العنوان من حفر حفرة لجاره الصغير وقع فيها... الهند شجعت نمور التاميل ومولتهم ثم انقلبوا عليها
الكاتب ظفر الاسلام خان
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1279
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
شكوك حول علاقة المشعوذ تشاندرا سوامي الذي يستعين به كثير من القادة والمشاهير العرب لقراءة الطالع.
● نمور التاميل قتلوا راجيف غاندي بسبب اتفاق السلام الذي وقعه مع حكومة سيريلانكا.
عاشت الهند في الأيام الماضية مسرح العبث.. الحكومة الهشة المستقيلة كانت تتألف من (14) حزبًا صغيرًا لكنها لا تمثل- مجتمعة- الأغلبية في البرلمان وبالتالي تحتاج إلى تأييد حزب كبير من خارج الائتلاف الحاكم- كان حزب المؤتمر في هذه الحالة.. وحزب المؤتمر ينتهز أي فرصة للبروز من جديد وكسب التعاطف الشعبي بعد أن سقط في الانتخابات النيابية العامة قبل 18 شهرًا، ويحاول قادة الحزب دفع أرملة راجيف للدخول إلى الساحة السياسية أملًا في أنها ستستقطب الناخبين المتعاطفين مع فجيعتها.
ثم هناك تجمع كبير آخر يمثل المتعصبين الهندوس- «حزب الشعب الهندي»- ينتظر بفارغ الصبر كيف يستقطب أنصارًا من الأحزاب الأخرى بأي حيلة أو يجر الوضع السياسي إلى إجراء انتخابات جديدة لكي يصل إلى سدة الحكم، وكانت العاصمة الهندية مليئة بالشائعة قبل نحو شهر بأن «حزب الشعب الهندي» على وشك تأليف حكومة مركزية «سبق أن حكم هذا الحزب لمدة (13) يومًا في السنة الماضية وسقطت حكومته حين فشلت في إثبات غالبيتها في البرلمان، وقالت الشائعات إن كثيرين من نواب البرلمان من مختلف الأحزاب، وخصوصًا من حزب المؤتمر، مستعدون للانشقاق عن أحزابهم وتأييد حزب المتعصبين لقاء رشاوى ضخمة ووعود بالمناصب الوزارية على غرار ما كان قد وقع لتوه في ولاية أوتار براديش حيث عاد حزب المتعصبين للحكم أخيرًا وكان قد أطيح به في أعقاب هدم المسجد البابري في ديمسبر 1992م.
وفي خضم هذه الشائعات خرجت مجلة «الهند اليوم» «إنديا توداي» بمقتطفات من التقرير الأولى للجنة القاضي جين التي تبحث منذ أكثر من خمس سنات في مقتل راجيف غاندي، وكانت هذه المقتطفات بمثابة طلقة من الغيب أذهلت الكل، وبدأت كل الأحزاب تبحث عن السبل لاستغلالها لمصلحتها وليس حبًّا في راجيف غاندي.
وتقول التكهنات أن شخصًا قريبًا من أرملة راجيف «سونيا» هو الذي سرب هذا التقرير قبل أن يكشف النقاب عنه رسميًّا بتقديمه إلى البرلمان وهو أمر كان يمكن أن يستغرق سنوات بل كان من الممكن ألا يقدم للبرلمان أصلًا ويودع للأبد في أدراج وزارة الداخلية كما حدث لتقارير أخرى كثيرة لا تأتي على هوى الحكومة القائمة.
وهكذا نجد أن كل الأحزاب، بل وفئات داخل هذه الأحزاب، تحاول استغلال التقرير لمآربها، فيحاول رئيس حزب المؤتمر «سيتارام كيسري» استغلال التقرير لإبراز نفسه أمينًا على مصالح الحزب القائم وعلى أمجاد نهرو وابنته إنديرا غاندي وابنها راجيف غاندي، بينما يحاول معارضو «كيسري» في حزب المؤتمر استغلال التقرير للإطاحة برئيسهم بحجة أنه يؤيد تحالفًا حكوميًّا يضم حزبًا متهمًا بالمسؤولية عن مقتل راجيف.
حاول التآلف الحكومي المستقيل استغلال الموقف لإطالة عمر حكومته الهشة بالتهديد بأنه سينشر تقارير لجان سابقة لم تأت على هوى حزب المؤتمر مثل التقرير عن فضيحة رشاوى بوفورز التي يعتبر راجيف المتهم الرئيسي فيها كما هدد التحالف الحاكم بأن المستفيد الوحيد من سقوطه سيكون حزب المتعصبين الهندوس وأن حزب المؤتمر هو الذي سيعتبر مسؤولًا عن ذلك.
