; الورطة الاقتصادية الإندونيسية.. هل من مخرج؟! | مجلة المجتمع

العنوان الورطة الاقتصادية الإندونيسية.. هل من مخرج؟!

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

مشاهدات 80

نشر في العدد 1318

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

إندونيسيا

100 مليون تحت خط الفقر – 25 مليون عاطل.. ملايين الجوعى!!

اقتصادي إندونيسي: كيف تستطيع الحكومة مكافحة الفساد إن لم تكن قادرة على الحفاظ على سعر الأرز؟

معونة الصندوق والبنك الدوليين تتجه لإعانة طعام الطبقتين المتوسطة والغنية.. وتترك الفقراء على جوعهم.

يواجه الرئيس الإندونيسي حبيبي أصعب اختبار له منذ توليه السلطة قبل أربعة أشهر في ٢١ من مايو الماضي - فارتفاع أسعار المواد الغذائية لدرجة لا يحتملها دخل المواطن الفقير دفع بعض الأجنحة الطلابية إلى الخروج في مظاهرات، ورغم قلة عدد المشاركين فيها، فإنها تعد الأكبر خلال حكم حبيبي، فقد خرج مئات الطلبة في مظاهرات استمرت لأيام، وكانت آخر مطالبهم أن يستقيل حبيبي إن لم يستطع خفض أسعار الأرز، وأن يشرع في محاكمة الرئيس سوهارتو وأعوانه، وأن يحارب الفساد والمحسوبية.

ويقول أحد الطلبة: «إن الوضع وصل لحد الموت، فكثير من الناس لا يحصل على أي غذاء».. وقد استمرت المظاهرات لأيام قبل أن تتوقف، مع تحذير الجنرال ويرانتو رئيس الجيش من أن المظاهرات تساهم في إبعاد المستثمرين عن أسواق إندونيسيا.. وقد أدت المظاهرات إلى انخفاض الروبية بنسبة ٩٪ بعد أن زاد عدد المتظاهرين أمام البرلمان من ٥٠٠ إلى ٤٠٠٠ متظاهر، وبدأ بعض الطلبة تنظيم شبكات مماثلة لشبكات تنسيق العمل الطلابي، التي كانت نشيطة قبل سقوط سوهارتو.

هذه المرة لقي الطلبة تجاوبًا حكوميًا أفضل، حيث التقاهم وزير التعليم، كما أمر قادة الجيش الجنود بعدم استخدام القوة أو الرصاص وإن أطلق بعض الجنود الرصاص في الهواء لمجرد «التخويف».

رد حبيبي على المظاهرات بالدعوة إلى الصبر وضبط الأعصاب والقول إن التظاهر سيزيد الوضع سوءاً، كما طالب القادة الإسلاميين والعلماء أن يدعوا الشعب إلى الصبر على الشدائد، ووصف المسؤولية الملقاة عليه بأنها «صعبة للغاية» وعلل طلبه هذا للعلماء بقوله: «إنني متيقن أن الشعب سيستمع إليكم.. مع علمي أن البعض بدأ يفقد صبره.. وفي المقابل كان رد وزير العدل بأن الحكومة تستخدم القانون رقم ٥ لعام ١٩٥٩م، والذي يقضي بحكم الإعدام على كل من يقبض عليه وهو يعرقل تحركات الدولة الساعية لحل مشكلات الشعب الأساسية كتوفير المياه أو الغذاء أو الملابس.

ومع تفاقم أزمة الغذاء يتزايد المنتقدون للرئيس حبيبي فيتساءل أحدهم وهو الاقتصادي هارتويو ويجنايوتو عن قدرة الحكومة على مكافحة الفساد ومخلفات حكم سوهارتو إن لم تكن قادرة على التحكم بأسعار الأرز.

ويضيف: إن الأمر يحتاج إلى شجاعة وإرادة سياسية قوية، فالأرز موجود في الأسواق العالمية والأموال يمكن توفيرها.. لكن المشكلة تكمن في أن أحد بقايا حكم سوهارتو وهو نظام توزيع المواد الغذائية مازال يشكل عائقاً، فوكالة بولوغ لتوزيع الأغذية مازالت أحد العوامل وراء وجود هذه الأزمة والتي يسيطر على إداراتها من سبق أن عينهم سوهارتو.

