; الوجه المشرق للحرب | مجلة المجتمع

العنوان الوجه المشرق للحرب

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998

مشاهدات 85

نشر في العدد 1294

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 31-مارس-1998

حروب الإبادة والاستئصال التي تمارسها قوى الاستعمار العالمي ضد الشعوب الضعيفة ليست كلها مساوئ، فإن كان لها أوجه قاتمة فإن لها جوانب أخرى مشرقة رغم ما تخلفه من خراب وضحايا.... هذا الكلام يتجسد فيما نشهده من فصول حرب الإبادة والاستئصال الدائرة في كوسوفا منذ أكثر من خمسة وستين عامًا.

فحين بدأ تقلص النفوذ العثماني في البلقان، عقد النظام العالمي مؤتمره الدولي الشهير في لندن عام ۱۹۱۳م لبحث الوضع الجديد في أوروبا، وقرر شطر المسلمين الألبان إلى شطرين أملاً في تذويبهم واستئصال شأفتهم واستقر شطر في ألبانيا، بينما استقر الشطر الآخر في إقليم كوسوفا الذي تم إهداؤه إلى مملكة صربيا. 

ومنذ ذلك التاريخ والمسلمون يعيشون في محرقة الصرب، وما يكادون يلتقطون أنفاسهم من مذبحة، حتى يسقطوا في أخرى، فقد جرد العدو الصربي كل قواه لإفراغ شحنات الحقد والغضب والانتقام المكبوتة في قلبه ضد المسلمين منذ فتح هذه البلاد في القرن الرابع عشر الميلادي، لكن المسلمين في كوسوفا صمدوا بقوة عقيدتهم أمام هذه المذابح مثلهم في ذلك مثل مسلمي ألبانيا ومسلمي البوسنة الذين عاشوا الظروف نفسها، وظل مسلمو كوسوفا يجاهدون حتى حصلوا على الحكم الذاتي عام ١٩٧٤م، لكن صربيا ما لبثت أن ألغت هذا الحق عام ۱۹۸۸م في إطار حملة منظمة من الإبادة والحرمان من أبسط الحقوق المدنية ووسط حصار حديدي على السكان، وفي هذه الأثناء بذل الصرب أقصى جهودهم لتقليص كثافتهم السكانية التي تمثل 90% من السكان بفرض كل عوامل الضغط والتشريد التي تدفعهم إلى الفرار، وفي الوقت نفسه تم دفع موجات جديدة من الصرب إلى البلاد، وأمام هذه الحرب المتعددة الأوجه والفصول.. ثقافيًّا وديموجرافيًّا وإنسانيًّا واقتصاديًّا لم يفرط المسلمون في استقلال بلادهم وكان شعارهم الدائم «الاستقلال أو الموت»، بل إن هذه الحرب أسفرت عن جوانب مشرقة في صالح قضية كوسوفا تتمثل فيما يلي: 

- تفجر الانتفاضة العاصفة بين المسلمين ضد الصرب التي أطلق عليها حرب الاستقلال وعبر عنها أحد زعماء الألبان محمود يكالي قائلًا: إن صربيا لن يمكنها بعد اليوم السيطرة على كوسوفا، وإن مليوني ألباني لن يقبلوا بالحكم الصربي. 

- تأجيج المشاعر القومية بين الألبان في العالم وبخاصة في ألبانيا التي تشترك في الحدود مع كوسوفا، فبعد أن كانت المشاكل الداخلية والأزمات الاقتصادية تنسي أهل ألبانيا قضية إخوانهم في كوسوفا، استيقظ الجميع وتدفقت المساعدات عبر الحدود، بل إن بلجراد تتهم سكان هذه الحدود بإقامة معسكرات تدريب لقوات جيش تحرير كوسوفا، وهو ما جعل الصرب يفرضون حاجزًا شديدًا على هذه الحدود لمنع التقاء أبناء ألبانيا إخوانهم في كوسوفا.

- تشكيل جيش تحرير كوسوفا من مجموعات من الشباب الذين عاشوا المعاناة وحياة الاضطهاد، ففضلوا الموت على الحياة، أي أنه جيش استشهادي على شاكلة كتائب عز الدين القسام في فلسطين... وهذا هو ما يرعب الصرب ويخيف المنطقة بأسرها، بل يخيف القوى الكبرى التي تتسابق للتمركز في البلقان كمنطقة نفوذ؛ لأن ازدياد قوة هذا الجيش لن تجعل لمحتل أو أجنبي مستقبلًا في المنطقة، ولذلك اتفق الفرقاء من النظام الدولي على اعتبار هذا الجيش مجموعة من المتطرفين والإرهابيين يجب القضاء عليهم، لكن يبدو أن الزمام قد فلت، وأصبح لهذا الجيش وجود لن تستطيع قوة القضاء عليه.

لقد أخطأ الصرب الحساب في كوسوفا، كما أخطأوا الحساب في البوسنة، وهو الخطأ نفسه للروس في الشيشان، حينما ظنوا أن القوة الغاشمة تقضي على العقيدة وتمسخ الهوية، فإذا بالعقيدة والهوية تزدادان رسوخًا وتسري روح الجهاد بين الناس ويسفر ذلك كله عن قيام الدولة... الدولة المستقلة.

الرابط المختصر :