; الهندوس يهدمون مسجد «بابري» | مجلة المجتمع

العنوان الهندوس يهدمون مسجد «بابري»

الكاتب المحرر السياسي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992

مشاهدات 62

نشر في العدد 1029

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 15-ديسمبر-1992

بعد مقتل ما يزيد على ألفين وخمسمائة مسلم على أيدي الهندوس- خلال السنوات الأربع الماضية- دفاعًا عن مسجد بابري الأثري الإسلامي الواقع في ولاية أوتار براديش الهندية، تمكنت جموع الهندوس الحاقدين في الأسبوع الماضي من الهجوم على المسجد وهدمه وتسويته بالأرض خلال ست ساعات فقط، والشروع مباشرة في بناء معبد صنمهم «رام» مكان المسجد في غياب وتواطؤ واضح من سلطات الولاية التي يحكمها حزب بهاراتيا جناتا الهندوسي المتعصب، فلم تكن القضية لدى المسلمين المدافعين عن المسجد طوال السنوات الأربع الماضية مجرد قضية مسجد يريد الهندوس السيطرة عليه بعد بنائه بأكثر من أربعة قرون، وإنما كانت قضية الهوية الإسلامية المسحوقة في الهند على أيدي المتعصبين الهندوس، الذين أقاموا للمسلمين طوال العقود الماضية عشرات المجازر والمذابح، دون أن يجدوا من حكومات المسلمين من يردعهم، بل إن زعماءهم كانوا يستقبلون في بلاد المسلمين وأتباعهم من خلفهم يواصلون اعتداءاتهم على حرمات المسلمين وعلى أعراضهم في الهند.

تحدي قرار المحكمة

ورغم صدور أكثر من قرار قضائي من محاكم هندية- منها المحكمة العليا- خلال الأشهر القليلة الماضية بمنع الهندوس من بناء معبدهم مكان المسجد لعدم احقيتهم في ذلك؛ إلا أن عشرات الآلاف من الهندوس واصلوا تحديهم لأحكام القضاء، معتمدين على دعم حكومة أوتار براديش الهندوسية لهم، وفي شهر يوليو الماضي توجه ما يزيد على ثمانين ألف هندوسي من مختلف أنحاء الهند إلى أيوديا، وأقاموا حول المسجد، محاولين الهجوم عليه وهدمه وبناء معبدهم مكانه، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك بعدما سقط عشرات القتلى والجرحى من المسلمين دفاعًا عن المسجد، وقد أعلن مورلي مانوها رجوشي رئيس حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتعصب «أن أعمال البناء لن تتوقف تحت أي ظرف»، وقد واصل الهندوس بناء معبدهم الذي كان يهدف في النهاية إلى هدم المسجد. 

وفي يوم الأحد الماضي تجمع في مدينة أيوديا ما يقرب من ثلاثمائة ألف هندوسي من كافة المناطق، لإقامة شعائر هندوسية تهدف إلى تجديد العهد بإزالة المسجد؛ حيث واصل عشرات الآلاف منهم زحفهم على المسجد في موجة من السعار الهندوسي المجنون الحاقد، فحولوا المسجد إلى ركام خلال ساعات.

مسجد بابري

يعود بناء المسجد البابري إلى عام 1528 ميلادية، وقد بناه السلطان بابر أول سلاطين المغول المسلمين حينما فتح شمال الهند، وبالتالي فهو يعتبر من أقدم المساجد في الهند، وكان يحتل مكانة تاريخية ودينية خاصة لدى مسلمي الهند البالغ عددهم مائة وعشرين مليونًا من بين مجموع سكان الهند الذي يبلغ 882 مليون نسمة، تزيد نسبة الهندوس فيهم عن سبعين في المائة. 

وقد سببت أزمة مسجد بابري عدة أزمات سياسية في الهند، أبرزها سقوط حكومتين مركزيتين خلال أعوام 1990 و1991م بسبب عدم قدرتهما على حل المشكلة، بل إن حكومة بي بي سنج قد أجبرت على الاستقالة في العام الماضي بعد وقوف رئيس وزرائها مع المسلمين ضد المتطرفين الهندوس وضد هدم المسجد، إلا أن قوة الهندوس جرفت بحكومته، ولم يجد مسلمو الهند أي دعم قوي من مسلمي العالم يساعدهم على إيقاف مساعي الهندوس، حتى تم هدم المسجد. 

