; الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية في الصومال | مجلة المجتمع

العنوان الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية في الصومال

الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

مشاهدات 81

نشر في العدد 1078

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

تفاقم الموقف وتأزم في الصومال وخارج الصومال وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية على كافة مستويات المسؤولية فيها؛ وذلك بعد أحداث الثالث من أكتوبر وسقوط أكثر من اثني عشر قتيلًا من الجنود الأمريكيين في مقديشو وجرح أكثر من 77 آخرين، ثم ما تبع ذلك من «جر» بالحبال لجثتين من جثث الجنود القتلى.. وبشكل يصور الحالة النفسية التي سيطرت على الناس في مقديشو من جراء الاحتكاكات المباشرة من قوات الأمم المتحدة وخاصة القوات الأمريكية وبين الصوماليين.

وللحقيقة فقد تعددت حوادث الاحتكاك قبل حادث الثالث من أكتوبر؛ وذلك من قبل القوات العاملة تحت علم أو راية الأمم المتحدة قبل أن تكون من قبل الصوماليين، هذا بالإضافة إلى المشاعر النفسية المتعددة والمتنوعة والتي جثمت على نفوس وصدور شعب يواجه محنة من أقسى وأعنف المحن في دنيا وعالم عرب العصر، وفي غيابهم أو تغييبهم التام كما في تقاعسهم أو تخاذلهم المحزن.

كثيرون يذكرون قصة تلك الفتاة الصومالية التي طاف بها جنود فرنسا في عربتهم العسكرية في شوارع مقديشو وفي تحدٍ سافر للمشاعر والتقاليد ودون مراعاةٍ للظروف والأجواء.. وبالطبع دفعت الفتاة الثمن عرضها وحياتها، وترك الحادث في النفوس ندوبا وجروحًا تتسع ويستفحل أمرها.

وكثيرون يذكرون ذلك البيان الذي أصدره علماء الصومال يحذرون فيه من تحول أو تحويل دور- القوات التي نزلت باسم الأمم المتحدة إلى أرض الصومال وتحت الأمل وعودته - إلى دور تبشيري يستغل الحادث ويسعى لتوجيه العقول والقلوب عن أصالتها ومعتقداتها، كما حذروا أيضًا من تجاهل أو تخطي عادات الناس وتقاليدهم، وآدابهم وتراثهم.

وكثيرون أيضًا علموا بأمر البيانات أو الإعلانات الصادرة باسم بطرس غالي ترصد المكافآت للحصول على رأس عيديد حيًا أو ميتًا وبشكل يدل على الجهل أو الغباء أو الصلف والغرور، خاصةً حين ينسى القوم أو يتناسون أن الحركة أو التحريك في الصومال ما زال يجرى عبر القبائل، والتي حرك وأثار زياد بري فتنتها وهو يختتم دوره في تخريب الصومال، وتحويله إلى خرائب وأطلال.

أيضًا علم ولا شك كثيرون بذلك التصريح والذي ورد على لسان المسؤول عن أمور وشؤون الخدمات الإنسانية في الأمم المتحدة وأكد من خلاله أن دور الأمم المتحدة في الصومال قد تحول وتبدل وانحرف عن وجهته حين انصرف إلى مجال العمليات العسكرية وغاب عن مهمته وهي إغاثة الناس الجوعى والمرضى وإنقاذهم من غول المجاعة.. وتقديم العون والدعم لهم في مجال توحيد صفوفهم وترتيب شؤونهم.. وعودة كيانهم كدولة لها نظمها وقانونها وأمنها وحكومتها.

لقد قال المسؤول أن كل عشرة دولارات يجرى صرفها في الصومال صار يخصص منها تسع دولارات للعمليات العسكرية والملاحقات العسكرية.. ولا يبقى إلا دولار واحد للصرف على الحاجات الإنسانية الضرورية والعاجلة.

