; الهند بين صراع الهندوس والسيخ.. والمسلمون هم المعذبون | مجلة المجتمع

العنوان الهند بين صراع الهندوس والسيخ.. والمسلمون هم المعذبون

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1984

مشاهدات 61

نشر في العدد 690

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 06-نوفمبر-1984

تمر الهند بحالة غليان سياسي وطائفي وتشهد أحداث عنف عشوائية راح ضحيتها إلى الآن الآلاف من القتلى والجرحى في أعقاب اغتيال أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند، وربما تشهد الأيام القليلة القادمة معارك ضارية بين السيخ والهندوس، ويتنبأ المراقبون السياسيون لمجرى الأحداث في الهند بأن حدة المعارك السياسية بين الأحزاب المتنافسة للوصول إلى الحكم في الانتخابات العامة المقبلة ستزداد والشيء الملفت للنظر في الانتخابات العامة السابقة أنها تسبق دائمًا بأحداث دامية ضد المسلمين، كإحدى الوسائل المختارة لكسب الأصوات لدى الهندوس والسيخ بإثارة النزعات الدينية وحمل الأغلبية الهندوسية على اختيار حزب يكون أكثر عداء للأقليات وخاصة الأقلية المسلمة، والتي تعد ثاني طوائف الهند بعد الهندوس «أكثر من مائة مليون نسمة» أما في الانتخابات المقبلة فسيكون لحادث الاغتيال هذا الدور المميز لأن الحزب الحاكم الذي فقد كثيرًا من شعبيته سيجعل من جثمان أنديرا قضية سياسية جديدة، يعزز بها موقفه المتداعِي في حين ستنتهز الأحزاب المعارضة فرصة غياب أقوى منافسيها لإيجاد التحالف فيما بينها تمهيدًا لكسب الجولة القادمة، وفي موضوعنا هذا سنلقي الضوء على حادث الاغتيال وانعكاساته على مستقبل الهند بطوائفه المتعددة.

  • عملية الاغتيال

في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر تمكن ثلاثة من الحراس السيخ من اغتيال رئيسة وزراء الهند «أنديرا غاندي» أمام منزلها في نيودلهي وقالت الأنباء أن اثنين منهم قتلًا بواسطة حراس آخرين بينما اعتقل الثالث، فيما أعلنت طائفة السيخ مسؤوليتها عن اغتيال أنديرا غاندي وقال ناطق باسم الطائفة «لقد انتقمنا» وأخذ أفراد الطائفة يوزعون الحلوى فيما سيطر الغضب على الهندوس واندلعت أعمال العنف على نطاق واسع في عدة مدن في جميع أرجاء الهند، ووضعت القوات الهندية المسلحة في حالة تأهب. 

والحقيقة أن اغتيال أنديرا غاندي على يد السيخ جاء كرد فعل لاقتحام القوات الهندية للمعبد الذهبي للسيخ في أرميشار منذ شهور مضت وهذا ما عبر عنه هاراشان زعيم طائفة السيخ في بريطانيا حيث قال: «إنها سعت لقتلها بنفسها» وأعاد للأذهان حادثة اقتحام الجيش للمعبد الذهبي المقدس لدى طائفة السيخ.

  • ماذا يريد السيخ؟

ديانة السيخ هي فرع من الهندوسية انشقت عنها عام 1500 م تحت شعار «لا هندوس ولا مسلمين وانتهجت الحركة السيخية طابع العنف في الآونة الأخيرة وشن حزب أكالي دال السيخي حملة لإجبار أنديرا على الموافقة على 44 طلبًا سياسيًّا ودينيًّا من بينها إعطاء أمريشار التي يوجد فيها المعبد الذهبي للسيخ وضعًا على غرار «الفاتيكان» من هنا بدأ الخلاف بين الطائفتين، وكان لفشل أنديرا في معالجة الأمر سلميًا واستخدامها أسلوب العنف السبب الرئيسي في اندلاع العنف المضاد من جانب السيخ، فالعنف لا يولد إلا عنفًا، وهذا ما غفلت عنه أنديرا حين انطلق الهندوس المتعصبون على مدى ستة عشر عامًا من حكمها للهند يسفكون دماء الأبرياء من أبناء الطوائف الهندية الأخرى بما في ذلك دماء المسلمين، ففي الوقت الذي كانت فيه أنديرا تتجول في محافل عدم الانحياز، كان الأبرياء من أبناء الهند يتساقطون صَرْعَى برصاص الهندوس تحت سمع وبصر الحكومة التي ترأسها أنديرا.