وكانت أسعار الأرز قد ارتفعت بعد أن بدأت الأزمة في العام الماضي وارتفعت مرة ثانية حتى أغسطس الماضي وبنسبة ١٨٣,٩٪ وأصبح ثمن كيلو الأرز يعادل راتب يوم عمل كامل للعامل العادي (٤٠٠٠ - ٦٠٠٠ روبية) وما تقوم به وكالة بولوغ الحكومية يبدو وكأنه لا يفيد طبقات الشعب بقدر ما يفيد بعض المحتكرين والتجار وجزء قليل من عامة الناس وغالبهم أصبحوا من الماهرين في الحصول على كيس أرز، بينما يبقى الغالبية في موقف المتفرج الجائع.

٨٠ مليون فقير وجائع:

إحدى النتائج التي أفرزتها السياسات الاقتصادية خلال السنين الماضية لحكم سوهارتو ثم الأزمة الاقتصادية أن ٤٠٪ من شعب إندونيسيا أصبحوا من الفقراء! وقد ذكرت إحصائية رسمية حكومية أصدرتها اللجنة المركزية للإحصائيات في جاكرتا أن عدد الإندونيسيين الذين يعيشون تحت خط الفقر وصل إلى ٧٩,٤ مليون، أي ٤٠٪ من مجموع السكان البالغ عددهم ٢٠٢ مليون نسمة، وقد يصل عددهم إلى ٩٦ مليون نسمة مع نهاية هذا العام، بينما تشير توقعات الاقتصاديين المستقلين إلى أن عدد الفقراء يفوق هذا العدد ويتعدى ١٠٠ مليون نسمة أو أكثرا لكن الحكومة تعتبر هذا الرقم مبالغاً فيه، وحتى لو قبلنا بالإحصائية الرسمية «٧٩,٤ مليون» فإنه عدد هائل ومن الصعب على الحكومة الحالية البدء بمشروع متكامل لحل مشاكلهم.

أما منظمة العمل الدولية فتوقعت أن يعيش ثلثا الشعب تحت خط الفقر مع نهاية ١٩٩٩م مع ارتفاع الأسعار يوميًا.

وهكذا تلاشت أحلام الرجوع للقوة الاقتصادية السابقة قبل نهاية القرن، وهذا أبسط مؤشر على أن إندونيسيا تحتاج ما بين ٣ – ٥ سنوات للخروج من أزمتها الخانقة.

يقول تقرير أعده مجموعة من العاملين في برنامج الغذاء العالمي قبل أسبوعين: إن ٧,٥ ملايين إندونيسي، أو ٣,٧٪ من مجموع السكان، يعيشون في ظروف صعبة جدًا، ويضطرهم الوضع إلى الاعتماد على وجبة غذائية واحدة، أما البنك الدولي، فلقد أعلن أن عدد الإندونيسيين الذين لا يحصلون على الحد الأدنى من السعرات الغذائية، وصل إلى ٥٠ مليونًا، أي واحد من كل أربعة أشخاص، وأن ٨ ملايين منهم قد وصلوا لمرحلة الخطر.

تقرير ثالث صدر عن ثلاثة اقتصاديين مستقلين، أكد أن ٣٢ مليون نسمة، لا يحصلون على وحدات حرارية كافية تحميهم من الإصابة بسوء التغذية، في ظل مثل هذا الوضع، كيف يرجع المستثمرون إلى إندونيسيا؟ وكيف سيستثمر المستثمرون الذين هم في الغالب من دول غربية أو آسيوية؟ كيف سيرضون بالرجوع للاستثمار في بلد أهله جياع؟!.. هذا الوضع يفرض على الحكومة استيراد ٣,٥ ملايين طن من الأرز في أقرب وقت ممكن وقبل نهاية العام الحالي، وقد استوردت وكالة بولوغ حتى الآن ثلث هذه الكمية فقط.

