العنوان الهدنة رقم (2) لماذا لم تتحقق؟
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1580
نشر في الصفحة 22
السبت 13-ديسمبر-2003
كل الاحتمالات مفتوحة وحاجة شارون والسلطة إليها ماسة
حركات المقاومة: لا نعيش أزمة تضطرنا للهدنة لكن هاجسنا الأساسي هو الحفاظ على التماسك الفلسطيني الداخلي
مصر التي قادت مجددًا جهود الوساطة، تدرك حجم الصعوبات التي تواجه تحركاتها على الصعيدين «الإسرائيلي»، وعلى صعيد فصائل المقاومة الفلسطينية، وبالتحديد حركتا حماس والجهاد الإسلامي، اللتان استبقتا حوار القاهرة بإطلاق تصريحات متشددة أعطت انطباعًا بعدم رغبتهما في التوصل إلى هدنة جديدة مع (إسرائيل) يرون أنها ستكون عبثية كسابقتها، وإن: كانت الحركتان لم تغلقا بصورة مطلقة أبواب الحوار حول الموضوع وتركتا بعض الهوامش مفتوحة.
الجانب المصري الذي آثر عدم التوقف عند التصريحات المتشائمة من إمكان تحقيق هدنة جديدة، يعترف بأن تكرار ذات السيناريو السابق للهدنة غير ممكن، حيث كانت المبادرة آنذاك أحادية وأعلنت (إسرائيل) منذ اللحظة الأولى أنها شأن فلسطيني داخلي لا يعنيها ولا يلزمها بشيء، ويصر المصريون هذه المرة على أن يتم التوصل إلى هدنة بموافقة والتزام الطرفين، وبدأت تحركات على المستوى الدولي لتأمين رعاية دولية لاتفاق وقف إطلاق النار ولإلزام (إسرائيل) بالتقيد بشروطه.
ووفق ما صدر عنه من تصريحات، فإن (دينامو) اتفاقات الهدنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين مدير المخابرات المصرية عمر سليمان، انطلق في تحركه النشط للتوصل إلى هدنة جديدة من تقدير رسمي مصري بأن حاجة السلطة الفلسطينية وحكومة أحمد قريع ماسة لمثل هذه الهدنة، وبأن الظروف السياسية وعامل الوقت لا يعمل في الوقت الراهن لصالح الفلسطينيين في ظل ضعف الموقف العربي والتجاهل الدولي لقضيتهم، لا سيما مع توقع أن يزداد تجاهل الإدارة الأمريكية للموضوع الفلسطيني بسبب انشغالها خلال الشهور القادمة بالحملة الانتخابية الرئاسية.
حاجة ماسة للسلطة
رئيس السلطة الفلسطينية المحاصر ياسر عرفات الذي يعاني عزلة سياسية إقليمية ودولية، ورئيس الوزراء الجديد أحمد قريع الذي يعلم تمامًا صعوبة المهام التي تنتظره، يدركان أكثر من غيرهما حاجتهما الماسة لمثل هذه الهدنة، بل ربما كانا يريان في ذلك طوق النجاة الوحيد الذي يمكن أن يحسن بعض الشيء من وضع السلطة السياسي وفرصها بالخروج من أزمتها الراهنة.
وتشير أوساط مقربة من السلطة المأزومة والمنقسمة على نفسها، أن خطتها في التحرك السياسي للمرحلة القادمة تقوم على ثلاثة خطوط متوازية:
الأول: التوصل إلى هدنة تحسن من فرص قبولها عند الأمريكيين والإسرائيليين.
الثاني: الحوار مع الفصائل الفلسطينية في الداخل والخارج، وتشجيع التواصل معها بهدف إقناعها بمراعاة ظروف السلطة، وإشراكها في قيادة موحدة إن أمكن ذلك مع إدراكها لصعوبة تحقيق الهدف الأخير في ظل رفض حماس والجهاد الإسلامي المشاركة في سلطة تقوم على أساس برنامج أوسلو والتفاوض مع الإسرائيليين.
الثالث: توسيع نطاق اللقاءات والمفاوضات مع الإسرائيليين في الحكومة والمعارضة، وشن ما يسميه بعض سياسييها بالهجوم التفاوضي، على أمل إحداث اختراق وانفراجات في الوضع السياسي المتأزم.