  • حقيقة لا بد منها

هذه الحقيقة البدهية غفلت أو تغافلت عنها كثير من صحف العالم حين وصفت حادث الاغتيال بأنه «اغتيال للديمقراطية» وسقوط رمز من رموز حركة عدم الانحياز وغياب علم من أعلام العدل والسلام، بينما التزمت هذه الصحف نفسها الصمت عند مقتل الآلاف من المسلمين في المجازر الدامية المستمرة في الهند منذ سنوات. فأين الديمقراطية من دماء هؤلاء الأبرياء؟

إن مسحة الديمقراطية في نظام الحكم الهندي ترجع إلى طبيعة الحكم على الشعب الهندي الهائل المتكون من أعراق وأجناس وأديان متعددة ومتناقضة.. وقد أدَّى ارتكاز السلطة بيد أسرة غاندي إلى انقسامات متكررة في الحزب الحاكم «حزب المؤتمر الوطني» الذي أصبح عبارة عن رسوم ودُمًى متحركة بيد رئيس الحزب يحركها متى أراد وكيف يشاء. 

فمنذ سنوات كان همُّ أنديرا إعداد وريث للحكم حتى لا يخرج الأمر من أسرتها.. ففرضت نجلها الأصغر على الحزب وعلى الدولة حتى شعر الناس بأنه هو الحاكم الفعلي للهند رغم صغر سنِّه وقلة خبرته السياسية، وشذوذه وغطرسته التي نشأ عليها وكان هو السبب لدفع الأم إلى فرض حالة الطوارئ والقيام بحملة التعقيم الإجباري والممارسات التعسفية الأخرى التي أدت إلى غضب شعبي، وبالتالي إلى انسحاب بساط الحكم في انتخابات عام 1977م. 

ثم جاءت بنجلها الأكبر الذي نشأ في حالة انعزال وانطواء على النفس بعيدًا عن النشاط السياسي واختارت لفرضه نفس الأسلوب وأبعدت كل من يخشى منه عدم رضاه على ولي عهدها.

  • قضايا شائكة

والآن بعدما لقيت أنديرا مصرعها، وذهبت تاركة وراءها قضايا شائكة ومعقدة لخليفتها فماذا سيكون مستقبل الأحداث في دولة تضم في محيطها البشري الهائل كل عجائب العالم؟ وكيف سيتغلب على الوضع رئيس الوزراء الجديد الذي يعتبره المحللون السياسيون مراهقًا في ميدان السياسة، وهو الآخر في القائمة التي أعدها السيخ المتطرفون لتنفيذ الاغتيالات لمشاركته في تعقيد قضية «بنجاب» في نظر طائفة السيخ.. وهل تستطيع الهند الحفاظ على وحدتها، أم ستعود إلى عهد المهراجات؟ وماذا سيكون مصير طائفة السيخ؟ وهل سيكون للمسلمين وزن في مجرى الأحداث السياسية في المستقبل؟ أم سيعيشون بعيدين عن الساحة؟

مستقبل السيخ

هذه وغيرها من الأسئلة الكثيرة تحتاج إلى رد في ضوء الظروف الطارئة في الهند، ولا شك أن الأشواك التي زرعها الهندوس في عهد أنديرا سوف تكون محك اختبار صعب للابن، وتدل موجة العنف وسلسلة مطاردة السيخ في كل أنحاء الهند بعد حادث الاغتيال على أن الجروح بين الهندوس والسيخ أصبحت غائرة بحيث لا تندمل بسهولة، وأن الفجوة التي أحدثتها حكومة حزب المؤتمر بين الطائفتين المتحالفتين منذ قرون قد ازدادت اتساعًا، وأن انسحاب السيخ من شوارع العاصمة يذكر بالحالة التي مر بها المسلمون في أعقاب استقلال الهند ونشأة دولة باكستان، وكان السيخ والهندوس متعاونين في قتل المسلمين ومطاردتهم، ومنذ أن احتجز الجيش المعبد الذهبي دارت عليهم الدائرة، فالسيخ يعيشون في حالة المحاصرة في ولاية بنجاب، وفي حالة المطاردة في المدن الأخرى، غير أن السيخ رغم قلة عددهم فإنهم متغلغلون في الجيش وجهاز الأمن، وهم يحملون رصيدًا من العنف، لذا فسوف تضطر الحكومة إلى تحقيق بعض مطالبهم وعقد الاتفاق معهم عاجلًا أو آجلًا.

ماذا وراء عملية البنجاب؟

لقد كانت العملية العسكرية في «البنجاب» تهدف إلى كسب قلوب الهندوس إذ هم يشكلون أكبر قطاع شعبِي، وبعد نجاح العملية كان الحزب الحاكم بزعامة غاندي يشعر بأنه لا يحتاج إلى أصوات الأقليات أو حتى مناورة التعاطف معهم. وكان موقف الأحزاب المعارضة مؤيدًا للخطوة، غير أن ظن أنديرا خاب بعد تحالف المعارضة ضدها في استعادة براديش كبير وزراء أنديرا، ثم خسرت بعض الأوراق في تغيير الحكم في كشمير الاسترضاء اللوبي الهندوكي المتطرف، غير أنهم أيدوها في البداية ثم تركوها وحيدة، وعلى حين توجد نوازع الانفصال في عدة ولايات حدودية وتعيش كافة مناطق الهند وضعًا ساخنًا، لا يملك الحزب الحاكم للانتخابات القادمة غير ورقة اغتيال زعيمته، وسوف يستغل هذا الحادث ويجري الانتخابات في موعدها حتى لا تتمكن المعارضة من القضاء على التعاطف الشعبي مع نجلها. 

مستقبل المسلمين

أما المسلمون فهم المنبوذون الحقيقيون في أرض الهند والمجتمع الهندوكي، فما زالوا طوال فترة حكم أنديرا غاندي يواجهون القتل والتعذيب على أيدي الهنادكة تارة والسيخ تارة أخرى، وإن مجازر آسام، ورانش، و بيها، وشريف، والله آباد، وعلى كراه، ومراد آباد، وحيدر آباد، وبیواندي، ومتونات، حدثت كلها في فترة حكم أنديرا غاندي، والمسلمون يختلفون عن السيخ في المواقع السياسية، حيث إنهم موزعون على مناطق مختلفة ولا يوجد لهم خطر يُذكر في الجيش وأجهزة الأمن أو المناصب القيادية ذات التأثير، وما دام المسلمون سيشاركون في الانتخابات المقبلة فلا بد إذا من التخطيط الدقيق لتكون أصواتهم في صالحهم.

ومن ناحية أخرى يجب عليهم الحفاظ على كيانهم والثقة بأنفسهم فإن موقف المتفرج على الأحداث ليس يجديهم أمام التيار الهندوسي الجارف وازدياد عواطف الكراهية نحوهم، وهنا لا بد من مناداة حكام العالم الإسلامي من أجل الاهتمام بما يعانيه الهنود المسلمون في الهند.. فالمسلم أخ للمسلم.. فهل ينتبه حكَّام المسلمين لإخوانهم الهنود؟

الرابط المختصر :