الذي يزور جاكرتا قد لا يقتنع بالأرقام المذكورة أنفاً ويظنها من قبيل المبالغة، لكن آثار الأزمة يمكن أن ترى بوضوح في الأرياف التي يعيش فيها ما بين ٧٠ - ٨٠٪ من السكان، وإحدى المشاكل التي تواجه الفلاحين، الأحوال المناخية السيئة التي تزامنت مع الأزمة الاقتصادية، ففي العام الماضي، جرفت الأمطار الغزيرة كثيرًا من المزارع، ومنذ نهاية العام الماضي وحتى منتصف هذا العام، اجتاحت البلاد موجة ساخنة ورياح جافة وشمس حارقة، ومع أن الجفاف ليس بجديد على بعض الأقاليم البعيدة، فلطالما واجهوا «جوعًا اعتياديًا» في عهد سوهارتو، إلا أن الجوع أصبح «جوعًا غير عادي»، وحتى في بالي إحدى أغنى جزر إندونيسيا، يأكل الناس الأرز وحده، مرة واحدة في اليوم، ويأكلون في الأوقات الأخرى «المنيهوت» وغيره من الأطعمة غير المرغوب فيها، واستبدلت الأمهات بحليب الأطفال الماء الذي يغلي فيه الأرز، وتقوم الشركات السياحية والحكومة بحراسة السياح القادمين - إلى الجزيرة، خوفًا من أن يهاجمهم أحد، ومن أغنى جزر إندونيسيا إلى أفقرها، تتكرر الصورة.

ومع أن الناس «لم يموتوا جوعًا»، فإن ما تكتسبه أجسادهم من قيمة غذائية يتناقص يومًا بعد يوم، مما ينذر بعواقب صحية خطيرة، سنسمع المؤسسات الدولية تتحدث عنها في الأشهر القادمة.

والقضية الأخرى هي عدم كفاية ما تقدمه معونات المنظمات الخيرية، وبخاصة من أستراليا وأوروبا، لأن المطلوب هو برنامج غذائي يغطي حاجة عشرات الملايين، كما أن اتفاقيتي صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، اللتين ستوفران مليار دولار من أجل تخفيض الأسعار، لن تكفيا، فـ ١٥٪ من المعونة ستوجه نحو خفض أسعار اللحوم، و٢٥٪ لخفض سعر القمح، لكن الطبقة الفقيرة، والتي تمثل ٤٠٪ من السكان، وهي الأكثر حاجة بالطبع تستهلك ٣٪ فقط من اللحوم، و ١٨٪ من القمح، فالمعونة إذن تتجه لإعانة الطبقة المتوسطة والغنية. ولذلك تتزايد صيحات الاقتصاديين بفشل سياسة الحكومة، ونتيجة لذلك، تتزايد معدلات الجرائم المتصلة بشكل مباشر بالوضع المعيشي، وأولها النهب والسلب.

استجابة حبيبي وصندوق النقد:

وقد وقعت إندونيسيا وصندوق النقد الدولي مؤخراً، اتفاقية تهدف إلى تخفيض أسعار المواد الغذائية، وستركز الاتفاقية على توفير الأرز «الغذاء الأساسي الذي يماثل الخبز عند شعوب أخرى»، بأسعار مدعومة لـ٧,٥ ملايين إندونيسي، بدلًا من مليونين. لكنه مع ذلك، يبدو جهداً غير كاف، فضلًا عن أنه قد يؤثر سلبًا على الإنتاج المحلي.

