العنوان الوصية الكاذبة المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف
الكاتب الشيخ عبد العزيز بن باز
تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1982
مشاهدات 64
نشر في العدد 597
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 30-نوفمبر-1982
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد: فقد اطلعت على كلمة منسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف بعنوان: «هذه وصية من المدينة المنورة عن الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف» قال فيها:
«كنت ساهرًا ليلة الجمعة أتلو القرآن الكريم، وبعد التلاوة قرأت أسماء الله الحسنى، فلما فرغت من ذلك تهيأت للنوم، فرأيت صاحب الطلعة البهية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أتى بالآيات القرآنية والأحكام الشريفة رحمة بالعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: یا شیخ أحمد. قلت: لبيك يا رسول الله يا أكرم خلق الله.
فقال لي: أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة ولم أقدر أن أقابل ربي ولا الملائكة، لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفًا على غير دين الإسلام. ثم ذكر بعض ما وقع فيه الناس من المعاصي، ثم قال: فهذه الوصية رحمة بهم من العزيز الجبار. ثم ذكر بعض أشراط الساعة إلى أن قال: أخبرهم يا شيخ أحمد بهذه الوصية، لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ، ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد ومن محل إلى محل بني له قصر، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيرًا أغناه الله، أو كان مديونًا قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله اسودَّ وجهه في الدنيا والآخرة. وقال: والله العظيم ثلاثًا هذه حقيقة، وإن كنت كاذبًا أخرج من الدنيا على غير الإسلام، ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار ومن يكذب بها كفر».
هذه خلاصة ما في هذه الوصية المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سمعنا هذه الوصية المكذوبة مرات كثيرة منذ سنوات متعددة تنشر بين الناس فيما بين وقت وآخر، وتروج بين الكثير من العامة وفي ألفاظها اختلاف، ومن تأملها من ذوي العلم والإيمان أو ذوي الفطرة السليمة والعقل الصحيح عرف أنها كذب وافتراء من وجوه كثيرة.
ولقد سألت بعض أقارب الشيخ أحمد المنسوبة إليه هذه الفِرية عن هذه الوصية، فأجابني بأنها مكذوبة على الشيخ أحمد وأنه لم يقلها أصلًا، والشيخ أحمد المذكور قد مات من مدة، ولو فرضنا أن الشيخ أحمد المذكور أو من هو أكبر منه زعم أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في النوم أو اليقظة وأوصاه بهذه الوصية، لعلمنا يقينًا أنه كاذب أو أن الذي قال له ذلك شيطان ليس هو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لوجوه كثيرة منها:
إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يُرى في اليقظة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ومن زعم من جهلة الصوفية أنه يرى النبي -صلى الله عليه وسلم في اليقظة-، أو أنه يحضر المولد أو ما شابه ذلك، فقط غلط أقبح الغلط ولبس عليه غاية التلبيس، ووقع في خطأ عظيم وخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، لأن الموتى إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا، ومن قال خلاف ذلك فهو كاذب كذبًا بينًا، أو غالط ملبس عليه لم يعرف الحق الذي عرفه السلف الصالح ودرج عليه أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأتباعهم بإحسان.
الوجه الثاني: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يقول خلاف الحق لا في حياته ولا في وفاته.
وهذه الوصية تخالف شريعته مخالفة ظاهرة من وجوه كثيرة كما يأتي، وهو صلى الله عليه وسلم قد يُرى في النوم ومن رآه في المنام على صورته الشريفة فقد رآه، لأن الشيطان لا يتمثل صورته، كما جاء بذلك الحديث الصحيح الشريف.
ولكن الشأن كل الشأن في إيمان الرائي وصدقه وعدالته وضبطه وديانته وأمانته، وهل رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في صورته أو في غيرها.
ولو جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديث قاله في حياته من غير طريق الثقات العدول الضابطين لم يعتمد عليه ولم يُحتج به، أو جاء من طريق الثقات الضابطين ولكنه يخالف رواية من هو أحفظ منهم وأوثق مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين، لكان أحدهما منسوخًا لا يُعمل به، والثاني ناسخ يعمل به حيث أمكن ذلك بشروطه، وإذا لم يمكن ذلك ولم يمكن الجمع وجب أن تطرح رواية من هو أقل حفظًا وأدنى عدالة والحكم عليها بأنها شاذة لا يعمل بها.
فكيف بوصية لا يعرف صاحبها الذي نقلها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يلتفت إليها، وإن لم يكن فيها شيء يخالف الشرع فكيف إذا كانت الوصية مشتملة على أمور كثيرة تدل على بطلانها وأنها مكذوبة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومتضمنه لتشريع دين لم يأذن به الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار». وقد قال مفتري هذه الوصية على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لم يقل، وكذب عليه كذبًا صريحًا خطيرًا، فما أحراه بهذا الوعيد العظيم وما أحقه به إن لم يبادر بالتوبة، وينشر للناس أنه قد كذب هذه الوصية على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأن من نشر باطلًا بين الناس ونسبه إلى الدين لم تصح توبته منه إلا بإعلانها وإظهارها حتى يعلم الناس رجوعه عن كذبه وتكذيبه لنفسه، لقول الله عز وجل: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 159-160).
فأوضح سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أن من كتم شيئًا من الحق لم تصح توبته من ذلك إلا بعد الإصلاح والتبيين.
والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة ببعث رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وما أوحى الله إليه من الشرع الكامل ولم يقبضه إليه إلا بعد الإكمال والتبيين، كما قال عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (البقرة: 3).
ومفتري هذه الوصية قد جاء في القرن الرابع عشر يريد أن يلبس على الناس دينًا جديدًا يترتب عليه دخول النار لمن لم يأخذ بتشريعه، ويريد أن يجعل هذه الوصية التي افتراها أعظم من القرآن وأفضل، حيث افترى فيها أن من كتبها وأرسلها من بلد إلى بلد أو من محل إلى محل بني له قصر في الجنة ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة.
وهذا من أقبح الكذب ومن أوضح الدلائل على كذب هذه الوصية وقلة حياء مفتريها وعظم جرأته على الكذب، لأن من كتب القرآن الكريم وأرسله من بلد إلى بلد أو من محل إلى محل لم يحصل له هذا الفضل إذا لم يعمل بالقرآن الكريم، فكيف يحصل لكاتب هذه الفرية وناقلها من بلد إلى بلد. ومن لم يكتب القرآن ولم يرسله من بلد إلى بلد لم يحرم شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان مؤمنًا به تابعًا لشريعته، وهذه الفردية الواحدة في هذه الوصية تكفي وحدها للدلالة على بطلانها وكذب ناشرها ووقاحته وغباوته وبعده عن معرفة ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الهدى.
وفي هذه الوصية سوى ما ذُكر أمور كلها تدل على بطلانها وكذبها ولو أقسم مفتريها ألف قسم أو أكثر على صحتها، ولو دعا على نفسه بأعظم العذاب وأشد النكال على إنه صادق لم يكن صادقًا ولم تكن صحيحة، بل هي والله ثم والله من أعظم الكذب وأقبح الباطل، ونحن نشهد الله سبحانه ومن حضرنا من الملائكة ومن اطلع على هذه الكتابة من المسلمين شهادة نلقى بها ربنا عز وجل، أن هذه الوصية كذب وافتراء على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخزى الله من كذبها وعامله بما يستحق.
ويدل على كذبها وبطلانها سوى ما تقدم، أمور كثيرة:
الأول منها: قوله فيها: «لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفًا على غير دين الإسلام» لأن هذا من علم الغيب، والرسول -صلى الله عليه وسلم- قد انقطع عنه الوحي بعد وفاته، وهو في حياته لا يعلم الغيب فكيف بعد وفاته! لقول الله سبحانه: ﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (الأنعام: 50)، وقوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: 65)، وفي الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يذاد رجال عن حوضي يوم القيامة فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد».
الثاني: من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية وأنها كذب، قوله فيها: «من كتبها وكان فقيرًا أغناه الله، أو مديونًا قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية... إلخ» وهذا من أعظم الكذب وأوضح الدلائل على كذب مفتريها وقلة حيائه من الله ومن عباده، لأن هذه الأمور الثلاثة لا تحصل بمجرد كتب القرآن الكريم، فكيف تحصل لمن كتب هذه الوصية الباطلة! وإنما يريد هذا الخبيث التلبيس على الناس، وتعليقهم بهذه الوصية حتى يكتبوها ويتعلقوا بهذا الفضل المزعوم ويدَّعوا الأسباب التي شرعها الله لعباده وجعلها موصولة إلى الغنى وقضاء الدين ومغفرة الذنوب، فنعوذ بالله من أسباب الخذلان وطاعة الهوى والشيطان.
الأمر الثالث: من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية قوله فيها: «ومن لم يكتبها من عباد الله اسودَّ وجهه في الدنيا والآخرة» وهذا أيضًا من أقبح الكذب ومن أبين الأدلة على بطلان هذه الوصية وكذب مفتريها؛ كيف يجوز في عقل عاقل أن من لم يكتب هذه الوصية التي جاء بها رجل مجهول في القرن الرابع عشر يفتريها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزعم أن من لم يكتبها يسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن كتبها كان غنيًّا بعد الفقر وسليمًا من الدين بعد تراكمه عليه ومغفورًا له ما جناه من الذنوب! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وإن الأدلة والواقع يشهدان بكذب هذا المفتري وعظم جرأته على الله وقلة حيائه من الله ومن الناس، فهؤلاء أمم كثيرة لم يكتبوها فلم تسود وجوههم، وهاهنا جمع غفير لا يحصيهم إلا الله قد كتبوها مرات كثيرة فلم يقض دينهم ولم يزل فقرهم، فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب. وهذه صفات وجزاءات لم يأت بها الشرع الشريف لمن كتب أفضل كتاب وأعظمه وهو القرآن الكريم، فكيف تحصل لمن كتب وصية مكذوبة مشتملة على أنواع من الباطل وجمل كثيرة من أنواع الكفر، سبحان الله ما أحلمه على من اجترأ عليه بالكذب.
الأمر الرابع: من الأمور الدالة على أن هذه الوصية من أبطل الباطل وأوضح الكذب، قوله فيها: «ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار ومن كذب بها كفر» وهذا أيضًا من أعظم الجرأة على الكذب ومن أقبح الباطل، يدعو هذا المفتري جميع الناس إلى أن يصدقوا بفريته، ويزعم أنهم بذلك ينجون من عذاب النار وإن من كذب بها يكفر! لقد أعظم والله هذا الكذاب على الله الفرية، وقال والله غير الحق أن من صدق بها هو الذي يستحق أن يكون كافرًا لامن كذب بها، لأنها فرية وباطل وكذب لا أساس له من الصحة، ونحن نشهد الله على إنها كذب وأن مفتريها كذاب يريد أن يشرع للناس ما لم يأذن به الله ويدخل في دينهم ما ليس منه، والله قد أكمل الدين وأتمه لهذه الأمة من قبل هذه الفرية بأربعة عشر قرنًا.
فانتبهوا أيها القراء والإخوان وإياكم والتصديق بأمثال هذه المفتريات وأن يكون لها رواج فيما بينكم، فإن الحق عليه نور لا يلتبس على طالبه فاطلبوا الحق بدليله واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم، ولا تغتروا بحلف الكذابين؛ فقد حلف إبليس اللعين لأبويكم آدم وحواء على إنه لهما من الناصحين وهو أعظم الخائنين وأكذب الكاذبين، كما حكى الله عنه ذلك في سورة الأعراف، حيث قال سبحانه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف: 21) فاحذروه واحذروا أتْباعه من المفترين، فكم له ولهم من الأيْمان الكاذبة والعهود الغادرة والأقوال المزخرفة للإغواء والتضليل.
عصمني الله وإياكم وسائر المسلمين من شر الشياطين وفتن المضلين وزيع الزائغين وتلبيس أعداء الله المبطلين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويلبسوا على الناس دينهم والله متم نوره وناصر دينه ولو كره أعداء الله من الشياطين وأتْباعهم من الكفار والملحدين.
وأما ما ذكره هذا المفتري من ظهور المنكرات، فهو أمر واقع والقرآن الكريم والسنة المطهرة قد حذرا منها غاية التحذير، وفيهما الهداية والكفاية. ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين وأن يمن عليهم باتباع الحق والاستقامة عليه والتوبة إلى الله سبحانه من سائر الذنوب، فإنه التواب الرحيم القادر على كل شيء.
وأما ما ذُكر عن شروط الساعة، فقد أوضحت الأحاديث النبوية ما يكون من أشراط الساعة وأشار القرآن الكريم إلى بعض ذلك، فمن أراد أن يعلم ذلك وجده في محله من كتب السنة ومؤلفات أهل العلم والإيمان، وليس بالناس حاجة إلى بيان مثل هذا المفتري وتلبيسه ومزجه الحق بالباطل. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الصادق الأمين وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل