إلى الإنسانية كرامتها التي منحها الله لها، ولم تلبث الدنيا كثيرًا حتى رأت رجال العقيدة ورسل السلام ينطلقون في الدنيا يزرعون الحق والعدل والكرامة، ويقودون الإنسانية نحو الفلاح، فانزوى بهم الظلم، وانخسف بجهدهم الباطل، ورفعت بسواعدهم عزمات الصدق، وتهاوت صروح البغي، وسادت دولة الحق وشرقت وغربت وملكت زمام الدنيا بالعدل، وأمسكت مقاليدها بالإحسان، وسادت الأخوة وعمَّت الفضيلة، وتعملقت نفوس المسلمين وعقولهم وظهر للعيان عزهم ومجدهم، وهذا أمر محفور في التاريخ وحقيقة ما زال الزمان يرددها، لا يستطيع أن يماري فيها أفاك، أو يجادل فيها حاقد أو عدو، حتى خلف من بعدهم خلف أضاعوا وضيعوا، وورث هذا التراث قوم يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فوقعت الواقعة، وحلت الكارثة ووهن جسد المارد العملاق، وطمع في دياره الهوام والجرذان، واستنسر في أرضه البغاث، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
***
والحقيقة أن من ينظر في حالنا اليوم، لا يتصور أننا أحفاد هؤلاء العظام، وأتباع هذا المجد الغابر، لقد أصبح واقع المسلمين اليوم يدعو إلى الرثاء شرقت أو غربت، كثرة كاثرة، ولكنهم غثاء كغثاء السيل: دماؤهم أرخص دماء، وكرامتهم أهدر كرامة، وثقافتهم أوهى ثقافة، وقد تصل إلى الجهل المطبق، يعيشون كلًا على غيرهم، عالة على سواهم، فلا صناعة تسد الحاجة، ولا اختراع أو ابتكار يرفع الرأس ويدل على العقل، ولا حرية تطلق الطاقات وتبعث على التفكير والريادة.
كنا أمة واحدة، فاصبحنا أممًا شتى يعادي بعضها بعضًا، إن لم يتدابروا أو يتحاربوا إلا من رحم الله، فضاعت الوحدة، وانعدمت الأخوة ودخلت الفرقة بين الأفراد، وبين الجماعات بعد أن كنا جسدًا واحدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
***
ولهذا ترى قضايا المسلمين لا يهتم بها أحد وتترك لأعداء الإسلام ليفعل بها من شاء ما شاء، فهذه البوسنة والهرسك ومن بعدها فتنة ألبانيا، وبعدها مذابح كوسوفا وكشمير، وهذه فلسطين الوطن الذبيح، ما زال ينزف حتى لطخ دمه وجوه المسلمين من أقصاهم إلى أقصاهم، وترقص اليهود وتعربد على جراح البعض وعلى شخير البعض الآخر، وكأن الأحاسيس قد ماتت، والنخوة قد ولت، والإيمان قد توارى، وهذا المستعمر يصول ويجول في ديارنا يفعل ما يشاء، يحاصر السودان ليجوع فلا يهتم أحد، ويحاصر ليبيا فلا يتحرك إنسان، وهذه أفغانستان تأكلها الفتن ويقضي عليها الجهل وتقتلها وتمزق جسدها الحروب، فلا يتحرك أحد لإصلاح أو توفيق، وهذه بعض الأقطار العربية تطل من بين ثناياها رؤوس الشياطين ومخالب الفتن، فيتحارب بعضها مع الإسلام نفسه، ويفرض على المسلمين الضياع بالحديد والنار، فالحجاب جريمة، والميل إلى الإسلام يخالف القانون، وهؤلاء آخرون يفتحون السجون والمعتقلات ليزج فيها كل مسلم نابه وكل عامل فاقه، وكل مؤمن غيور على وطنه ودينه، وبعد هذا يقال: كيف، ولم؟ قل هو من عند أنفسكم، ومن زرع سواعدكم وحصاد أعمالكم، فقد حلت المعاصي وترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والطريق واضحة والصراط بين، وصدق الله، ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة الأنعام: 153)، فهل إشراقة هذه الذكرى وأضواء هذه المناسبة سيكون لها صدى في النفس المسلمة فتراجع خطوها وتبصر طريقها، ويفرح المؤمنون بنصر الله؟
نسال الله ألا يطول ليل هذه الأمة وأن تؤوب إلى دينها أوبة صادقة تبدأ من الرأس، من كل مسؤول يستشعر عظم المسؤولية ويستعد ليوم العرض على الله.
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (سورة الأنفال: 24).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل