; الهضيبي معلم الصمت الشامخ | مجلة المجتمع

العنوان الهضيبي معلم الصمت الشامخ

الكاتب خالد سيف الله سيف

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أبريل-1981

مشاهدات 61

نشر في العدد 524

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 14-أبريل-1981

 

 

«إني أعلم أنني أقدم على قيادة دعوة استشهد قائدها الأول قتلًا واغتيالًا وعذب أبناؤها وشردوا وأوذوا في سبيل الله»

 

الهضيبي

 

 معلم الصمت الشامخ

 

بقلم: خالد سيف الله سيف

 

قاد الدعوة في أخطر مراحلها؛ مرحلة التنظيم وجمع الصفوف وتصفية الحساب لتعرف الدعوة ما لها وما عليها.

 

«إني أعلم أنني أقدم على قيادة دعوة استشهد قائدها الأول قتلًا واغتيالًا، وعذب أبناؤها وشردوا وعانوا في سبيل الله، وقد لاقوا ما لاقوا، وإني على ما أعتقده في نفسي من عدم جدارة بأن أخلف إمامنا المصلح مثل حسن البنا -رحمه الله- لأقدم وأنزل عند رغبة الإخوان أداءً لحق الله جل وعلا، لا أبتغي إلا وجهه، ولا أستعين إلا بقدرته وقوته».

 

بهذه الكلمة افتتح الهضيبي - رحمه الله - ولايته للإخوان معبرًا فيها أصدق تعبير عما يجول في نفسه، فالقيادة عنده مخاطر وأمانة ثقيلة وإخلاص، والقائد معرض لفتن شتى لا ينجو منها إلا من أعانه الله.

 

وقبل ذلك اليوم وقبل أن يضطر الهضيبي لتلك الكلمات التي صدَقَها الله تعالى كان -رحمه الله- من علية القوم، فقد كان مستشارًا في القضاء العالي، وهو منصب من أرقى مناصب الدولة، أتذكر سيرة الرجل فتذكرني بطود عظيم أعده الله لهذه الدعوة قبل أن يعرفها وقبل أن تعرفه- يقودها في أخطر مراحلها مرحلة التنظيم وجمع الصفوف وتصفية الحساب؛ لتعرف الدعوة ما لها وما عليها، لقد ربى الهضيبي نفسه بل رباه الله، فرغم أن صلته بالدعوة بدأت في صيف عام ١٩٤٣م إلا أنها بقيت صلة خفية، لا يعلم بها سوى مرشد الدعوة المؤسس الإمام حسن البنا -رحمه الله-.

 

قبل الانضمام للإخوان

 

لقد كان الهضيبي عظيمًا قبل أن تضمه صفوف الدعوة تمامًا كما كان بعد أن تولى قيادة الدعوة- ولا عجب، فالهضيبي رافق القرآن من نعومة أظفاره، قرأه في كتاب القرية، وأحبه يافعًا وشابًا، فوزن به أعماله، وضبط به سلوكه، والتزم بأمره ونهيه، ووقف عند حدوده، رأيناه يصل حدًّا من الورع لا يصل إليه إلا الخلفاء من الرجال- لقد كان الهضيبي مستشارًا بمحكمة النقض، وهو كبقية الموظفين يستعمل قرطاسية الدائرة، وكان يعود إلى بيته وفي حقيبته كمية من تلك الأوراق- فلا يسمح لنفسه ولا لأحد من أهل بيته باستعمال تلك الأوراق، ولو لم تتجاوز حاجته قيراطًا من الورق.

 

لا ينحني لجبار

 

هي أخلاق القرآن عندما تخالط النفوس القوية الشجاعة والمتحدث «باشا» مصري من أعلام القضاء يقول: إن الهضيبي كان أول من كسر تقاليد الانحناء بين يدي الملك عند حلف اليمين القانونية، والتي يؤديها القضاة أمامه قبل تولي منصب «المستشار»- إذ كانت دفعته حوالي عشرة، سبقه منهم خمسة، لم يترددوا في الانحناء عند حلف اليمين الدستوري رغم تهامسهم بالتذمر من هذا التقليد المهين، حتى إذا جاء دور الهضيبي الواهن البنية الصامت اللسان فاجأ الجميع بأن مد يده لمصافحة الملك، وأقسم اليمين مرفوع الجبين فتبعه على ذلك كل من كان بعده من القضاة- ولو لم يحدثنا الذي قال لنفسه «إذا شنقوا الهضيبي فليشنقوني معه».

 

الهضيبي كان أول من كسر تقاليد الانحناء بين يدي الملك عند حلف اليمين القانونية عند توليه منصب المستشار.

 

قال للطاغية جمال عبد الناصر مشيرًا الى الإخوان: «إن هؤلاء خيرة شباب مصر فاحفظوهم ذخيرة لها، وخذوا مني ما تريدون».

 

صورة: عبد الناصر الصنم الذي هوى

 

هذا الخلق النظيف الذي جعل الهضيبي ينتصب بإباء وشمم بين يدي فاروق هو نفسه الذي منع الهضيبي من أن يقول كلمة واحدة في حق فاروق بعد أن قضى الله بزوال ملكه، كما أصدر أوامره لصحف الإخوان بالتعفف عن سباب الملك المخلوع أو ملاحقته على عكس عادة الرجال في هذا الزمن.

 

أين كان الهضيبي؟

 

هذا سؤال قد يطرأ في ذهن البعض ما دام الهضيبي قد بايع الإمام البنا في صيف عام ١٩٤٣ فأين كان حتى سنة ١٩٥٠م. وكيف قضى تلك السنوات السبع دون أن يعلم به أحد، ودون أن تكون له صلة منظمة بالدعوة؟ 

هذا سؤال تجيب عنه وصيته -رحمه الله- إجابة مباشرة، فقد أوصى رحمه الله- وهو على فراش الموت- بأن لا ينعى، وأن يدفن فور موته في مقابر الصدقات.

 

صورة: فاروق لم يعد شيئًا

 

لكنه بعد جهد رضي- رحمه الله- بأن يدفن في مدافن الأسرة دون أي مراسم، إذن فهي أخلاق الهضيبي وصدقه وإخلاصه، فالإخلاص والظهور لا يتفقان، والصدق والمراسم لا يلتقيان، وليس معنى هذا أن الذي يريد أن يخلص لله ويصدق معه لا يستطيع أن يعمل ويجب ألا يعرفه الناس، بل بالعمل يقاس الصدق والإخلاص، وإنما المقصود أن العمل المخلص لا يحتاج إلى صوت مرتفع واسم لامع ومهرجانات تهز الأرض وقد تزعج السماء.

 

الهضيبي قائد حركي في أقواله وأعماله

 

١- بعد أن اختير الهضيبي مرشدًا للإخوان

 

استدعاه الملك للاجتماع به- على غير عادة الملك- وكثرت الشائعات يومها حول ذلك الاجتماع، وما يمكن أن يقدم الإخوان من تنازلات مقابل ذلك التكريم الملكي- - أما الهضيبي فاكتفى من الاجتماع بنقل سلام الملك للإخوان، ومضى في حياته دون أن يلتفت لذلك اللقاء.

 

۲- أما الملك فقد علق آمالًا كبيرة على ذلك اللقاء، فقد أمر كبيرين من أعوانه بالاتصال بالهضيبي وطلبا موعدًا من المرحوم الهضيبي لزيارته، وأخبراه بأنهما يحملان صورة الملك لتعليقها في دار الإخوان، وقبل حلول الموعد بساعة اتصل المرحوم الهضيبي من بيته بالأخ ع. ع. هاتفيًّا، وكلفه بصرف الرجلين، فقال الأخ... إن رد مثل هذين ليس أمرًا سهلًا، بل قد يؤدي لتوريط الإخوان من جديد، فقال الأستاذ الهضيبي: إنهما يريدان تعليق صورة الملك في دار الإخوان، وهذا ما لا أفعله ولو قطعت يميني، فقال الأخ ع. ع. سأرسلهما إليك في المنزل ولا حاجة لهذا الجفاء، وما عليك إلا أن تعتذر لهما بأن الإخوان قوم متزمتون يحرمون التصوير- وسأبادر الآن الى رفع صور الإمام الشهيد من غرف المركز العام؛ حتى يستقيم الاعتذار، فقال الإستاد الهضيبي -رحمه الله-: يرحم الله أباك، وأنا لهما في انتظار.

