العنوان الهجوم المسيحي الذي أثار المسلمين... جريمة غير مبررة (٢ من ٢)
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2010
مشاهدات 47
نشر في العدد 1922
نشر في الصفحة 39
السبت 09-أكتوبر-2010
الهجوم المسيحي الذي أثار المسلمين، جريمة غير مبررة، ولكنه نتيجة حتمية لأسباب معروفة وإذا أردنا أن نبحث عن الأسباب الحقيقة لهذا الهوان والامتهان فإنها كثيرة، نكتفي منها بما يلي:
1- الاستضعاف الذي يعيشه المسلمون بل يفرض عليهم فرضاً من أعدائهم وحكامهم على السواء، وقد كنا نعلم أن ذلك قبل أن كان يعلل بأننا في استعباد، أما بعد أن ذهب الاستعمار والاستكراد، واخترعت لنا أكذوبة «ارفع رأسك يا أخي فقد مضى زمن الاستعباد »، فكان هذا أكذوبة صدقناها وألعوبة صحبتنا زمنا ثم صاحبناها إلى اليوم، وأنكرناها وتعلقت بأهدابنا بلا فكاك، وصدق القائل:
ما عدت يا أرض الكنانة موطناً
للحر بل صرت دار نکال
قد حورب الأحرار في أرزاقهم
من ظالم في الظلم ليس يبال
عد يا رئيس بما تشاء مظفرا
إن الطغاة قصيرة الأجال
لم يعرف «الباستيل» يوماً بعض ما
في سجنك الحربي من أهوال
من كان يخشاه فمصر قد غدت
سجنا كبيراً محكم الأقفال
2- موقف الدولة الوجل المستكين الذي أضاع الهيبة وأذل الكبرياء ومرغ الهوية في الأوحال وقطع بين الناس وبين البطولات والفروسية وعقيدة الجهاد، التي حافظت على الهيبة ووقفت نداً وسداً ورهبة للأعداء، وصدق الله ﴿وأعدوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رَبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ الله وَعَدُوكُمْ ﴾ (الأنفال: (٦٠) ، وهذا كان داب الأولين الذي ما زال المسلمون يتطلعون إليه ويرقبونه.
ترى هل يرجع الماضي؟ فإني أذوب لذلك الماضي حنينا
بنينا حقبة في الأرض ملكاً يدعمه شباب طامحونا
شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا
تعهدهم فأنبتهم نباتا كريما طاب في الدنيا غصونا
عدم المساندة لأي مسلم أو جماعة من أحد من الحكام، بل العكس هو الصحيح، عقدت الاتفاقات بين الأنظمة العربية على كبت الحريات وتسليم الأحرار والثائرين على الظلم والبهتان وقد زاد الطين بلة تعدي ذلك إلى مؤازرة الأعداء من اليهود والنصارى إلى حد الائتمار بالإملاءات المراد تطبيقها حتى على أبناء شعبها، إلى حد التدخل في التحقيقات واقتراح أساليب التعذيب ومكانه وزمانه.
من يكبح اليوم الصليب يا أمتي هل من مجيب
يا أمتي بلغ الزبي سيل تموج به الخطوب
إسلامنا يا أمتي أمسى بلا وطن غريب
والمسلمون شراذم شتى وحاكمهم لعوب
سنثور حتى نستعيد الصبح من فك الغروب
وسنطلق الشمس التي غابت مع الزمن الخصيب
والآن، بعد أن تشرذم الصف العربي، وبعد أن استأسد العدو الإسرائيلي»، وبعد أن تبخترت دباباته في المواقع التي هدمت بيوتها وجرفت حقولها وأحالت خضرتها جذبا وعمرانها خراباً وأحياءها شهداء وجرحى ويتامى وثكالى ومشردين في العراء.
الآن، هل بوسع العين العربية أن تنام قريرة فلا يُؤذيها مشهد مذبحة هنا أو هناك، وبمقدور الضمير العربي أن يهجَعَ مُرتاحاً فلا تُؤرقه صرخات أو صيحات وجع أو نداء استغاثة أما شهداؤنا الذين تجاوز عددهم المئات - بعضهم أطفال رضع ونساء وشيوخ - فحسبهم أنهم نالوا شرف الشهادة.
وأما جرحانا الذين هم بضع ألوف ممن بترت أطرافهم أو شجت رؤوسهم أو بقرت بطونهم في قصف وحشي غاشم، أو قذائف محمومة لا تميز بين أهدافها - فسوف تنفتح أبواب المستشفيات العربية في كرم عربي أصيل لاستقبالهم هكذا تُبْرِئُ سَاحَتنا أمام الله وأمام أنفسنا وأمام التاريخ..!!
أليس هذا هو السيناريو الذي يتكرر مع كل عدوان ونزيف للدم الفلسطيني خاصة والدم العربي على وجه العموم..؟! الفارق الوحيد عند كل كارثة هو فارق كمي فقط يتمثل في كم الدم المسفوح والأطراف المتناثرة والجثث المشيعة في نعوشها.
جلودنا، ويصير الصمت ملاذنا الآمن حتى لا بأس.. فقد عودتنا المحن المتتالية والمجازر المتعاقبة والضرب المتوالي في مواقع أجسادنا الحساسة أن كثرة البكاء تميت القلب، وكثرة المصائب تميت الحس فتتبلد مشاعرنا، وتسمك يتكفل الزمن بمداواة الجروح وتخفيف الفجائع انتظارا لعدوان آخر.
وأَمَّا نَحْنُ - أَعْرَابِ القرن الحادي والعشرين الذين أصابهم الخرس وشل الخوف ألسنتهم واستوطن السكوت على الهوان قلوبهم فلا أجد ما هو أبلغ من قول الشاعر:
من يَهْنْ يَسْهُلُ الهَوَانُ عليه ما لجرح بميت إيلام
لَقَدْ هَانَتْ علينا أنفسنا فَصَغرنا في أعين العالم حتى تلاشينا، وأصبح شراذم العالم يستأسدون علينا لينهبونا ويسحلونا في ديارنا وحمانا، ولما رأت الأقلية المسيحية ذلك الهوان رغم أنها لم تتجاوز تعدادا الخمسة في المائة سارعت هي الأخرى بأخذ نصيبها منه، واختارت أعز شيء عند المسلمين وهو كتاب ربهم القرآن الكريم وبعد، فهل سيستمر هذا الهوان؟ لا أظن لا أظن، وصدق الله: ﴿ أَو مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يمشي به في النَّاسِ كَمَن مَثَلُهُ فِي الظلمات ليس بخارج منها ﴾(الأنعام: ۱۲۲)، وقد ناداهم الله بعد موات إلى هذه الإحياءة المباركة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِله وَالرَّسُول إذا دَعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ ﴾ (الأنفال : ٢٤)، ولا بد أن تكون لنا وقفة مع هؤلاء وهؤلاء، كقول القائل:
عفونا عن بني ذهل
وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن ترج
ع قوما كالذي كانوا
فلما صرح الشر
وأمسى وهو عريان
لم يبق سوى العدوان
دناهم كما دانوا