العنوان الهجرة مشروع الأمة الحضاري
الكاتب أبو اليزيد العجمي
تاريخ النشر السبت 23-مارس-2002
مشاهدات 75
نشر في العدد 1493
نشر في الصفحة 46
السبت 23-مارس-2002
بين الماضي والحاضر: الصلة وثيقة بين ما مر من أحداث في تاريخ الدعوة الإسلامية وما تعيشه الأمة في حاضرها، وذلك من منطلقات عديدة أهمها:
1- إن كل حدث مر به تاريخ الدعوة الإسلامية له ظرف تاريخي وسبب مباشر لكن دلالته وهدفه يتخطيان حدود الظرف التاريخي، والسبب المباشر للحدث، وكأن الله سبحانه أراد لهذا الدين أن تستند كل الأجيال التي تؤمن به إلى تجارب واقعية، تستلهم في كل زمن ليقاس عليها، ويستفاد منها وتلك فلسفة تفسير التاريخ الإسلامي ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر:2) الذي يستفيد من كل تاريخ سبقه الرسل والأقوام: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْء﴾ (يوسف: ۱۱۱ )﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾ (الفجر6،7).
من هنا وجبت دراسة أحداث الدعوة وقراءتها بتأمل ودقة.
2- هناك تشابه كبير بين ماضي هذه الأمة وحاضرها من حيث: الصراع بين الحق والباطل كقانون أزلي أبدي، ومن حيث أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فالبشر هم البشر عقولًا ونفوسًا ورغبات، والوسائل وإن اختلفت ظاهرًا ففي طيها التشابه البالغ حد التماثل أحيانًا، ففي الماضي امتحن هذا الدين بأعدائه مشركين ومنافقين وبعض أهل الكتاب، وكان لا بد للحق من صمود يبذل فيه جهده ويطلب العون من الله سبحانه، فكان ما كان من أمر الإذن بالقتال والعون للمجاهدين بشتى الوسائل: ملائكة مردفين، ورهبة في قلوب الكفار ونحو هذا مما هو في بابه.
وفي عصرنا يمتحن هذا الدين بتكالب الأعداء عليه بين جهل أبنائه وصلافة أعدائه، وقد بذلت محاولات دؤوبة لنشر الزيف عن طريق الاستشراق والاستعمار والتنصير وغيرها، وكان على أهل الحق أن يستفيدوا من تجربة أسلافهم، حملة هذا الدين إلينا فيبذلوا جهدهم ويطلبوا العون من الله سبحانه، من هنا تكون دراسة الماضي دراسة علميةهي الطريق الأمثل للتعامل مع الواقع.
لم يغب هذا الفهم عن عقل عدد غير قليل من الدعاة والمصلحين في القرنين التاسع عشر والعشرين، بعد سيطرة الاستعمار في أواخر القرن التاسع عشر وحتى قبيل بل وبعيد منتصف القرن العشرين، وكذلك بعد أن منيت الأمة بسقوط رمز وحدتها الخلافة الإسلامية، وما تلاها من قيام دول علمانية محضة، أو علمانية بنسبة سيطرة القوانين الوضعية فيها.
هذا الفهم من الدعاة والمصلحين حفزهم على تقديم رؤى للإصلاح يمكن أن تمثل البذور الأولى لمشروع حضاري يعيد المسلمين إلى فهم عميق لإسلامهم، وسلوك رشيد يترجم هذا الفهم، وعرف الفكر الإسلامي الحديث مشروعات حضارية – وإن شئت قلت مشروعات المشروع حضاري - بدءًا من الأفغاني ومرورًا بالبناء والنورسي، ووقوفًا عند المفكرين الإسلاميين المعاصرين، بل وغيرهم من اتجاهات أخرى لا تلتزم بالرؤية الإسلامية طريقًاضروريًا لأسس المشروع وتطبيقاته.
ولكثرة هذه المشروعات وتنوع اتجاهاتها قدمت دراسة علمية لنيل درجة الدكتوراه حول المشروع الحضاري الإسلامي في مقابل المشروع الغربي والعلمانية (دكتوراه طبعها المعهد العالمي للفكر الإسلامي وهي لباحث من كلية دار العلوم،د. أحمد جاد).
لكن الذي لا يختلف عليه عاقلان أن طابع الجماعية أو اتفاق أكبر عدد من مفكري الأمة على مشروع من هذه، إنشاء، ودراسة، وتقويمًا، لم يحدث وبذا ظلت فردية إلى حد كبير، وهذا ما دفعني إلى قراءة حدث الهجرة بروح من ينشد للأمة سبيلًا إلى مشروع حضاري تفكر فيه جميعها، وتضحي من أجله وتورثه للأجيال كي تستمر عالمية هذا الدين وخاتميته مثلًا ومثالًا واقعيًا.