 

3- بعد أن اعتمد مكتب الإرشاد العام الصياغة التي أعدت بها مذكرة الإخوان التقليدية لوزارة الدكتور علي ماهر سنة ١٩٥٢م كان يجب أن تمر على فضيلة المرشد لتوقيعها، فضرب بقلمه على السطر الآخر منها، وكان نصه «في ظلال جلالة الملك المعظم» غير ملتفت الى أنها عبارة تقليدية، ولما راجعه الأخ ع. ع. بما يمكن أن يؤدي إليه هذا قال -رحمه الله- «احذفها على مسؤوليتي وحسبنا والملك والوزارة أن تكون في ظل الله وحده». 

 

أما أقواله/ رحمه الله- فما كانت دون أفعاله، يقول للسفاح جمال عبد الناصر عن الإخوان: إن هؤلاء خيرة شباب مصر فاحفظوهم ذخيرة لها وخذوا مني ما تريدون. وكان يقول لإخوانه: إن السجن حالة نفسية وليس هو الجدران والأسلاك.

 

من أقواله -رحمه الله-:

 

إن السجن حالة نفسية وليس هو الجدران والأسلاك.

 

أقيموا دولة الإسلام في صدوركم تقم على أرضكم.

 

ميدانكم الأول أنفسكم، فاذا انتصرتم عليها كنتم على من سواها أقدر.

 

وذات يوم جاءه من يعرض عليه الإجهاز على رجال الثورة جميعًا، وكان صاحب العرض أحد رجال الثورة الموثوق بهم لدى مجلس الثورة، وكان سيفعل ذلك غدرًا.

 فأجابه الأستاذ المربي بمثالية يخجل منها إبليس؛ «لأن يهلك الإخوان على آخرهم وللدعوة رب يحميها- خير من أن نبلغ قمة النصر عن طريق الغدر والخيانة.. إننا مسلمون قبل كل شيء. ولو ملكنا الدنيا بإهدار الخلق الإسلامي فنحن الخاسرون».

 

الهضيبي والسجن

 

أرى أن أفرد للسجن بابا مستقلًا عن الحركة لما سيتضح في ثنايا الحديث-

 

1- اعتقل -رحمه الله- للمرة الأولى يوم 13/1/1954م، فجزع كثير من الإخوان الذين تمرسوا في السجن، ولم لا يجزعون وصاحبهم شيخ جاوز الستين، وابن نعمة ويسار، مطاع في أهله، محترم في قومه، مهيب في عمله الرسمي، فكيف يطيق؟ أو هكذا حسبوا. 

ثم هو عليل الجسم مصاب بالروماتزم المزمن فكيف يطيق؟ أو هكذا حسبوا. 

وأُغلق باب السجن على الرجل العظيم، وقبل أن أتم القضية أريد أن أصف عظمته. 