حاجة ملحة لشارون أيضًا
الجديد في الأمر أن الهدنة وبخلاف ما كان عليه الحال في الهدنة الأولى قبل ستة أشهر، لم تعد حاجة للسلطة وحدها، بل إن شارون كما تؤكد الرسائل القادمة من تل أبيب، بات هو الآخر بحاجة ملحة للتهدئة ولهدنة جديدة، في ظل الأوضاع السياسية والشعبية التي يمر بها والتي تعد الأسوأ منذ وصوله إلى السلطة قبل نحو عامين ونصف. وتحدثت محافل إسرائيلية عن إخفاقات عدة تعاني منها حكومة شارون في الآونة الأخيرة بدأت تلقي بآثارها السالبة على مكانتها في الشارع الإسرائيلي، لا سيما بعد فشل سياسة الاغتيالات التي مارستها حكومته، وأزمة الطيارين رافضي الخدمة في «المناطق»، والأزمة التي فجرها قادة الموساد الأربعة السابقون في وجه الحكومة حيث حذروا من أن (إسرائيل) تمر بمرحلة انهيار.
وأظهر آخر استطلاع لرأي الشارع «الإسرائيلي» أن شعبية شارون في الحضيض ووصلت أدنى مستوياتها، حيث عبر 23% فقط من الإسرائيليين عن رضاهم بصورة عامة عن أداء رئيس الوزراء، في حين قال 59% إن أداءه غير مرض. وفيما قال 4% فقط إن وضعهم الاقتصادي يمكن أن يتحسن في ظل حكومة شارون، قال 41% إنهم يتوقعون أن يسوء، فيما توقع 54% أن لا يطرأ أي تحسن على وضعهم الاقتصادي.
ونقلت محافل إسرائيلية ذات صلة وثيقة بالجيش الإسرائيلي تقديرات جديدة من الجيش مفادها أنه «لأول مرة بعد زمن طويل تعتقد أوساط الجيش الإسرائيلي بأن الزمن يعمل الآن لصالح الفلسطينيين».
وقد صدرت تصريحات مهمة عن الجانب الإسرائيلي توضح رغبة حكومة شارون بالتوصل إلى هدنة جديدة، وأنها قد لا تمتنع عن أن تكون طرفًا في الهدنة، مع حرصها على أن تكون «التنازلات» التي تقدمها للفلسطينيين في الحد الأدنى.
فقد عبّر رئيس «الموساد» مثير ودغان عن استعداد (إسرائيل) لوقف سياسة الاغتيالات مقابل الهدنة، لكنه أكد رفض الحكومة لوقف بناء الجدار العازل. وقال مسؤول إسرائيلي كبير إن (إسرائيل) مستعدة لخفض حجم عملياتها في الضفة الغربية وقطاع غزة مقابل وقف الفلسطينيين لعملياتهم. وخلافًا لما أعلنه رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي شاؤول موفاز بعد الهدنة السابقة، يتوقع أن لا تبادر (إسرائيل) إلى إعلان تحقيق انتصار على الفلسطينيين والانتفاضة في حال التوصل إلى هدنة جديدة.
الفصائل ليست متعجلة: من جانبها، لم تبد الفصائل الفلسطينية حماسًا لهدنة جديدة تدرك أنها في المقام الأول حاجة لشارون والسلطة، وليست حاجة للمقاومة والشعب الفلسطيني الذي تبين استطلاعات الرأي صلابة موقفه واستعداده غير المحدود لتقديم التضحيات.
وتؤكد حركات المقاومة الفلسطينية أنها لا تعيش أي أزمة تضغط عليها باتجاه الهدنة، وأن ما شهدته الأسابيع الماضية من هدوء بعد تولي أحمد قريع لموقعه
في رئاسة الوزراء، نابع من حسها وتقديرها العالي للمسؤولية، ولا ينطلق بأي حال من ضعف وعجز عن توجيه الضربات للإسرائيليين. وتؤكد فصائل المقاومة أن هاجسها الأساسي هو الحفاظ على التماسك الفلسطيني الداخلي وتفويت الفرصة على العدو الصهيوني لشق الصف الفلسطيني وتفجير صراع فلسطيني داخلي.
شكل الهدنة
كانت مصادر إسرائيلية قد كشفت النقاب عن وجود سيناريوهين للهدنة رقم (2):
الأول: هدنة مؤقتة لفترة زمنية محدودة يوقف الفلسطينيون بموجبها العمليات ضد من تعتبرهم (إسرائيل) مدنيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948، مقابل وقفها لسياسة الاغتيالات.
الثاني: وقف شامل لكل العمليات الفلسطينية بمختلف أشكالها ضد «المدنيين» والجنود والمستوطنين، مقابل بوادر حسن نية موسعة من قبل (إسرائيل) لم تحددها المصادر بدقة.
وأيًّا كانت النتائج التي تمخض عنها الحراك السياسي، فإن حركات المقاومة باتت تملك تجربة أوسع في الحوار السياسي في القضايا الشائكة، وتبدي قدرًا أكبر من النضج في تقدير الظرف السياسي، ولم يعد واردًا لديها، كما هو واضح، تقديم أي مكافآت أو إنجازات مجانية لشارون أو السلطة.