كما حاول حزب الشعب الهندي استغلال الموقف لإسقاط الحكومة والحلول محلها في البرلمان الحالي أو إجبارها على إجراء انتخابات جديدة أملًا في الحصول على الغالبية المطلوبة للحكم المستقل أو بتأييد أحزاب متحالفة مع حزب المتعصبين.
والغريب في هذه الضجة كلها أن أرملة راجيف «الإيطالية» قد حافظت على هدوئها ولم تنبس إلى الآن ببنت شفة!!
وقد طالب حزب المؤتمر «حزب الجبهة المتحدة» الحاكم بطرد حزب «دي. أم. كيه» الذي يحكم ولاية تاميل نادو حاليًّا ويتحالف مع الجبهة المتحدة على مستوى الحكومة المركزية، وقد اعتبره تقرير لجنة القاضي جين مسؤولًا عن مقتل راجيف غاندي نتيجة صلاته القوية ودعمه لنمور التاميل السريلانكيين الذين نفذوا عملية قتل رئيس الوزراء السابق.
وقد رفض الجبهة المتحدة هذا الطلب إذ إنه لا يعقل أن يعتبر حزب معين مسؤولًا عن مقتل راجيف نتيجة صلاته الوثيقة مع نمور التأميل، بينما كانت الحكومة الهندية برئاسة إنديرا غاندي وكل حزب آخر في وقت من الأوقات يؤيد نمور التاميل، بل إن الحكومة الهندية في ظل إنديرا غاندي ثم ابنها هي التي ربتهم ودعمتهم وسلحتهم ومولتهم حتى أصبحوا قوة لا يستهان بها، وكانت بذلك تنفذ سياسة إمبريالية تهدف إلى آسيا.
واستمرت هذه السياسية من سنة 1983 إلى 1987 حين غيرها راجيف غاندي رأسًا على عقب بتوقيعه على اتفاقية مع الحكومة السريلانكية قضت بإرسال قوة حفظ السلام الهندية إلى مناطق القتال في شرق وشمال سريلانكا، واعتبر نمور التاميل هذه الاتفاقية خيانة هندية لقضيتهم وبدأوا يحاربون الهند هي الأخرى، وكان اغتيالهم لراجيف غاندي جزءًا من هذا الانتقام باعتباره الرجل الذي غير سياسة الهند من الدعم الكامل لنمور التاميل إلى قمعهم بقوة السلاح بالمشاركة مع أعدائهم السينهاليين السريلانكيين.
وكان راجيف غاندي قد اغتيل في 21 مايو 1991م، ووجهت التهم آنذاك إلى المتمردين السيخ في البنجاب والمسلحين الكشميريين وآخرين بما فيهم النمور... إلا أنه قد ثبت الآن أن نمور التاميل هم الذين كانوا أداة القتل على الأقل، أما الجهة الحقيقية التي وقفت وراء الاغتيال وتسهيله وتمويله فيعتقد أنها هندية أو أمريكية أرادت التخلص من راجيف نظرًا لسياساته المستقلة وشخصيته المتميزة.
وهناك اتهامات صريحة في بعض وسائل الإعلام الهندية، وكذلك في بعض الشهادات التي أدلى بها أمام لجنة القاضي جين، بأن الكاهن الهندوسي المشبوه «تشاندرا سوامي» هو الذي دبر الأموال اللازمة لاغتيال راجيف بسبب عداء مستفحل بينهما، ويزعم هذا الكاهن أنه قريب من كثير من الشخصيات الهندية والعالمية، وقد زعمت بعض هذه الشهادات أن جهات أجنبية ضليعة في هذه المؤامرة بواسطة سوامي الذي وجد في نمور التاميل أداة مستعدة للتنفيذ بدافع الانتقام.
انتخابات جديدة
إن النتيجة النهائية للأزمة الحالية هي قناعة كل التجمعات السياسية بضرروة إجراء انتخابات نيابية جديدة- ولو بعد حين- حيث إن الانتخابات الجديدة وحدها سوف تحسم الأوضاع السياسية المائعة الآن حيث لا يتمتع أي حزب أو كتلة بالقوة البرلمانية اللازمة للحكم بدون تأييد أطراف أخرى في البرلمان.
ومهما كان أمر الأزمة الحالية فليس هناك من أحد في الهند- ما عدا أرملته- يتأسف على غيابه عن مسرح السياسة... إلا أن الكل يستغلون ذكراه مثل «قميص عثمان» لتسوية خصوماتهم مع أعدائهم... تلك هي الحقيقة المرة وراء المهزلة الحالية في العاصمة الهندية بغض النظر عن سقوط الحكومة الآن أو بقائها الهش لبضعة أشهر أخرى.
إن القضية الرئيسية التي تجاهلها الكل- بما فيهم القاضي جين- في هذه المأساة أن راجيف غاندي قد وقع في الحفرة التي حفرتها الحكومة الهندية ضد جارة صغيرة ضعيفة، فالهند بدافع الهيمنة الإمبريالية على جيرانها احتضنت ثوار التاميل في أوائل الثمانينيات وبدأت تعطيهم المال والسلاح بسخاء وتوفر لهم التدريب العسكري والملاجئ الآمنة في جنوب الهند.
وكان هذا العمل السري يجري من خلال وكالة المخابرات الهندية للعمليات الخارجية المعروفة بـ «جناح البحث والتحليل»، وقد بدأت هذه الوكالة- التي هي أخطر وكالات المخابرات الهندية وأكثرها سرية- تدرب عناصر نمور التاميل سنة 1983م ويقال إنها دربت (1200) عنصر على الأقل من ثوار التاميل على العمليات العسكرية و«الفدائية»، واستمر هذا العمل المقرون بتزويد نمور التاميل بالأسلحة والمتفجرات إلى سنة 1987م.
وكانت الأحزاب الهندية من كل الأنواع والاتجاهات، وخصوصًا في جنوب الهند، تتسابق لدعم نمور التاميل وتقدم لهم التبرعات الضخمة بملايين الروبيات، بل من الخزينة العامة في بعض الأحايين!!- ليستمر النمور في حربهم ضد مواطنيهم السينهاليين والحكومة السريلانكية والجيش السريلانكي وارتكاب المجازر في حق مسلمي سريلانكا حتى من التاميل وذلك لرفضهم الانضمام إلى صفوف النمور.
وخلال هذه الفترة قامت وسائل الإعلام الهندية بتضخيم زعيم ثوار التاميل «برابها كاران» وعرضته كبطل تحرر قومي ووضعته في مصاف الثوار العظام الذين حرروا شعوبهم...! وكان ثوار التاميل يطالبون بالانفصال وإنشاء دولة خاصة بهم في شرق وشمال سريلانكا.
واستمرت هذه السياسة الهندية إلى أوائل سنة 1987م رغم أن نمور التاميل كانوا يقومون في الوقت نفسه بتصفيه المجموعات التاميلية الأخرى التي كانت تحتفظ بعلاقات جيدة مع الهند، وهنا- في يوليو 1987م- غير راجيف سياسته رأسًا على عقب فوقع اتفاقية مع الرئيس السريلانكي «جياو اردهاني» تقضي بالعمل المشترك ضد ثوار التاميل وكسر شوكتهم العسكرية وذلك لإجبارهم على قبول العرض الحكومي بالاستقلال الذاتي في مناطق تمركز للتاميل في جزيرة سريلانكا.
وهكذا أرسلت الهند قوة حفظ السلام الهندية التي بدأت تحارب حلفاء الأمس وذلك ابتداء من أكتوبر 1987م، وفي الوقت نفسه استمرت علاقات التعاون والدعم الهندية مع نمور التاميل لسنة أخرى أملًا في احتوائهم وإقناعهم بتأييد مشروع الحكم الذاتي، ولكن ثوار التاميل رفضوا الاتفاقية الهندية- السريلانكية، وبدأوا يحاربون الجيش الهندي بلا هوادة وبنفس القنابل والمتفجرات والأسلحة التي قدمتها لهم المخابرات الهندية!!
دور المخابرات
وخلال هذه الفترة- أي بعد عقد الاتفاق- كانت المخابرات الهندية على علاقة مستمرة مع النمور تدعمهم بالمال والسلاح بما فيها توفير (40) طنًا من المتفجرات والأسلحة التي سلمت للنمور رأسًا في قواعدهم في شمال سريلانكا، بل جاء زعميهم «برابها كاران» إلى نيودلهي حيث قابل راجيف غاندي وأوهمه بأنه موافق على الاتفاقية الهندية السريلانكية، وظل مكتب النمور في «مدراس» بجنوب الهند ضدهم في شمال وشرق سريلانكا، بل توجه مبعوث للمخابرات الهندية سرًّا لمقابلة زعماء النمور في أدغال سيريلانكا فسقط قتيلًا على يد الجيش الهندي في كمين ظنًا منه أنه عميل ينتمي إلى النمور!.
وحسب قول السفير الهندي بكولومبو آنذاك «جيه، إن، ديسكيت» في كتابه «مهمة في كولومبو» ظلت الاتصالات الهندية مع النمور مستمرة حتى سنة 1991م، وقد قابل راجيف نفسه وفي بيته بالعاصمة الهندية أحد زعماء النمور قبل شهر من اغتياله.
وأخيرًا وجد الجيش الهندي نفسه في كمين بعد أن انقلب عليه حلفاؤه السريلانكيون فخرج ذليلًا مدحورًا بعد أن فقد «1000 جندي» على أرض معركة خاسرة منذ البداية... ومن خلال هذه العملية الحمقاء خسرت الهند صداقة كل من الحكومة السريلانكية والثوار التاميل.
[1] - مدير معهد الدراسات الإسلامية في نيودلهي