العنوان الوعي الحضاري.. ومقاوماته المجتمعية « 1 من 2»
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006
مشاهدات 114
نشر في العدد 1721
نشر في الصفحة 66
السبت 30-سبتمبر-2006
أقصد من هذا العنوان الوسائل المعينة على تعميق الوعي المجتمعي لدى الأفراد والمؤسسات لتنهض المجتمعات بأوطانها نحو مدارج الرقي والتقدم الحضاري. ومن أهم المقومات التي تعين على تعميق الوعي المجتمعي ما سأذكره على سبيل الاختيار:
1. ترسيخ الهدف الأعظم للإنسان وتبيين حقيقة الوجود في الحياة بشكل قوي وواضح في قلوب الناس وعقولهم لتسري آثاره في واقعهم وحياتهم. والهدف الحقيقي من الوجود هو عبادة الله عز وجل كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿ وَالَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك: 2)، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). فجعل الله كل أنشطة الحياة وسيلة لكسب رضوان الله عز وجل، والنجاح في هذا الابتلاء العظيم هو الذي يرسخ جذور التمدن في عقول الناس وقلوبهم وسلوكهم، ويدفعهم إلى العطاء المتواصل ويزيد من شعورهم نحو الوصول إلى درجة الشهود الحضاري على الأمم والمجتمعات، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: 143).
والإنسان في كثير من بقاع الأرض يعيش في معاناة واضطراب، فالمعدات الحضارية باتت كاملة، لكن أهداف هذه الحركة المحمومة مشوشة وغامضة ولا تلامس ما جبل عليه الإنسان بفطرته الصحيحة. والمتأمل في حال المجتمع العربي قبل بعثة النبي يرى بوضوح عظم التخلف والانحطاط في المجالات المادية وغياب الأهداف الحضارية من أدبياتهم، ولذلك انعدم ذكرهم في مسيرة التاريخ البشري إلا بعد بعثته، فكانت إيذاناً بانبعاث حضاري شامل ومولد أمة من أرقى الأمم وأقواها حضوراً في العالم كله. فالناس هم الناس والديار هي الديار. ولكن السبب العظيم في هذا التحول العجيب هو ذلك الوحي الإلهي الذي أنزله الله على رسوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الشورى: 52). لقد كان ذلك الوحي - كما جاء في الآية - الروح التي بعثت ذلك الجسد الخاوي للحركة والحياة والنور الذي أضاء الظلمات وبدد حيرة الجاهلية.
ويصور لنا أبو سعيد الخدري ما ذلك التغير العجيب في القوم ما أذهل الذئب وأثار عجبه، يقول: ما عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه. فقال: ألا تتقي الله؟ تنزع مني رزقًا ساقه الله إلي؟ فقال الراعي: يا عجبي! ذئب يكلمني كلام الإنس. فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق...«1»
ولهذا يقول ابن خلدون في مقدمته: فصل في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة «2».
فالوعي الحضاري والتقدم المدني لا يمكن أن يحققا نتائجهما ويؤتيا ثمارهما إذا كانا منعزلين عن السمو الروحي والإيمان القلبي، فهما الفاعل الحقيقي للمدنية الراقية والمحرك الأساسي للأفراد نحو العمل والإنتاج والإنجاز والإتقان المبدع، وهو المنظم لعلاقات الأفراد والموضح لأدوارهم وواجباتهم بمنتهى العدل والإنصاف. يقول مالك بن نبي: الحضارة لا تنبعث - كما هو ملاحظ - إلا بالعقيدة الدينية، وينبغي أن نبحث في حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها، ولعله ليس من الغلو في شيء أن يجد التاريخ في البوذية بذور الحضارة البوذية وفي البرهمية نواة الحضارة البرهمية. فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء، يكون للناس شرعة ومنهاجاً، أو هي - على الأقل - تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي بالمعنى العام، فكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية أو بعيداً عن حقبته، إذ حينما يكتشف حقيقة حياته الكاملة، يكتشف معها أسمى معاني الأشياء التي تهيمن عليها عبقريته وتتفاعل معها «3».
الهوامش
1. مجمع الزوائد للهيثمي 291/8
2. مقدمة ابن خلدون 160/1
3. شروط النهضة لمالك بن نبي ص 56