وإذا كانت حكومة نارا سيماراو الحالية قد أعلنت استنكارها لما قام به الهندوس، وإقالة حكومة أوتار براديش، وأنها سوف تقوم ببناء مسجد آخر مكان المسجد الذي هدم؛ إلا أن كل هذا ليس إلا لامتصاص غضب المسلمين الذي عم العالم أجمع، وأدى إلى ردود فعل قوية تظهر أن القضية ليست قضية مسجد، وإنما قضية دين وهوية.

دوافع الهندوس

إن الصمت الإسلامي طوال السنوات الأربع الماضية- لاسيما من الحكومات الإسلامية- كان له دور كبير في إقدام الهندوس وجرأتهم على هدم المسجد، فقد اكتفى الجميع بمشاهدة ما يجري، ولم تصدر أي تحركات قوية لإيقاف اعتداءات الهندوس المتكررة على المسجد، ولم تقم أي من الحكومات الإسلامية طوال الفترة الماضية بانتقاد الحكومة الهندية بشدة، أو تهديدها بالتأثير على مصالحها، أو بقطع العلاقات معها، وطرد العمالة الهندية الوثنية من أرضها إذا استمر الهندوس في اعتداءاتهم على المسلمين وعلى المسجد، مما جعل حكومة الهند لا تضع الحراسة الكافية لحماية المسجد، في الوقت الذي لم يخف فيه الهندوس نواياهم، وعلى هذا فإن السبب الرئيسي الذي دفع الهندوس إلى هدم المسجد في ذلك الوقت، هو عدم وجود موقف حاسم وواضح وحازم من الدول الإسلامية تجاه الحكومة الهندية فيما يتعلق بقضية المسجد، أو حماية المسلمين في الهند بصفة عامة.

ما الذي يجب عمله الآن؟

لقد عم السخط والغضب المسلمين في كافة أنحاء العالم بعد هدم المسجد، وأعربت معظم الحكومات الإسلامية عن أسفها وشجبها لما حدث، وكانت صورة تعبير الشعوب الإسلامية عن الغضب أقوى، مما يعني أن هذا الحدث الأليم قد مس شغاف قلب كل مسلم في كل ربوع الدنيا، وإذا كان المعتصم قد سير جيشًا جرارًا إلى عمورية لأجل امرأة مسلمة قالت: «وامعتصماه»، فإننا لا نطالب الدول الإسلامية أن تفعل ذلك، ولكننا نطالبها بأن تقوم بعمل بعض ما تستطيعه حتى تحفظ للإسلام والمسلمين قليلًا من كثير مما فقدوه ويفقدونه كل يوم في طول الدنيا وعرضها، حتى تجرأ عليهم فساق الأرض وفجرتها، وشرار الناس ودهماؤهم؛ فاستباحوا أرض المسلمين ودماءهم وأعراضهم؛ لأنهم لم يجدوا من يردعهم، وأن أقل ما يمكن أن تقوم به الدول الإسلامية هو أن تقوم بطرد العمالة الهندوسية الحاقدة من بلادنا، وإيقاف التعامل الاقتصادي مع الهند، فبأموال المسلمين التي يحولها الهندوس من بلادنا هدم المسجد البابري، وبأموال المسلمين يتم الإنفاق على المذابح والمجازر التي تقام للمسلمين في الهند، وبأموال المسلمين التي يحولها الهندوس من بلادنا يقومون الآن ببناء معبدهم مكان المسجد البابري في أيوديا. 

لقد مللنا من الاستنكار والشجب والإدانة، ونريد وقفة لله يقفها حكام المسلمين؛ فيردوا للمسلمين بعض هيبتهم، ويكون لهم عند الله أجر عظيم فمن يستجيب لنداء الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ* إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (التوبة: 38-39).

واقرأ أيضًا

الرابط المختصر :