إنها عظمة داخلية لا تظهر إلا في الوقت المناسب، فإذا ما زالت الحاجة إليها عادت إلى حالها لتختفي وراء وجه هادئ وقسمات وقورة وصمت جاد، فلم تكن عظمة الهضيبي رسمًا يرتسم أو شهادة يحملها أو وظيفة يشغلها أو معارف يعرفها، ليعرف بها- وأعود للقضية فما إن أغلق باب الزنزانة على الشيخ الوقور حتى انشدت مشاعر شباب الإخوان إلى شيخهم، فمن الزمهرير ترتعد أجسادهم التي اعتادت خشونة السجن، فماذا يا ترى يكون حال هذا الشيخ، وفي حين غفلة المجرمين عمد الأخ ع. ع. إلى فروة ذات وبر كثيف طويل وأرسلها مع حارس بعد أن أغراه بالأجرة، وبعد قليل عاد الحارس ومعه الفروة مبلغًا الأخ... بأن نزيل تلك الزنزانة قد أمر بردها، فظن الأخ... أن الحارس قد أخطأ في رقم الزنزانة فأرسله مرة أخرى مع كلمة السر، فردها الإمام مع جواب كلمة السر.

 

وبعد يومين التقى الأخ بالإمام العظيم ففاجأه -رحمه الله- بقوله: أدفئ نفسك بفروتك أو ادفعها إلى من يحتاج إليها من إخوانك، فقال الأخ... فدتك نفسي، ومن أحوج إليها منك وأنت مريض بالروماتزم والدوسنتاريا؟!
 فإذا بالهمة العالية تقول في عزة وبشاشة: لقد شفيت والله يا عبد الحكيم ببرد هذه الزنزانة من كل ما أثقلني

 

من الأمراض في غابر الأيام.

 

أما مدير السجن فقد كان يتودد كثيرًا للأستاذ الهضيبي، ويتظاهر بالأسف لاعتقاله، وأخبره ذات يوم بأنه يسعى لتزويد زنزانة الأستاذ بالتدفئة، فقال المرشد: إني بأتم الراحة والدفء، وإذا كان باستطاعتك أن تقدم هذه المزايا لجميع المعتقلين فيسرني أن أكون آخرهم وإلا فوفر على نفسك المساعي وأنت مشكور.

 

وانتهز مدير السجن ساعة الفسحة اليومية فحمل مدفأة مكتبه الخاصة إلى زنزانة الهضيبي وتركها مشتعلة، فما كان المرشد يدخل زنزانته، حتى وجدها دافئة وفوجئ بالمدفأة الكهربائية، فأقبل على باب زنزانته يوسعه ضربًا بيديه حتى فتحه الحارس فألقى إليه المدفأة، وأغلق الباب على نفسه. وفي السجن كان الهضيبي يمارس التمارين الرياضية ويرتدي ملابس ناصعة الألوان، وكان يتعمد إجراء تمارينه الرياضية في الحديقة المواجهة لمكتب المدير، ولما سأله أحد الإخوان «مستغربًا» عن سر ذلك، قال: دعهم لا يرون منا إلا البشاشة وارتفاع المعنوية؛ حتى يتحققوا أن سهامهم طاشت، ولم يبلغوا منا ما يريدون، ألم يبلغك قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «رحم الله امرأ أراهم من نفسه قوة».

 

أما اعتقالات صيف سنة ١٩٥٤م فقد تمت والهضيبي خارج مصر، إذ كان -رحمه الله- في سوريا ولبنان، فما كان يسمع بالاعتقالات حتى أمر بالتجهز للعودة إلى مصر؛ ليسجن مع إخوانه، فألح عليه الإخوان والأصدقاء أن يبقى خارج القفص وزينوا له ذلك، فأبى إلا أن يلقى ما لقي إخوانه.

 

وفي أكثر من مرة كان يخرج من السجن بناء على توصية الأطباء، وفي كل مرة كان يطلب العودة بعد أن تتحسن صحته، ودون أن يطلب إليه ذلك أحد.

 

هذا غيض من فيض عظمة ذلك الرجل الذي رباه الله؛ ليكون مرشدًا لدعوة الإخوان في أحرج فترات حياتها، فلئن كان الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله- قد أسس وبنى؛ فإن الهضيبي -رحمه الله- قد نظم وجدد ووضع اللمسات الأخيرة على قلعة دينه العظيمة في هذا العصر.

 

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).

الرابط المختصر :