كيف كانت الهجرة مشروع الأمة:
كانت الهجرة من مكة إلى غيرها: الحبشة - المدينة، الأمر الذي فكر فيه الجميع مخرجًا من التضييق على الحق، وأملًا في إقامة دولة له ينطلق منها إلى كل ربوع العالم ليبشر برحمة الله للعالمين وبهديه الذي ختمت به رسالات السماء إلى الأرض.
ولأن هذه الفكرة انبثقت من ظروف معينة شعر بها كل المسلمين آنذاك وأولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هكذا وجدنا الهجرة فكرة نفذها كل من وأتته الفرصة لجعلها واقعًا، ترتب عليه قيام دولة بكل مؤسساتها المدنية، وإحساس كل مسلم أنه أسهم بقدر في نجاح هذا المشروع المنبثق منه جعله يبذل كل غال وثمين في سبيل الحفاظ على هذا المشروع ضد المناوئين سواء كانوا كفارًا أو منافقين أو غيرهم، حسب مقتضيات الصراع ووسائل مقاومته حربًا، أو جدلًا دينيًا، أو إحباطًا لمؤامرات الزيف والتشويه.
ازداد أذى قريش لكل من أسلم رجاء صدهم عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يتركوا بابًا إلا ولجوه، فأشار الرسول على أصحابه أن تفرقوا فإن الله سيجمعكم، فلما سألوه عن الوجه أشار إلى الحبشة (محمد الخضري بك: نور اليقين في سيرةسيد المرسلين ص ٥٦ دار مكتبة الهلال طبعة أولى ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م).
وقد ذكر ابن إسحاق أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه «إن بالحبشة ملكًا لا يظلم عنده أحد، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجًا، فكان أول من خرج منهم عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم (سيرة ابن إسحاق بتحقيق سهيل: ١٧٤، ابن هشام 1/321)
تلك كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، وقد كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، ويذكر الطبري أن رجالًا ونساء هاجروا في هذه الهجرة، وأنهم خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار الطبري - تاريخ الأمم 2/221).
وهنا نلحظ أن المهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الأولى كانوا رجالًا ونساء، منالرجال: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعثمان بن مظعون وغيرهم (عشرة رجال وقيل أحد عشر رجلًا).
ومن النساء: رقية بنت رسول الله، وسهلة بنت سهل مع زوجها أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أمية امرأة أبي سلمة، وكانت مع زوجها، وليلى بنت أبي حثمة امرأة عامر بن ربيعة.
ومن الأسماء تدرك أن جلهم من أشراف قريش الذين أسلموا، خرجوا امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مكثوا بالحبشة قرابة ثلاثة أشهر، ثم عادوا إلى مكة، حيث أرادوا أن يكونوا على صلة بحال إخوانهم الذين لم يهاجروا.
لكن الذي لا خلاف عليه أن هذه التجربة كان لها ما بعدها.
وحين عاد هؤلاء المهاجرون إلى مكة لم يستطيعوا دخولها إلا من وجد له مجيرًا، فدخل أبو سلمة في جوار خاله أبي طالب، ودخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، غير أنه رد عليه جواره حين رأى ما صنعه بالمسلمين من تنكيل وتعذيب.
إلى الحبشة مرة أخرى:
بعد فشل محاولات قريش في صرف بني هاشم ويني عبد المطلب عن الوقوف مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم كان قرارهم بالمقاطعة لهم، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو عبد المطلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم عدا أبي لهب، ودخلوا في شعب أبي طالب، وعاني القوم من هذه المقاطعة ما عانوا.
هنا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم جميع المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة، فهاجر معظمهم، وكانوا ثلاثة وثمانين رجلًا، وثماني عشرة امرأة، وتوجه إليهم من أسلم من اليمن، وهم الأشعريون أبو موسى وبنو عمه.
وقد نجح هؤلاء جميعًا في إقناع النجاشي بما هم عليه من حق، مما أفسد سفارة عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، اللذين كانا قد ذهبا محملين بالهدايا للنجاشي بغية أن يسلم المسلمين إليهما، فما نالا سوى الإهانة والتوبيخ.
هجرات قبل الهجرة إلى يثرب:
إذا كانت هجرتا الحبشة حركة من أجل نشر الإسلام وبيان الحق الذي ينطوي عليه للناس، وسعة يكف عن الحركة للغرض ذاته، فقد توجه إلى ثقيف بالطائف ومعه زيد بن حارثة، ورغم أنه صلى الله عليه وسلم لم يلق من ثقيف خيرًا، فقد أسلم عباس النصراني، إثر حديث دار بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم حين سمعه يقول «بسم الله الرحمن الرحيم»، قبل أن يأكل العنب، وكان يذهب في المواسم يعرض نفسه على القبائل، ومن أثرها بدء إسلام الأنصار.
بداية انفراجة لمشروع الأمة:
صاحب الحق لا يكل ولا يمل من العمل لنشره وتوسيع دائرته هذا جهده والله لا يضيع أجر العاملين المحسنين، وهذا ما فعله الرسول الكريم حين التقى في الموسم ستة من الخزرج، فدعاهم إلىالإسلام فأمنوا به ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل.