والحادث الذي هزت ثماره ونتائجه في الثالث من أكتوبر- البيت الأبيض الأمريكي والكونجرس الأمريكي ومجلس الأمن القومي الأمريكي- وأدى إلى تبديل وتغيير في السياسة الأمريكية إزاء الصومال هو في حد ذاته دليل على صلف وفجاجة الأسلوب اتبع في مواجهة الأزمة الصومالية أو المحنة الصومالية.. لقد نمي إلى علم قيادة القوات الأمريكية أن ثمة اجتماعًا سيتم عقده في أحد فنادق مقديشو وأن المجتمعين هم أنصار عيديد وأن قيادات عيديد ستكون متواجدة وأن الفرصة مهيأة لاعتقال القيادات ومصادرة السلاح والاقتراب من عيديد أكثر.. ومن ثم تحركت المروحيات والمدرعات وأشهر الأمريكيون السلاح.. وكانت نتيجة الاستهتار أو الصلف والعجرفة سقوط الاثني عشر قتيلًا وسقوط المروحيات وسقوط العديد من الجرحى.. وبالطبع سقط مئات القتلى من الصوماليين دون أن يذكرهم أو يذكر بهم أحد... مع أسر الطيارين وليتبدل الجو الأمريكي فيعلن جون ماكلين أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي وسط جلسة الكونجرس لبحث أمر الوجود الأمريكي في الصومال: إن رد فعل الشعب الأمريكي يتسم بالغيظ والغضب الشديدين.. إنه يريد إعادة الأمريكيين المفقودين أثناء القتال، بل وإعادة القوات الأمريكية إلى الوطن لأنهم لا يرون نهاية ناجحة لما يبدو بجلاء بأنه التزام وتورط غير محددين لمدة محددة.

وهم ببساطة يعتقدون- وأعتقد أن هذا صحيح- إن مصالح أمتنا القومية والحيوية تواجه خطرًا هناك.. إن ما بدا هناك كجهد إنساني تحول الآن بشكل إلى حماية للقانون والنظام وبناء الدولة ومطاردة زعماء الفئات المتصارعة- وبصراحة ليس من بين هذه الأمور ما يستدعي استخدام قواتنا، وفي هذه الحالة فإن الخسائر المأساوية تلحق بالأرواح الأمريكية.

وطالب الكونجرس الأمريكي في أعقاب مناقشاته وفى قرار له من حكومة كلينتون بتقديم تقرير عن أهداف وأغراض الحكومة الأمريكية في الصومال وضرورة حصول كلينتون على تفويض في الخامس عشر من نوفمبر لمواصلة نشر القوات الأمريكية في الصومال، بل لقد أدت المواقف الغاضبة والمذعورة مما حدث للجنود الأمريكيين في الصومال إلى أن يحدد كلينتون مارس القادم موعدا لسحب القوات الأمريكية وليعلن الرسميون الأمريكيون صرف النظر عن ملاحقة عيديد وأكثر من ذلك إشراكه وجماعته في أي حوار.

والقرار الأمريكي المنفرد والمتضرر بإرسال قوات أمريكية إلى الصومال في الأيام الأخيرة من حكم الرئيس الأمريكي بوش ثم إبلاغ الأمم المتحدة بالأمر بعد وقوعه ودعوة المساهمين الآخرين للمشاركة بقواتهم في الحملة العسكرية الموجهة إلى الصومال.. كان يوحي بأن الصومال شأن أمريكي، كما أن التحركات الأمريكية في الصومال على مدى الشهور الممتدة من ديسمبر 1993م حتى إلى ما قبل أحداث أوائل أكتوبر كانت تؤكد بأن العلم المرفوع هو علم الأمم المتحدة. أما القرار فهو قرار أمريكي، أما الجديد الذي أفرزه حادث أو حوادث مقتل الجنود الأمريكيين فهو الإعلان الأمريكي الرسمي عن أن القضية الصومالية هي قضية إفريقية، وبالتحديد قضية القرن الإفريقي.. وهي لفتة أو إشارة أمريكية لها أكثر من معنى إفريقيًا وعربيًا وإسلاميًا.. وأيضًا أمريكيا وإن كان عرب العصر ومسلمو العصر قد تنحوا أو نحوا من البداية عن دورهم الصحيح إزاء الصومال ومحنة شعبه.. ولا يبدل في ذلك أو يغير إرسال حكوماتهم لمئات الجنود أو آلاف الجنود للمشاركة العسكرية تحت علم الأمم المتحدة.. ويلفت النظر أن بطرس غالي قد أعلن قلقه وتخوفه من القرار الأمريكي بانسحاب الجنود الأمريكيين من الصومال مع مارس القادم.. وتحرك من خلال الاتصال بالمسؤولين الإفريقيين وعقد المؤتمرات معهم لضمان موافقة أو استجابة هؤلاء المسؤولين على إرسال المزيد من الجنود للصومال.. وبالطبع تحمل النفقات..