ولأول مرة، منذ مجيء حبيبي، سمحت الحكومة للتجار باستيراد الأرز، بعد أن كانت وكالة بولوغ المحتكر الوحيد له، ومن المتوقع بعد هذه الاتفاقية، أن تتوافر في الأسواق كميات جديدة من الأغذية المعفية من الضرائب، وحسب الاتفاقية الجديدة، فإنه من المقرر مراجعة الأداء الاقتصادي الكلي من قِبّل الحكومة والصندوق، الذي وقع مع إندونيسيا اتفاقية لإنقاذ اقتصادها، تمنح إندونيسيا قرضًا مجموعه ٤٧ مليار دولار، ورغم أن الاتفاقية الأخيرة، تتعارض مع الوصفة التي اشترط الصندوق اتباعها في البداية، لكن الأزمة الغذائية، أجبرت الطرفين على تعديل البرنامج، وتزامنت هذه الاتفاقية مع موافقة الصندوق على متابعة إنفاق المبلغ الذي يقدمه الصندوق لإندونيسيا على دفعات، وستكون الدفعة القادمة خلال الأسبوع الأخير من هذا الشهر أو في الشهر القادم، إذا استمرت الإصلاحات في طريقها.

وكانت إندونيسيا، قد لجأت لصندوق النقد في أكتوبر الماضي، حيث أشرف الصندوق على جمع مبلغ قدره ٤١ مليار دولار من دول مانحة عديدة على رأسها اليابان، ثم زاد الوضع سوءًا، وسقط سوهارتو، فجمد باقي القرض الذي كانت إندونيسيا تسلّمت منه ستة مليارات، ثم عاد الصندوق للاتفاقية مع زيادة القرض من ٤١ إلى ٤٧ ملياراً بعد أن تراجعت أسعار الروبية، وارتفع معدل التضخم، وزاد عدد الشركات المنهارة، وفي مقابل استلام القرض وافق الرئيس حبيبي على الاستمرار في إعادة بناء البنوك ومواجهة الاحتكار وخصخصة الشركات والبنوك الحكومية، ولقد امتدح ميشيل سمامريسو رئيس الصندوق مؤخراً ما قامت به الحكومة التي أعلنت عزمها القضاء على الاحتكار السائد في شبكات توزيع المواد الغذائية.

ومع هذا فالوضع الاقتصادي في إندونيسيا مازال الأسوأ في آسيا كلها، وتتوقع الحكومة تراجع الأداء الاقتصادي وانكماشه، في السنة المالية الحالية بنسبة ١٩٪، وتبدو قروض صندوق النقد عاجزة عن حل جذور الأزمة، بل يبدو الوضع الأسوأ في تاريخ إندونيسيا خلال عقدين أو ثلاثة في تاريخها، ومجرد ذكر عدد العاطلين، يؤكد ذلك، فقد وصل عددهم إلى ٢٥ مليون عاطل عن العمل، حسب أحد التقديرات، والروبية مازالت متدهورة في سعرها، مما جعل استيراد السلع مكلفاً للغاية، ومما زاد الوضع سوءًا تراجع أسعار النفط، وبالتالي إيرادات هذا القطاع المهم، كما أن القطاع البنكي، أصيب بأمراض مزمنة، ويشرف البنك المركزي «بنك إندونيسيا» على ربع البنوك التجارية، بسبب ما أصابها من جراء الأزمة.

ومع أن حبيبي، فعل كثيراً خلال الأربعة أشهر الأولى من حكمه، إذا ما قارناه بفترة حكم سوهارتو، فإنه مازال بحاجة إلى جهد أكبر، ويبدو أن أفضل أداء لحبيبي، كان في مجال السلوك الشخصي، الذي أكد من خلاله أنه يختلف عن سوهارتو، ويلي ذلك في مستوى الأداء وإدارته لعلاقات بلده الدولية، مع أن علاقته بالصين تأثرت قليلاً، بفعل أحداث الشغب التي آذت الصينيين الإندونيسيين.

أما من الناحية السياسية، فمازال حبيبي مسيطراً على الحزب الحاكم، لكنه لم يصل لدرجة السيطرة الكاملة، وهذا ما يعوقه عن أداء المهمة الأخرى الصعبة، وهي التحقيق الكامل في ثروة سوهارتو، ومحاربة الفساد الإداري في مؤسسات الدولة، وتكمن نقطة الضعف الرئيسة في حكمه، في الأداء الاقتصادي، الذي يتطلب مدة طويلة، إذ لا يمكن حل أزمة مالية معقدة كهذه في عام أو عامين، ويقول أحد أعوانه إن ما قام به حبيبي في ١٠٠ يوم أفضل مما قام به سوهارتو في ١٠ آلاف يوم، لكن ناقديه يقولون إنه لم يعلن خطة إصلاحية متكاملة حتى الآن.

ثروات الأغنياء:

يتظاهر الناس ضد الفساد والمحسوبية والفقر، لكن الذي يبدو بعيدًا عن الصورة، هو سوهارتو وعائلته وأمثاله من الأغنياء، الذين كانوا ومازال كثير منهم يحتكر الصناعات والتجارات، ولن يتحقق هدف الإصلاحيين، كما يقول الاقتصادي الإندونيسي المعروف فيصل بصري، إلا بوصول إدارة جديدة، ووجوه نظيفة إلى مؤسسات الدولة، وكما يقول: «إنه لا يمكن أن ينصلح اقتصاد هذا البلد على يد النظام نفسه، الذي حطمه».

في الآونة الأخيرة، بدأت تتعالى الصيحات المطالبة بالتحقيق بثروة سوهارتو، مع أن الطريف أن سوهارتو، وحتى ابنه أنكرا أن تكون العائلة قد ادخرت «سنتًا» واحدًا خارج البلد في البنوك الأجنبية، هذه المطالب قوبلت بمجرد تقليم بعض أظافر سوهارتو المتبقية في مجلس الشعب الاستشاري والجيش والوزارات، لكن مازال بعض مواليه موجودًا، مما يعوق القيام بتحقيق كامل في ثروته.

إحدى البشريات الأخيرة احتمال معاقبة الرئيس سوهارتو من قبل مجلس الشعب الاستشاري، خلال جلسته الاستثنائية القادمة في نوفمبر، فإن كان هذا لا يكفي لبعث التفاؤل، لأن كثيراً من الوزراء والمسؤولين يعوقون المحاكمة وهم يعتقدون أن محاكمة سوهارتو، ستجرهم إلى القضاء.

ويحقق المدعي العام، مع أحد الأثرياء من أصدقاء سوهارتو المعروف باسم بوب حسن، والذي يتهمه البعض بأنه السبب الأول وراء الحرائق التي اجتاحت غابات إندونيسيا العام الماضي، وبداية هذا العام، ويواجه بوب حسن الاتهام بأنه استخدم ميزانية الدولة المخصصة للطوارئ، لإنقاذ بنوكه هو وثري آخر يدعى سودويكانموتو، وكانت الحكومة قد منحتهما قروضا، فلم يسدداها، ومع تكرار هذه الحال في عشرات البنوك ومئات الشركات، فإن هذا يشكل عائقاً أمام سير عجلة الإصلاح، بعض المحققين أعلنوا أنهم سيبدؤون التركيز على سوهارتو وأبنائه، وبخاصة ابناه الأصغر والأوسط، المتهمان بتجاوز الحد الأعلى للقروض التي يمكن للشركات الحصول عليها، ومن أجل التهرب من المحاكمة، تستخدم عائلة سوهارتو الضغوط الخفية، من خلال بعض الموالين لهم داخل مؤسسات الدولة والجيش، لمواجهة الضغوط الشعبية المتزايدة، أما بوب حسن وسودويكانموتو، فقد وعدا بإرجاع ٧ تريليون روبية، في موعد أقصاه ١٩٩٨/٩/٢١م، بعد أن اعترف بوب حسن، بأنه أخذ هذه الأموال لإعانة «بنك عموم إندونيسيا»، الذي بديره وشركة الورق التي يملكها. لكنه وصف استخدامه لهذه المبالغ بأنه «بناء»، لأنه كان يربح ١٠ ملايين دولار شهرياً، أما سودويكانموتو، فقد ألقى باللوم في استخدام وإدارة القروض التي منحت لبنكه «بنك سوريا» على أحد مدراءه، الذي قال إنه مختفي هو والأموال منذ أكتوبر الماضي!