وفي العام المقبل قدم اثنا عشر رجلًا منهم اثنان من الأوس هما أبو الهيثم بن التيهان، وعويم بنساعدة، وكانت بيعة العقبة الأولى.
ولما كان وقت الحج في العام الذي يلي البيعة الأولى التقى النبي ثلاثة وسبعين رجلًا من الأنصار وامرأتينهما نسيبة بنت كعب من بني النجار، وأسماء بنت عمرو من بني سلمة (نور اليقين 76،75).
وكان لابد من نشر فكرة الحق في غير هؤلاءدعوة وبيانًا، لذا أرسل الرسول الكريم إلى الأنصار مصعب بن عمير، وعبد الله بن أم مكتوم، يقرئان الأنصار القرآن ويفقهانهم في الدين، طريقًا إلى تعريف غير المبايعين به، وهذا ما حدث فاكتسبمشروع الأمة سعة وأنصارًا جددًا.
الهجرة إلى المدينة:
رجع الأنصار إلى المدينة فرحين بما حدث من بيعتين كريمتين، لكن أهل مكة لا يزالون يتعرضون للأذى، ويتطلعون إلى هجرة أوسع من هجرتي الحبشة ويعرضون هذا على الرسول الكريم لكنه لم يؤذن له بعد، ثم رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أرض الهجرة الجديدة كما جاء في البخاري: «رأيت في المنام أني أهاجر إلى أرض بها نخل»، (صحيح البخاري معفتح الباري 7/226).
ثم كان الإذن بالهجرة فأذن الرسول لجميع المسلمين بالهجرة وكانوا يتسللون خيفة قريش أن تمنعهم.
فارقوا أوطانهم التي ألفوها طلبًا لرضا الله، وفرحًا بالإذن بالهجرة أملًا في إقامة دولة للحق في المهجر الجديد... «ولم يبق بمكة إلا أبوبكر وصهيب وعلي وزيد بن حارثة وقليل من المستضعفين الذين لم تمكنهم حالهم من الهجرة» (نور اليقين:77).
ثم كانت رحلة الهجرة بتفاصيلها - كما جاءت في كتب السير التي تشير إلى:
تضحية الكثيرين من أجل مشروعهم الذي طالما حلموا به فأبو بكر يضحي بجهده وماله وولده عبد الله يقوم بدور خطر هو جمع المعلومات لتوصيلها للمهاجرين العظيمين، وأسماء تشق نطاقها وتتحمل ما تتحمل، وعامر بن فهيرة يجيء بغنمه ليمحو آثار أقدام عبد الله بن أبي بكر كيلا تعلم قريش مكان المهاجرين، وعلي يتحمل مخاطرة النوم مكان الرسول المطلوب تصفيته من قريش، وصهيب سابق الروم إلى الإسلام يضحي بماله، وغير هؤلاء كثيرون.
وفي هذا السياق نذكر استقبال الأنصار للمهاجرين بدءًا من خروجهم للقاء النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، ووصولًا إلى التكافل الذي لا نظير له مع إخوانهم المهاجرين، وما كانوا سيبذلون ما بذلوا ولولا أن الهجرة هي مشروعهم المرتقب لإقامة دولة الحق والوحدة على أنقاض الفرقة والباطل اللذين كانا سمةالحياة في يثرب.
عون الله للأمة في مشروعها:
إن الدارس لحدث الهجرة يلحظ بجلاء ووضوح إعانة الله للأمة التي تبنت الهجرة مشروعًا تبني به دولة للحق، وهذا العون تتعدد مظاهره من خروج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته والقوم بالباب ومن وقوف القوم على فتحة الغار دون أن يكشفوا أمر المهاجرين، وانقلاب سراقة إلى رجل يعمل للهجرة بدلًا مما كان قد أتى من أجله بفرسه، كل هذا وغيره من العون الإلهي جزاء طيب لمن يخلص في خدمة مشروعه.
وماذا عن مشروعنا نحن الآن؟
نعم بعد الهجرة التي أقامت للإسلام دولة، ليس هناك هجرة كما يذكر الحديث «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية»، لكن بقي الجهاد بكل معانيه وكل وسائله تصحبه نية صادقة وعزم أكيد على أن تتبنى الأمة مشروع تحكيم شرع الله وإحلاله محل ما علق بحياة المسلمين من نظم وقوانين، ليس هنا محل الحديث عن ظروف دخولها.
فهل تدرس تجربة الهجرة بكل معطياتها، والدأب على إنجاحها، والسهر من أجل تحقيق هدفها، لنفيد من كل هذا في مشروعنا الحضاري فيصبح مشروع أمة لاجتهاد أفراد، وتتضاءل كل تضحية في أعين باذليها إزاء الهدف الكبير الذي يعني أن يستعيد المسلمون مكانه ومكانتهم مرة أخرى على خريطة العطاء للبشرية، وهدايتها الصراط المستقيم؟
نرجو ذلك والله المستعان.