العنوان تأملات في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم «6».. الهجرة من البدعة إلى السنة
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2008
مشاهدات 65
نشر في العدد 1789
نشر في الصفحة 50
السبت 16-فبراير-2008
الهجرة من البدعة إلى السنة
- الشافعي: البدعة بدعتان.. ما وافق السنة محمود وما خالفها مذموم
- ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع من سنتهم مثلها
كان أول من ابتدع عبادة الأصنام هو عمرو بن لحي رئيس خزاعة، الذي أحضرها من الشام، وجعل هبل في جوف الكعبة، وصار الشرك دين أهل الجاهلية الذين كانوا يزعمون أنهم على دين إبراهيم، ويعتقدون أنها تقربهم إلى الله كما جاء في القرآن الكريم: ﴿...مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ...﴾ (الزمر: 3)
العودة إلى الفطرة: وحين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بعثته رحمة بكل شيء.. رحمة بالنفس البشرية ليخرجها من هذه البدعة المهلكة بدعة عمرو بن لحي ليعود بالناس إلى معين الفطرة والحنيفية السمحة دين إبراهيم عليه السلام، فآمن منهم من آمن، وبقي الكثيرون ممن يتمسك بالقديم ولو كان فاسدًا باليًا، ويتبع الآباء ولو ضلوا سواء السبيل، قال تعالى: ﴿بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22).
الهجرة من دار البدعة
لقد هاجر النبي ﷺ أولًا بعقول هذه القلة من المؤمنين حين استجابوا لدعوته وهجروا الجهل بالدين إلى العلم برب العالمين، كما هاجر بقلوبهم حين أعلنت الكفر بالأصنام ولزمت الإيمان بالرحمن، وبقي له الآن أن يهاجر بتلك الأبدان من دار البدعة إلى دار السنة، فهذا رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: «إن ربي عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا كل ما نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا...» (أحمد).
ولكن .. ما البدعة؟
عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه في خطبته: «إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها. وكل بدعة ضلالة» (رواه مسلم).
والبدعة لغة: الشيء المخترع على غير مثال سابق يقال لمن أتى بأمر لم يسبقه إليه أحد أبدع وابتدع، وتبدع أي أتى ببدعة، فالبدعة اسم هيئة من الابتداع، وهي كل ما أحدث على غير مثال سابق، وهي تطلق في عالم الشر والخير، وأكثر ما تستعمل عرفًا في الدم. واختلف العلماء في تحديد معنى البدعة شرعًا، فمنهم من جعلها مقابل السنة، ومنهم من جعلها عامة تشمل كل ما أحدث بعد عصر الرسول ﷺ، سواء كان محمودًا أم مذمومًا، وقيل: إن البدعة هي الطريق المخترعة في الدين التي تضاهي الشريعة، يقصد بها التقرب إلى الله. ولم يقم على صحتها دليل شرعي صحيح. وقيل أيضًا: المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة...
كل بدعة ضلالة
وقوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة»، من جوامع الكلم، وهو أصل عظيم من أصول الدين، فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين منه بريء، وسواء ذلك في مسائل الاعتقاد أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة أو الباطنة.
قال الإمام أحمد: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة ضلالة.
أما إمام دار الهجرة فيقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ ﴾ (المائدة: 3)، فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا».
بدعة حسنة وأخرى سيئة
يقول الشافعي: البدعة بدعتان، بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم. ويقول: «المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة» (البيهقي). وما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه. فعمر رضي الله عنه وقد علم أن ذلك العمل كان له أصل في الشرع، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على قيام رمضان ويرغب فيه، وقد صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك خشية أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام به. وكذلك كان طبع القرآن وكتابته من وسائل حفظه وتعلمه وتعليمه، والوسائل لها حكم الغايات فيكون ذلك مشروعًا وليس من البدع المنهي عنها: لأن الله سبحانه ضمن حفظ القرآن الكريم وهذا من وسائل حفظه.
وقد قسم العلماء البدعة إلى بدعة دينية وبدعة دنيوية، فالبدعة في الدين هي: إحداث عبادة لم يشرعها الله سبحانه وتعالى، وهي المرادة في الحديث، وأما الدنيوية: فما غلب فيها جانب المصلحة على جانب المفسدة، فهي جائزة وإلا فهي ممنوعة، ومن أمثلة ذلك: ما أحدث من أنواع السلاح والمراكب والطائرات ومكبرات الصوت ونحوها، وليس فيها محظور شرعي.
احذر أن يرد عليك عملك
اعلم أن النية وحدها لا تكفي لتصحيح الفعل، فلا بد أن ينضم إليها التقيد بالشرع وقد بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم الميزان الذي نزن به أعمالنا ظاهرًا وباطنًا فقال: «إنما الأعمال بالنيات»، فالنية ميزان للأعمال في باطنها، ولا بد أن تكون خالصة لوجه الله. وقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»..
وهذا ميزان للأعمال في ظاهرها، فكل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على فاعله.
حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تآمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالتواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (أبو داود)، كان ذلك تحذيرًا لهم من سوء عاقبة البعد عن منهج الله عز وجل، أو استحداث ما لا أصل له ولو بنية حسنة، ذلك لأن البدعة أثرها خطير وهي لا تضر المبتدع فقط، بل كل من يتبعه، كما أنها لا تموت بموت صاحبها بل يستمر تأثيرها بعده حقبة من الزمن.
من أخطار البدع وآثارها
- البدعة بريد الكفر: لأن المبتدع نصب نفسه مشرعًا وندًا لله سبحانه.
- البدعة تميت السنة، وقد نقل عن التابعي الجليل حسان بن عطية قوله: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع من سنتهم مثلها» (أخرجه الدارمي).
- البدعة تفتح باب الخلاف على مصراعيه، وهو باب ضلالة.
- أن صاحب البدعة عمله مردود عليه لحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (متفق عليه).
- يخشى عليه سوء الخاتمة. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» (أخرجه الطبراني والترمذي).
- أنه لا يرد الحوض ولا يحظى بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال محذرًا أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني فأقول: أي رب أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقًا لمن بدل بعدي (رواه البخاري).
- صاحب البدعة عليه إثم من عمل ببدعته إلى يوم القيامة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «... ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (أخرجه مسلم).
ميزان الشرع
قد علمنا خطر البدعة وأنها شر وأي شر فضررها يلاحق صاحبها في حياته فهو ليس بأمين على دين الله وهو يدعو إلى ضلالة متبع لهواه، بعد أن وقع في فخ من فخاخ الشيطان الذي اصطاده بسلاح حاد من أسلحته الفتاكة وهو البدعة.
إن علينا جميعًا عندما نقبل على أي عمل أن نعرضه على كتاب الله وسنة رسوله وأن نزنه بميزان الشرع، ونسأل علماءنا الأجلاء فيما التبس علينا أو خفي من أمور الدين، لأنهم أهل الذكر، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43).
المراجع
- تفسير ابن كثير.
- فقه السيرة النبوية للدكتور البوطي.
- الرحيق المختوم: للشيخ صفي الرحمن المباركفوري.
- جامع العلوم والحكم: للشيخ ابن رجب الحنبلي.
- البدعة وأثرها السيئ في الأمة: للشيخ سليم الهلالي.
- فتاوى اللجنة الدائمة بالسعودية.