; الوثيقة السرية لحلف الأطلسي | مجلة المجتمع

العنوان الوثيقة السرية لحلف الأطلسي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997

مشاهدات 64

نشر في العدد 1281

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 23-ديسمبر-1997

في الرابع من شهر ديسمبر الجاري ذكرت جريدة «الموندو» الإسبانية الواسعة الانتشار أنها اطلعت على وثيقة سرية وجهتها قيادة حلف شمال الأطلسي إلى الحكومة الإسبانية عقب الاجتماع الأخير لوزراء الدفاع ورؤساء الأركان للدول الأعضاء في الحلف. 

الوثيقة السرية حسب ما قالت الموندو، تشير إلى عدد من الأمور:

  1. أنه في إطار انضمام إسبانيا إلى البنية العسكرية لحلف الأطلسي تكون المسؤولية الرئيسية لإسبانيا هي التغطية العسكرية للجناح الجنوبي للحلف الذي يعتبره زعماء الأطلسي أضعف الأجنحة.
  2. أن منطقة الشمال الإفريقي حافلة بطاقة كبرى من عدم الاستقرار -على حد تعبير الوثيقة- ويمكن أن تشكل خطرًا على الحلف. 

وبالنظر إلى ذلك، يتوجب على إسبانيا تطوير طاقاتها العسكرية بحيث تكون قادرة مع الحلف على توفير قوة قوامها ٥٠ ألف جندي للقيام بمهام سلمية في الشمال الإفريقي عند الضرورة، وأن تتضمن الاستعدادات المطلوبة إمكانية إنزال القوات البرية في المنطقة المعنية، إذا ما تعرضت إحدى دول الحلف لعدوان عسكري خارجي، وأن تكفل إمكانية الرد العسكري.

إن قراءة ما نشر من تلك الوثيقة يثير أكثر من علامة استفهام، بل يرسم أكثر من علامة اندهاش:

  1. فالحديث عن رد عدوان عسكري خارجي ينطلق من أرض المغرب الكبير ضد حلف الأطلسي أمر يثير الضحك وفق المقاييس المعلومة، والمعلومات المتاحة عن القوى العسكرية للجانبين.
  2. كما أن وصف العملية الأطلسية التي يراد أن تكون إسبانيا على استعداد للقيام بها بمشاركة الحلف وتشبيهها بعملية حفظ السلام في البوسنة لا يعدو أن يكون نوعًا من التمويه الذي يكشف أكثر مما يستر. 
  3. التصريح في الوثيقة السرية بأن منطقة شمال إفريقيا بها طاقة كبرى من عدم الاستقرار لا يعني سوى ما سبق أن رددته ألسنة المسؤولين في الحلف، وتضمنته وثائقه العلنية في السنوات الماضية بشأن استهداف التيار الأصولي الذي يعني التيار الإسلامي بكل فصائله وتشكيلاته.
  4. بل يمتد الاستهداف ليشمل كل من يحاول أن يعرض مصالح الحلف العسكرية والاقتصادية والسياسية للخطر، تلك المصالح التي تعني الهيمنة والاستغلال والسيطرة على الشعوب.
  5. ومن الغريب أن السكوت إزاء الخبر المنشور في الموندو، لم يقتصر فقط على المسؤولين في الحلف أو الحكومة الإسبانية، بل شمل أيضًا حكومات المنطقة المستهدفة رغم أن الوثيقة تتحدث عن احتمال تدخل عسكري على أراضيها؛ فهل يعني هذا السكوت القبول بحماية الأطلسي تجاه أي خطر ينشأ من داخل الحدود؟ وهل يعني ذلك الاستعداد للاستعانة بقوات أجنبية؟ وهل أصبحت السلطة أغلى ثمنًا وأكبر قيمة من الأرض والسيادة والشعب؟ 
  6. وما الخطر العسكري الذي يراد أن تواجهه قوات أكبر حلف عسكري عرفه التاريخ الحديث بمعداته التي لا يوجد في عالمنا المعاصر قوة عسكرية توازيها حجمًا وخطرًا؟ 

إن الشمال الإفريقي مجتمعًا لا يملك من القوة العسكرية ما يمكن أن يشكل خطرًا على الحلف أو على بعض دوله، أليس الخطر الحقيقي الذي يخشاه الحلف هو يقظة الشعوب وما تعنيه من طاقة كبرى لا يمكن كبتها عن طريق استبداد محلي أو دولي؟ فهل أصبحت يقظة الشعوب تبرر بمنطق النظام الدولي الجديد استخدام القوة العسكرية لكبتها؟

لسنا في حاجة إلى التثبت من صحة الوثيقة المذكورة من عدمه -وقد انتظرنا فلم نسمع نفيًا لها- فاهتمام حلف شمال الأطلسي بالخطر الإسلامي المزعوم ليس جديدًا، بل هو قائم من قبل سقوط الشيوعية ومن قبل مصادرة إرادة الناخبين في الجزائر، وهو ما انعكس في طرح شعارات مثل «صراع الحضارات» و«العدو البديل»، كما انعكس في مؤتمرات الحلف وعمل أجهزة التخطيط فيه؛ ففي ندوة الشؤون الأمنية التي عقدت في ميونيخ بألمانيا عام ۱۹۹۱م طرح الطرف الأمريكي علنًا ضرورة توجيه الحلف لمواجهة ما وصفه بالخطر الإسلامي، ثم في قمة روما من العام نفسه تحول الطرح النظري إلى قرار رسمي لتعديل أهداف الحلف ومهامه المستقبلية، ثم تحول القرار إلى خطط تفصيلية ولا سيما في مجال تشكيل قوات التدخل السريع.

إن ما ينكشف من وثائق سرية ليس أكبر خطرًا بمضمونه وأبعاده مما يمكن رصده من مخططات ومواقف ووثائق علنية، وإن الموقف المطلوب تجاه ذلك يستدعي العمل الدائب الحثيث من أجل مواجهة الخطر وإعداد العدة للمستقبل قبل أن يفوت الأوان أو بتعبير آخر قبل أن يتحقق وعد الله ووعيده 

﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38).

الرابط المختصر :