وتواجه الكتل التجارية، من أمثال شركة بوب حسن، ظروفًا صعبة، وستضطر إلى بيع كثير من الشركات التابعة لها والتركيز على أهم قطاع تجاري أو صناعي لديها يمكنها من خلاله، إعادة بناء الشركة وسداد الديون.

مجموعة شركات سليم، أكبر الشركات في إندونيسيا لم تكن بمعزل عن الأزمة، فبعض شركاته أعلنت أنها ستبيع أسهم بعض مصانعها المنتجة للإسمنت والمعكرونة «أكبر منتج لأحد أنواعها في العالم»، أما مؤسس هذه الكتلة الصيني لييم سيوي ليونغ، فقد اختفى منذ سقوط صديقه سوهارتو، ومن المتوقع ألا يرجع، وأن يؤسس أعمالاً تجارية في بلدان أخرى، خوفًا من مواجهة الموت أو المحاكمة، ولم تضرب الأزمة الصيني الإندونيسي فقط، بل أيضًا أثرياء مسلمين، أحدهم أبو رزال بكري، رئيس الغرفة التجارية الإندونيسية، الذي أخطر لبيع أسهم شركاته لتسديد ديونه البالغة ١,٢ مليار دولار، وفي المقابل، هناك شركات أخرى لم تتأثر كثيرًا أو تتأثر أبدًا، من الأزمة مثل شركة جودانج جارام، ثاني أكبر الكتل التجارية في إندونيسيا، مصنعة السجائر الأولى! ومادام الفلاحون يزرعون والمدخنون يدخنون، فالشركة لن تشعر بالقلق!! كما لم تتأثر شركات أخرى، كانت قد سددت ديونها قبل الأزمة، مثل بنك ليبو الذي تمتلكه عائلة ريادي.

أما أسوأ الكتل التجارية حالًا، فهي تلك التي يمتلكها أبناء سوهارتو، وأحفاده، حيث بدأت مراجعة العقود التجارية الممنوحة لهم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيتكرر مثال الرئيس الفلبيني السابق ماركوس، الذي استمرت التحقيقات في ثروته لمدة ١٠ سنوات؟

ابن سوهارتو الأصغر هوتومو ماندالا، حصل على امتياز رئاسي خاص، يمنحه الحق باستيراد سيارات «كحيا» الكورية، من دون ضرائب وتحت اسم «تيمور»، لإيهام الإندونيسيين أنها السيارة الإندونيسية الأولى، مع أنها من صنع كوري، وليس لإندونيسيا منها إلا الاسم، لكن المشروع تحطم في بداية هذا العام، بطلب من صندوق النقد الدولي، وإن بقيت له أعمال أخرى في البلاستيك والنقل البحري، والتجارة والبنوك، كما أعلنت شركة البترول الوطنية برتامينا، بأنها بصدد مراجعة ١٢٠ صفقة عقدتها في عهد سوهارتو مع شركتي هومبوس وبيمانتارا، اللتين يتحكم في إدارتهما بامبانج تريها تمودجو ابن سوهارتو.

ويبدو أن بامبانج الأكثر احترافاً بين أبناء سوهارتو، وأحد أشهر ما يمتلكه القناة التلفازية أر - سي - تي - أي، أما هوتومو، الذي يملك ثروة تقدر بـ ٦٠٠ مليون دولار، فهو الأقل حظًا بين أبناء سوهارتو، وعلى رأس قائمة البنات سيتي هاريانتي روكمانة التي تمتلك مجموعة شركات تشيترا لاموتورد جونج ذات الملياري دولار. وإحدى شركاتها الفرعية، تسيطر على ضرائب الخطوط السريعة في إندونيسيا، وتمتلك ابنته الوسطى تيتيك بارابوو ٢٠٠ مليون دولار، وأما الأقل ثروة على الإطلاق بين أبنائه الستة، فهي ابنته الصغرى سيتي هوتامي التي تمتلك ١٠٠ مليون دولار فقط.. ورغم ذلك، فإن سوهارتو ينفي أن يكون لديه «سنت» واحد.

الرابط المختصر :