العنوان الهجمة الأمريكية بين الموقفين الأوروبي والعربي
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 08-مايو-2004
مشاهدات 81
نشر في العدد 1600
نشر في الصفحة 40
السبت 08-مايو-2004
متى تجد سياسات بلادنا الطريق إلى المصالح الذاتية؟
يدرك الأوروبيون أن واشنطن لن تنجح في تحقيق مخططاتها، وأنها كلما أوغلت في البطش اقتربت من الهزيمة.
بإمكان أي موقف عربي جماعي اخترق حلقة التبعية المفزعة، ولكن..
مما لفت النظر في إطار ردود الفعل العربية والدولية على جريمة اغتيال الرنتيسي بعد أقل من شهر على اغتيال ياسين -أجزل الله لهما الثواب في عليين- صدور إعلان من الجانب العربي عن اتفاق مبدئي على انعقاد القمة العربية المؤجلة، لا كقمة طارئة فورية، ولكن بعد أسابيع. وفي المقابل صدر تصريح عن الرئيس الفرنسي جاك شيراك أثناء زيارته للجزائر بأن على الدول العربية الإسراع بعقد قمتها، والعمل على اتخاذ موقف عربي موحد يمكن اعتماده لاتخاذ موقف أوروبي مشترك في القمة القادمة لمجموعة الدول الثمانية.
تناقض صارخ: هذه الصورة الحافلة بالخلل والشذوذ تتكرر مرة بعد أخرى على مسرح الأحداث، وتتخذ أشكالًا متعددة في مناسبات مختلفة، وكان من حصيلتها على سبيل المثال تحرك الدول الأوروبية على طريق التضييق على جمعيات إسلامية لجمع التبرعات لصالح الضحايا بفلسطين، بعد أن قامت السلطة الفلسطينية وبلدان عربية أخرى بخطوات مشابهة، وليس قبلها. وكذلك تحرك الدول الأوروبية على طريق إدراج حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في قائمة «الإرهاب» بعد فترة لا بأس بها من إقدام العديد من الدول العربية على التعامل مع «حماس» تعاملًا عدائيا بدرجات متفاوتة ليس أقلها الحصار والمضايقات والحملات الإعلامية.
ومن يتابع وسائل الإعلام الأوروبية وما تنشره على صعيد قضيتي العراق وفلسطين بصورة خاصة يلاحظ تكرار السؤال عن موقف عربي مشترك، ولو على حد أدنى لحفظ المصالح الذاتية، ومواجهة الهجمة الصهيو -أمريكية الشرسة المتصاعدة عنفًا وعدوانًا دون أن تجد جوابًا، لفظيا، حقيقيا، أو تحركًا فعالًا.
لیست الدول الأوروبية بطبيعة الحال حريصة على القضايا العربية والإسلامية، فسياستها «واقعية» قائمة على المصالح الذاتية، ولتحقيق أهدافها، ومنها ما يتناقض جملة وتفصيلًا مع المصالح العربية والإسلامية، ولكن التطورات الدولية الجارية منذ سقوط الشيوعية، أوجدت وضعًا شاذا بالمنظور الأوروبي، هو المنطلق إلى نشأة ذلك الوضع الشاذ أيضًا، بأن تبدو المواقف الأوروبية «مدافعة» عن القضايا العربية والإسلامية.
وآخر صور هذا التناقض الشاذ، أن تبدأ دول أوروبية وغير أوروبية بتغيير موقفها في الساحة العراقية. فتنسحب إسبانيا عسكريا وتتبعها دول أخرى، وتصرح بولندا والبرتغال وسواهما بالعزم على إعادة النظر في مشاركاتها العسكرية في العراق، وبدلًا من اتخاذ موقف عربي يعزز الضغوط على التحالف القائم على الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وإيطاليا، تطرح الدوائر السياسية العربية الآن بالذات، وفي أعقاب «أكبر انحياز أمريكي للإسرائيليين»، العزم على مناقشة المشاركة العسكرية العربية في العراق في القمة القادمة في تونس!.
بل كان مما يلفت النظر في بعض وسائل الإعلام العربية اللصيقة بالسياسات الرسمية، أنها تحاول تأويل كل موقف أوروبي جديد -وكأنه يعني التراجع تجاه المواقف الأمريكية- وهو ما تكرر بصورة خاصة كلما أبدت الدول الأوروبية استعدادًا للحديث مع واشنطن عن مستقبل العراق، مع أنها لم تتخل قط عن اشتراطها إعادة القضية إلى مظلة الأمم المتحدة من خلال دور قوي وفاعل لها، وضمان انتقال السيادة الفعلية لا الشكلية إلى العراقيين، وكأن وسائل الإعلام تلك تريد تصوير العلاقات عبر الأطلسي وكأنها ما زالت على ما كانت عليه أيام التحالف القديم تجاه الشيوعية، بهدف تبرير السياسات الصادرة عن بعض الدول العربية.
موقف أوروبي مصلحي
إن الدول العربية لا تضع إيجابيات المتغيرات الدولية -أو لا تريد أن تضعها- في حسابها، فباتت تتصرف تجاه السياسة العدوانية الصهيو -أمريكية، وكأن التسليم لها، بل وتوظيف المواقف الذاتية في خدمتها، قدر لا مفر منه! ..
والمصالح الذاتية هي التي تملي على الأوروبيين رفض المضي في المغامرات الأمريكية العسكرية وغير العسكرية، مع ما تعنيه نتائجها من:
-هيمنة أمريكية مطلقة، على شكل قواعد ومرتكزات عسكرية بانت تحيط بأوروبا نفسها مثلما كانت تحيط بالاتحاد السوفييتي في حقبة الحرب الباردة، وكذلك على شكل استغلال شبه مطلق لمنابع الطاقة وسيطرة على خطوط إمداد الدول الصناعية بها، وعلى أسواق الاستثمار والاستهلاك، وغير ذلك مما يعود بأضراره على الجميع بما في ذلك الأوروبيون.
-أو ما تعنيه من فوضى دولية مطلقة، تنعكس في حروب ونزاعات ومقاومة و «إرهاب» وهجرات جماعية وخلل اقتصادي دولي كبير وغير ذلك، مما يعود بأضراره على الجميع بما في ذلك الأوروبيون، ويتناقض مباشرة مع مصالحهم وتطلعهم إلى أن يكونوا قطبًا اقتصاديا وسياسيا قويا على المستوى الدولي.
من جانب آخر، يدرك الأوروبيون أن الولايات المتحدة لن تنجح في تحقيق مخططاتها في أفغانستان والعراق وفلسطين وتحت عنوان «الشرق الأوسط الكبير»، وأنها كلما أوغلت أكثر في استخدام قوة البطش العسكرية المباشرة أو عبر إسرائيل، ازداد احتمال تحول «عدم النجاح» إلى «هزيمة» مفتوحة، يترتب عليها من المواقف الإقليمية والدولية ما لا يقتصر على الأمريكيين وحدهم، بل يمتد إلى الأوربيين.
هذا ما يجعل السياسة الأوروبية في المرحلة الراهنة تبحث عن مخرج لواشنطن مما تسميه «الورطة الأمريكية»، أو «الفخ العراقي»، وتشبهه بالمستنقع الفيتنامي، على أن يكون ذلك المخرج في موضع ما، بين احتمال الهيمنة واحتمال الهزيمة المفتوحة، وهذا ما يعنيه الأوروبيون مع الروس من خلال التركيز المتواصل على العودة إلى القانون الدولي، والأجهزة الدولية المشتركة، وبخاصة مجلس الأمن الذي تملك الدول الأوروبية فيه حق النقض.
