; الهروب الإسرائيلي من لبنان يكشف خرافة الجيش الأسطوري | مجلة المجتمع

العنوان الهروب الإسرائيلي من لبنان يكشف خرافة الجيش الأسطوري

الكاتب طارق البكري

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000

مشاهدات 67

نشر في العدد 1403

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 06-يونيو-2000

بشكل سريع لافت، تساقطت المعاقل الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، وجمع الجيش المندحر أشلاءه، وغادر تحت جنح الظلام، كيلا يرى الجنود المنسحبون عيون الشماتة، وكيلا يرى الآخرون عيون الخزي، وفضلوا نشر مشاهد ضاحكة مزيفة لا تضيف إلى تاريخ اليهود شيئًا.

انسحبت القوات الإسرائيلية مبكرة عن موعدها المعلن سابقًا، لأن حكومة باراك باتت على يقين أن بقاء القوى الإسرائيلية في الجنوب لم يعد يفيد غير المقاومة لأن البقاء يسمح لها يوميًا باصطياد جنود الاحتلال.

كما بات أكيدًا أن الانسحاب أفضل من البقاء داخل المستنقع اللبناني، وهذا ما أكده تكرار قادة العدو في المدة الأخيرة، إلا أن الانسحاب المفاجئ والسريع لم يكن واردًا، حتى أن أكثر المحللين السياسيين تخيلًا للسيناريوهات المنصورة لم يتصور أن تنسحب إسرائيل بهذا الشكل الغريب، حتى أنه لم يتسن لها جمع الكثير من العتاد والآلات الحربية الثقيلة.

صدمة الانسحاب المباغت لم تترك مجالًا واسعًا للتحليلات السياسية، فكل الرؤى والطروحات التي أوردها المحللون فور انتشار الخبر تصب في خانة الجزع الصهيوني، فلا تحقق ضمان أمن الحدود الشمالية، ولا تم إرضاخ المقاومة وفرض اتفاقات منفردة مع لبنان، كما لم يستطع اليهود العودة إلى اتفاق ۱۷ مايو الموصوف باتفاق الذل والذي فرض غداة دخول قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى لبنان في صيف ٨٢ وأجبرت السلطة في حينها على توقيع الاتفاق لكن القوى الإسلامية والوطنية أجهضت الاتفاق قبل أن يولد، كما أن الضربات الموجعة من أبطال المقاومة كانت بمثابة الجرح النازف والألم الدائم مما دعا إسرائيل إلى إعلان هزيمتها بصراحة ولم تتمكن من قبض ثمن الهزيمة.

ولعل السيناريو الذي رسمه قادة العدو خطة لانسحاب فوري، يؤكد ضالة الجيش الإسرائيلي وخرافة القوات التي لا تقهر، حيث أثبتت المقاومة قدرتها على هز أقوى كيان في المنطقة، وكشفه على حقيقته، وتعريته، بعد ما صوره العالم بالجيش الأسطوري الذي لا يقهر.

بل إن الفرار الإسرائيلي الليلي المذعور وبعثرة العملاء الذين كانوا يد إسرائيل الطولى في السيطرة على بعض القرى الجنوبية، كان دنامة واضحة، فحتى هؤلاء الخونة تركتهم إسرائيل يلاقون مصيرهم، فلم تنسق معهم، ولم تترك لهم أي فرصة للحياة، فاضطروا للحاق بجنود الاحتلال، فعاملوهم أبشع معاملة، ووضعوهم في أماكن غير لائقة، وهم يستحقون ذلك، وكأن إسرائيل تقول بذلك إنها حتى لا تفكر مجرد تفكير بالعودة مجددًا إلى المستنقع اللبناني، ولو كانت تفكر بذلك لحافظت على الأقل على عملائها، لأن أحدًا بعدما حدث لهم لن يحاول أن يتعامل مع إسرائيل، وقد أكد الانسحاب الخدعة التي عاشتها الشعوب العربية فترة طويلة من الزمن، فلو تمكنت هذه الشعوب من المقاومة الجدية، وسمح لها بممارسة حقها المشروع، لقضت على كثير من الوهم المعشش في العقول والقلوب، ولانتهت الأسطورة منذ زمن.

المرحلة المرتقبة: ولكن هل تتوقف الأمور عند هذا الحد؟

أجواء المنطقة توحي بأن هدوءًا سيسود إلى حد ما خلال الفترة القريبة المقبلة، ويجدر بالمؤسسات الرسمية اللبنانية أن تستثمر الحدث وتطلب من مجلس الأمن الدولي إلزام إسرائيل بتعويضات عن الدمار والخسائر، وأن تظل المطالبة مرفوعة في المحافل الدولية، وتجيش لها جميع الإمكانات.

الفرصة اليوم كبيرة أمام العرب لفرض شروطهم على العدو وإضعافه أكثر مما هو ضعيف، وعلى العرب مجتمعين أن يطالبوا مجلس الأمن بتعويضات إسرائيلية كبيرة لإعادة بناء ما تهدم من جنوب لبنان، ودفع قيمة البنية التحتية التي هدمتها إسرائيل كما حدث قبل أشهر عندما قصفت معامل الكهرباء في عدد من المناطق اللبنانية، وهي أعمال متكررة.

ولعل هذا الحديث يكون بمثابة هزة لمراجعة حقيقية للحسابات العربية، فلا تكديس السلاح، ولا الأموال، ولا الجولات السياسية، ولا شيء بقادر على تحرير الأرض مثل البندقية، كما أن الوحدة اللبنانية التي ظهرت من جميع الطوائف، ربما تكون درسًا للخلاف العربي القائم على أشياء بسيطة لا تمس الجوهر ويمكن تجاوزها بقليل من التنازلات الإيجابية بالتعامل والحوار.

لقد كشفت الحالة اللبنانية الاهتراء الصهيوني، وبينت حالة التفكك الذي وصل إليها، ومن الذكاء الاستفادة من حالة الإحباط والانهيار التي تسود صفوف العدو، وعدم إعطائه أي فرصة تكون بمثابة جرعة تقوية تعهد له الطريق ليعيد تنظيم صفوفه والضرب من جديد.

الرابط المختصر :