; مسجد بابري.. وبداية انهيار الإمبراطورية الهندوسية؟ | مجلة المجتمع

العنوان مسجد بابري.. وبداية انهيار الإمبراطورية الهندوسية؟

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1992

مشاهدات 53

نشر في العدد 1030

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 22-ديسمبر-1992

·       لقد كان في التدخل السوفيتي في أفغانستان عام 1979 بداية انهيار الإمبراطورية الشيوعية فهل يكون هدم مسجد بابري عام 1990 هو بداية انهيار وتفكك وانفراط عقد الإمبراطورية الهندوسية؟

معظم الحروب الكبرى وانهيار الإمبراطوريات والقوى العظمى على مدار التاريخ بدأت بحدث صغير سرعان ما تحول إلى شرارة يتطاير لهبها ليظل شهورًا أو أعوامًا أو عقودًا تنهار خلالها دول وتقوم أخرى ويموت خلق ويأتي آخرون وفقا لقانون التدافع الذي وضعه خالق جل شأنه ﴿وَلَولَا دَفعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلأَرضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضلٍ عَلَى ٱلعَٰلَمِينَ﴾ (البقرة:251)، والشواهد على ذلك لا حصر لها ولا نهاية سواء من التاريخ القديم أو المعاصر أو الحاضر الذين نعيشه ونحياه.

ومع كثرة المذابح التي تعرض لها المسلمون على أيدي الهندوس في شبه القارة الهندية لاسيما خلال العقود الأربعة الأخيرة، فإن ما تعرضوا له منذ بداية أزمة مسجد بابري في أيوديا عام 1989 من حيث الشكل أو الطريقة كان ينذر ببوادر أزمة من نوع خاص يمكن أن يؤدي تفاقمها أو انفجارها إلى عواقب وخيمة تهدد كيان الهند التي تضم 25 ولاية تنتشر على مساحة شاسعة تصل إلى 3 ملايين و288 ألف كيلومتر مربع يتوزع عليها أكثر من 850 مليون نسمة يتكلمون 14 لغة مختلفة ويدينون بست ديانات معروفة هي الإسلام والهندوسية والمسيحية والسيك والبوذية والجيان، وغير هؤلاء توجد عشرات الديانات الأخرى التي تهبط بالإنسان فكرًا وسلوكًا وحياةً إلى أسفل سافلين، بداية من عبدة الأوثان وحتى عبدة الفئران.

ورغم سيطرة الهندوس على معظم مقاليد الأمور في البلاد باعتبارهم أغلبية حسب الإحصاءات الرسمية التي تشير إلى أنهم يزيدون عن ثمانين في المائة من مجموع سكان الهند،  إلا أن هناك حركات انفصالية في الهند تقف ضد الهيمنة الهندوسية من أبرزها مطالبة مسلمي كشمير بانفصال الولاية عن الهند وفقا لقرار تقسيم شبه القارة الهندية الذي تم عام 1947، إلا أن الهند ترفض إقرار هذا الأمر بعدما وافقت عدة مرات على قرار الأمم المتحدة الخاص بمنح سكان جامو وكشمير حق تقرير مصيرهم وقامت بينها وبين باكستان المجاورة أربعة حروب بسبب قضية كشمير منذ عام 1947 وحتى الآن.

وقد قام مسلمو كشمير بانتفاضة كبرى ضد الحكم الهندوسي بدأت في يناير عام 1990 ومازالت مستمرة بقوة حتى الآن وقد قتل وجرح واعتقل وشرد على إثرها عشرات الآلاف من مسلمي كشمير، وتحولت كشمير من جنة الله في الأرض -كما كانت توصف- إلى جحيم لا يطاق، ويصر مسلم كشمير على مواصلة كفاحهم حتى تنال كشمير استقلالها أو حق تقرير مصيرها.

وقد تصاعدت العمليات العسكرية فيها بعد قيام الهندوس بهدم مسجد بابري حتى بلغ مجموع الجنود الهندوس الذين يقومون بقمع المسلمين فيها حسب تقرير نشرته رويترز مؤخرًا مائة وخمسين ألف جندي وضابط يرتكبون في حق السكان المسلمين كافة أنواع البطش والتنكيل.

ولا يطالب مسلمو كشمير وحدهم بانفصال الإقليم فالسيخ الذين تبلغ نسبتهم حسب بعض الإحصاءات غير الرسمية 2% من سكان الهند يطالبون بإقامة وطن مستقل للسيخ في ولاية البنجاب، وقد أدت أعمال العنف بين السيخ والهندوس لمقتل الآلاف من الجانبين.

وقد قامت القوات الهندية لاقتحام المعبد الذهبي الواقع في مدينة أمريستار الذي يعتبر أقدس مكان للسيخ مرتين أحدهما عام 1984 في عهد أنديرا غاندي والثانية عام 1988 في عهد ابنها راجيف وكان مصير أنديرا هو القتل بعد شهور قليلة من عملية اقتحام المعبد الذهبي الأولى على يد أحد حراسها السيخ الذين توعدوا ابنها راجيف بالقتل بعد عملية الاقتحام الثانية لكنه قتل في العام الماضي في عملية مازال يكتنفها الغموض، ومازال السيخ يطالبون بوطنهم المستقل ويموت العشرات منهم كل يوم في سبيل ذلك.

ومع وصول عدد من المسلمين الذين قتلوا بسبب أحداث المسجد البابري أو الدفاع عنه إلى ما يقرب من أربعة آلاف قتيل واستمرار تفاقم أعمال العنف في الهند بين المسلمين الذين يبلغ عددهم 120 مليون مسلم والهندوس الذين يزيدون عن 600 مليون حتى وصل الأمر برئيس الوزراء الهندي أن يصرح قائلًا: «إننا نواجه أزمة وموقفا بالغ الخطورة على البلاد» فإن هذه الدلائل تشير إلى أن هدم مسجد بابري لن يكون حدثًا عاديًا رغم الضعف المزري والاضطهاد الشديد الذي يعيشه مسلمو الهند منذ عقود. 

إن الهند لن تكون أقوى في تماسكها من الاتحاد السوفيتي الذي انهار وتفكك وانفرط عقده خلال مدة وجيزة وسط ذهول الجميع، ولن تكون الهندوسية أقوى من الشيوعية، وكلاهما مخالف للطبيعة البشرية والقيم الإنسانية والفطرة السوية.

لقد كان التدخل السوفيتي في أفغانستان عام 1979 بداية انهيار الإمبراطورية الشيوعية.. فهل يكون هدم مسجد بابري عام 1992 هو بداية انهيار وتفكك وانفراط عقد الإمبراطورية الهندسية؟

واقرأ أيضًا

الرابط المختصر :