ولا أحسب أن الرجل تعوزه الفطنة أو الذكاء ليدرك أن الاستجابة الإفريقية أو العربية والإسلامية لإرسال جنود للمشاركة في القوة التي وصلت في ديسمبر عام 1992م كانت استجابة للرغبة الأمريكية والسياسة الأمريكية.. ومن ثم فقد كان المؤتمر الذي سعى لانعقاده في القاهرة في منتصف أكتوبر غير ذي أثر أو إمكانات ليتخذ من القرارات بشأن الصومال في ظل قرار الانسحاب الأمريكي وأيضًا قرارات الانسحابات الأوروبية الأخرى ما يرقى إلى مستوى التنفيذ..

وأوضح ذلك من تصريحات أفورقي في إريتريا، وملس زيناوي في إثيوبيا وتجاوبهما مع التوجه الأمريكي الجديد في تهدئة الأوضاع أو عبور الأزمة في الصومال في ظل تحرك من دول القرن الإفريقي.. وحدها!!

ومطالبة بطرس غالي وسعيه للحصول على مزيد من القوات لإرسالها إلى الصومال مع السعي للحصول على الموارد المالية لتغطية النفقات يفضح بطرس غالي ويفضح توجهاته.. فالمزيد من القوات والمزيد من النفقات لدعم عسكر الأمم المتحدة في الصومال يوازيه الرفض العام من الرجل لإرسال جندي واحد أو إنفاق دولار واحد لتمويل أي تواجد عسكري تعرض حكومات إسلامية تبنيه وتجهيزه للدفاع عن المسلمين في البوسنة.

بقي أن نقول إنه ربما تساءل البعض عن مغزى مطالبة الكونجرس الأمريكي الإدارة كلينتون أو توضيح أهداف وغايات السياسات الأمريكية من خلال العسكر الأمريكية والتواجد الأمريكي في الصومال، ولا أعتقد أن هذا يعني أكثر من مطالبة الكونجرس كلينتون بمراجعة السياسة الأمريكية إزاء الصومال لمعرفة مدى ابتعادها أو ثباتها أو تراجعها عن خطها نحو الغايات والأهداف الأمريكية في الصومال، وهي أهداف وغايات تناولتها كثير من الندوات والدراسات والأبحاث العلمية، وكان من بين ما التقى عليه كثير من الدارسين والباحثين أن أمريكا لم تتحرك إشفاقًا أو ألمًا للدم المسفوك في البوسنة أو الدم المسفوك في فلسطين، وفى أكثر من رقعة على خريطة العالم؛ تجعل من الصعب تصديق شعاراتها ولافتاتها التي تزعم أن أهداف عسكرها.. والعسكر المشاركين لعسكرها في الصومال.. لا تعدو بعث الأمل في صومال جديد آمن مستقر.. حر عزيز.. كما كان من بين ما التقى عليه هؤلاء الدارسون والباحثون أن المربع البترولي بضلعيه في القرن الإفريقي وضلعيه في الجزيرة العربية إضافة إلى كنوز اليورانيوم في الصومال وموقع الصومال الاستراتيجي الذي يلعب دوره في الاستراتيجيات الأمريكية الجديدة مع تحسبات أمريكية لمواجهة أي مد أصولي في المنطقة.. تتجمع كلها مع غيرها لتحرك لعاب السياسة الأمريكية في سيطرة تامة وكاملة على الصومال.

لقد دعمت أمريكا زياد بري في الصومال.. وإبان ممارسته لدوره في تخريب الصومال وإفقاره وتبديد ثرواته وبث الفرقة والتناحر بين قبائله، فإذا كان هذا هو حال وشأن السياسة الأمريكية إزاء الصومال بالأمس وهي تمضي في دعم ومساندة سلطان التخريب والتدمير فيه، فماذا جد عليها اليوم لتزعم أنها لا تسعى إلا للتعمير وملء البطون الجائعة وأمن النفوس المذعورة.. وتوفير الاستقرار للعباد في ربع البلاد!!

مزيد من التفتيش وراء السياسة الأمريكية.. والتصرفات الأمريكية.. يبين الكثير.. ويوضح الكثير.. وأحسب أنه يعري ويفضح الكثيرين!

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

524

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

584

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8