موقف غائب
أين الموقف العربي والإسلامي الذي يضع في اعتباره هذه المتغيرات الدولية على المدى البعيد إستراتيجيا، أو حتى على المدى القريب؟
لو اكتفت الدول العربية والإسلامية بسياسة «الانتظار السلبي» على الأقل لكان ذلك أقل ضررًا عليها وعلى القضايا المصيرية والتحديات الكبيرة التي تواجهها، مما هو عليه الحال الآن، وقد باتت السياسات إلى حد بعيد سياسات تبعية مكشوفة بعد أن كانت مستترة بعض الشيء، ووصلت إلى درجة الارتماء المطلق أو درجة تلبية كل طلب أمريكي فيما عدا الطلب «المشبوه» تحت عنوان «الديمقراطية»، أو درجة التعاون المباشر على الصعيد العسكري.
هذا مع أن الدول العربية ليست عاجزة ولا مضطرة بموازين السياسة الواقعية المنطقية إلى التسليم، ولا إلى الانتظار السلبي، فليست هي بأوضاعها الراهنة، وبعلاقاتها الحالية أقل شأنًا من دول مثل الهندوراس أو الدومينيكان، التي تحدث الإرادة الأمريكية بسحب جنودها من العراق.
قد لا تكون دولة عربية أو إسلامية بمفردها قادرة على التحرك بسياسة قائمة على المصالح الذاتية المتعارضة مباشرة مع الإملاءات الأمريكية. ولكن لا شك في أن أي موقف عربي جماعي يستطيع اختراق حلقة التبعية المفرغة، ويمنع من رد فعل أمريكي مؤثر، في حالة ثباته واستمراريته واقترانه بخطوات عملية بدلًا من الاكتفاء بالبيانات الرسمية وصياغة «الحد الأدنى» من التوافق على عدم تحرك فاعل. فكل رد فعل أمريكي لا يحقق أغراضه إلا نتيجة انفراد واشنطن بكل دولة على حدة، بل واعتمادها على بعض الدول الضرب البعض الآخر.
والموقف الجماعي العربي، أو الإسلامي الشامل يفرض نفسه دوليًا وفق معطيات السياسة الواقعية المعاصرة، لا سيما في ظل المتغيرات الدولية الراهنة، ويمكن أن يكون أحد الأعمدة الرئيسة التي تعتمد عليها مواقف دولية أخرى، أوروبية وروسية وصينية، وعلى مستوى الدول النامية؛ للمضي في مساعيها الذاتية المواجهة الهيمنة الأمريكية، وجميعها سبق المنطقة العربية والإسلامية بمراحل، على صعيد التعامل الرافض للهيمنة الأمريكية حتى في قضايا مرتبطة مباشرة بالعرب والمسلمين.
ولا بد لتحقيق هذا الهدف من تحرك آخر، يعمل من أجله على نطاق واسع، ومن تواصل مستمر منظم بين الفاعليات المختلفة، على صعيد ما يوصف بالنخب في الميادين الإعلامية والفكرية والحزبية والنقابية وسواها، وعلى صعيد الشعوب التي بلغت غضبتها درجة من الاحتقان تنذر بانفجار خطير لا تنضبط نتائجه، ومثل هذا التحرك من جانب النخب والشعوب يمكن أن يدفع الحكومات إلى التزام سياسة قائمة على المصالح الذاتية لبلدانها وشعوبها وقضاياها.
إن ما يجري في فلسطين والعراق يمكن أن يتطور في ظل السياسات الشاذة الراهنة، فيتحول إلى حريق لا يقف عند حدود منطقة دون أخرى أو شعوب دون حكومات، وهذا ما يوجب على صانعي القرار وعلى كل من يعمل؛ للتأثير على صناعة القرار أن يبذل الجهود لاستباقه بتحرك عقلاني يجعل من الصمود والمقاومة ووحدة الكلمة والهدف والجهود، منهجًا حيا فاعلًا يحول دون وقوع مزيد من الكوارث، قبل فوات الأوان .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل