; الوفاق والشقاق في الحياة السياسية السودانية | مجلة المجتمع

العنوان الوفاق والشقاق في الحياة السياسية السودانية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1999

مشاهدات 61

نشر في العدد 1355

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 22-يونيو-1999

تاريخ الحياة السياسية في السودان قبل الاستقلال وبعده وإلى يومنا هذا، يتميز بتقلبات وتعرجات تدفع الحياة ذات اليمين تارة، وذات الشمال تارة أخرى، مما يدهش المهمومين بالشأن السوداني. 

قبل الاستقلال، بل ومنذ القرن الماضي، والسوداني منقسم إلى طائفتين متناحرتين هما: طائفة الختمية التي يقودها بيت المراغنة، الذين جاءوا إلى السودان عن طريق الجزيرة العربية وأصولهم من بلاد فارس، كما يعتقد بعض المؤرخين، واسم الميرغني يدل على ذلك والطائفة الأخرى هي طائفة الأنصار يقودها بيت المهدي الأولى كانت صوفية والأخرى كانت ثورية. 

التاريخ يحدثنا أن السيد على الميرغني ووالده خرجا من السودان إلى مصر مع انتصارات الثورة المهدية تلك الثورة التي حاربها الميرغني بالتعاون مع الحكم التركي، وقد رجع السيد الميرغني إلى السودان مع الجيش الإنجليزي– المصري، بعد هزيمة المهدية. 

كان العداء مستحكمًا بين الطائفتين، وسعى الإنجليز إلى إحياء طائفة الأنصار، بعد أن ضربوها لإضعاف نفوذ طائفة الختمية على طريقة الإنجليز المعهودة «فرق تسد»، وفعلًا أطالت هذه الفرقة عمر فترة ما قبل الاستقلال عشرات السنين، مما أضر بالبلاد ضررًا بليغًا، وأضر أيضًا بمسيرة الإسلام في السودان عامة، وفي جنوب البلاد خاصة، إذ استغل البريطانيون انشغال الشمال بالخلافات الطائفية، فانفردوا بالجنوب وجعلوه وقفًا لأهل الصليب قبيل الاستقلال بأشهر التقى السيدان على الميرغني وعبد الرحمن المهدي زعيمًا الطائفتين، وتصالحا، وتزامن هذا اللقاء مع انشقاق خطير قادة السيد إسماعيل الأزهري في صفوف طائفة الختمية، تؤازره الطبقة الحديثة المتعلمة، التي ترى في الطائفية استغلالا للدين لصالح البيتين، فالتقت الطائفتان، وأبعد السيد الأزهري عن الحكم. 

وكون السيدان الميرغني والمهدي حكومتهما الائتلافية برئاسة السيد عبد الله خليل، تلك الحكومة التي عرفت بحكومة السيدين، فكان السيد خليل يحكم بالوكالة لا بالأصالة. 

ولكن وكعادة الحياة السياسية السودانية سرعان ما دب الخلاف في أوصال الحكومة الطائفية، ورصد المراقبون تحركات الصلح بين السيد الأزهري، وطائفة الختمية بضغط مصري، فتوجست طائفة الأنصار خيفة من الاتفاق القادم، فسلم السيد عبدالله خليل السلطة للعسكر بقيادة الفريق إبراهيم عبود –الذي حكم السودان ست سنوات– شهد السودان خلال حكمه تحالفات شتی وانتهى بثورة شعبية جاءت بحكومات ائتلافية تحالف فيها الأزهري مع حزب الأمة الواجهة السياسية لطائفة الأنصار، ثم انشق بيت المهدي على نفسه وقاد السيد الصادق المهدي الانشقاق ضد عمه إمام الأنصار الهادي المهدي فصار الحزب جناحين وتصالح الختمية مع السيد الأزهري واندمج الحزب الوطني الاتحادي والشعب الديمقراطي، وكونًا ما يعرف اليوم بالحزب الاتحادي الديمقراطي، ثم ائتلف الحزب الجديد مع حزب الأمة –جناح الإمام الهادي– وكونا حكومة برئاسة السيد محمد أحمد محجوب، أطاح بها انقلاب جعفر نميري في مايو ١٩٦٩م. 

شهد عهد نميري تقلبات حيرت الألباب، عهده بدأ يساريًا، بل شيوعيًا تناصره قبائل اليسار العربي والعالمي، ثم انفرط العقد بعد محاولة الشيوعيين الانفراد بالسلطة، فقال لهم نميري «هذا فراق بيني وبينكم»، وضربت الشيوعية، ونحرت، وتقلب نميري، وتعرج ذات اليمين، وذات الشمال، وتحالف مع جميع ألوان الطيف السياسي إلى أن اقتلعت الانتفاضة الشعبية شجرة حكمه من الجذور، فأصبح لاجئًا سياسيًا في مصر. 

وجاءت الديمقراطية الثالثة بنفس ملامح وشبه الديمقراطية الأولى، والثانية وشهد العهد الديمقراطي تحالفات وحكومات ائتلافية وحكومات وفاق وطني وحكومات وحدة وطنية، ضمت كل الأحزاب والهيئات الحاضرة في الساحة السياسية يومذاك، وهي ما عرف يومها بحكومة مذكرة الجيش أو حكومة القصر، لأنها جاءت إثر مذكرة تقدمت بها القوات المسلحة لرئيس الوزراء الصادق المهدي، وكان من أبرز مطالب تلك المذكرة إبعاد الإسلاميين من الحكم تمهيدًا لإلغاء الشريعة الإسلامية، وعقد المؤتمر الدستوري والائتلاف مع جون جارانج. 

ولكن بعد أربعة أشهر فقط، جاءت ثورة الإنقاذ الوطني، فانتهى ما عرف بالديمقراطية الثالثة والتي كانت أسوأ عهود الديمقراطية وأكثرها فوضى وعندما اتضحت وجهة الثورة الجديدة وعرف الناس توجهها الإسلامي، عادتها الأحزاب التي لا تريد الإسلام منهجًا للحياة، كما عادتها الأحزاب التي تريد الإسلام تراثًا وشعائر تعبدية فقط ولا تريده إسلاما صحيحًا مريحًا يتحكم في جميع مناحي الحياة. 

حوربت حكومة الإنقاذ كما لم تُحارب حكومة من قبل لا حكومات الاستعمار التي تحالفت معها طائفة الختمية في بداية عهد الاستعمار، ثم طائفة الأنصار في نهاية عهده، ولا حكومة الفريق عبود التي تحالف معها حتى الشيوعيون في آخر عهده بأمر من الكرملين، ولا حكومة نميري المتقلبة التي تحالف معها كل الناس ثم تبرأ منها كل الناس.

لأوَّل مرة يتحالف الأضداد وتلتقي الأشتات ويتكون التجمع الذي يجمع جون جارانج والميرغني والمهدي والشيوعيين والبعثيين والناصريين، ويحملون السلاح يهاجمون السودان من أطرافه في الجنوب والشرق والغرب ويهاجمونه من وسطه وكل ذلك بعدد من القوى المعادية للإسلام في العالم وانطلاقا من بعض دول الجوار، كل ذلك لإسقاط النظام. 

جربت كل الخطط حتى وصل الحد أن تضرب أمريكا مصنع أدوية بالصواريخ والطائرات، ولكن نظام الإنقاذ لم تبد عليه ملامح الانهيار، وجاء الدستور ومنهج التوالي السياسي الذي أحدث انفراجًا ملحوظًا في الحياة السياسية، وشعر الناس بمساحات واسعة من الحرية السياسية، وتكونت الأحزاب وتوالت وتسارعت الأحداث، وتغيرت مواقف دول وهيئات من حكومة الإنقاذ وكان لا بُدَّ من أن يبرز واقع جديد يتسق مع التطورات المتلاحقة. 

الواقع الجديد أدى إلى تفكك تجمع المعارضة المتمركز في القاهرة وأسمرا، القاهرة بعد تخوفها من انفصال الجنوب وتأثير الانفصال على أمنها القومي وشريان حياتها مياه النيل مدت الجسور مع نظام الإنقاذ، أما إريتريا التي عادت السودان صراحة قبلًا، فقد راجعت نفسها ووقعت اتفاقية الدوحة وما عادت متحمسة للمعارضة المسلحة التي تنطلق من أراضيها ضد السودان في الشرق وألجمت تحركاتها بقيد. 

وكان لا بُدَّ من أن يتفكك التجمع لأنه تركيبة صناعية غير طبيعية، تركيبة مثل هذه لها عمر افتراضي تفتقر إلى المناعة التي تحميها من تقلبات المزاج السياسي فتصيبها بالشلل التام، أو الشلل النصفي، أو الموت الزؤام، وقد كان بعد أن دعا حزب الصادق المهدي إلى حل التجمع وتحويل عمله بالداخل. 

لقاء الترابي والصادق في جنيف أكد المرض المزمن الذي يعاني منه تجمع المعارضة، لأن لكل فصيل فيه أجندة خاصة به، يريد تحقيقها، ولكن المرحلة الحالية لها احتياجاتها، والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية وعلامات الانفراج في العلاقات الخارجية وتصدير البترول، وإشادة صندوق النقد الدَّوْلِيِّ، كل هذه تصب في صالح حكومة الإنقاذ وتضغط في اتجاه الوفاق والمصالحة الوطنية، فهل يكون حظ الوفاق القادم كحظ الوفاقات والمصالحات السابقة في العهود الغابرة، أم يهدي الله الجميع إلى كلمة سواء؟ هل سفينة الوفاق تدفعها ريح طيبة، أم تقاذفها الأنواء في بحر لجي أم أنها تجري على اليبس؟

 مقترحات السيد الصادق المهدي لتحقيق الوفاق والتي قدمها في اجتماع حزبه بالقاهرة ليس فيها جديد يدعو إلى التفاؤل والبشارة، فهو يقترح «أن يكون الحل السياسي الذي يقبله الشعب السوداني هو الذي يستصحب قرارات أسمرا ١٩٩٥م، ومبادئ الإيجاد ١٩٩٤م، ومذكرة تجمع الداخل في ديسمبر ۱۹۹۸م، وأهم ما يجب تحقيقه في ذلك هو «قرارات يونيو ١٩٩٥م حول الدين والدولة في السودان، والقرار حول تقرير المصير ٩٥... إلخ»، إلى أن يقول: «هذا الاتفاق السياسي تنفذه حكومة قومية انتقالية تكون مهامها الإضافية في تفكيك دولة الحزب –إشارة إلى اعتباره حكومة الإنقاذ حكومة للجبهة الإسلامية القومية– الصالح دولة الوطن». 

هناك متفائلون بأن الوفاق قادم على الأقل بين الحكومة وحزب الأمة، استنادًا إلى جذور حزب الأمة الإسلامية، بعيدًا عن مواقف السيد الصادق المهدي العلمانية، وهناك أيضًا من لا يرون سببًا للتفاؤل، ولا سيما بعد المقترحات الأخيرة للصادق، وكأنه ما زال مصرًا على فصل الدين عن السياسة، وتفكيك نظام الإنقاذ كما يقول. 

وخلاصة القول: إن أحداث الملف وتجاريه ووقائعه والتحالفات التي تمت بين المتناقضين في مختلف العهود لا تبشر بخير فهي تجارب مريرة تمت خصمًا من مصالح الوطن، ولكن إن أقر الجميع بالمرحلة الجديدة التي يواجهها السودان، وأهميتها وخطورتها، واستوعب الجميع دروس الماضي وعقدوا العزم على تجنب السلبيات وتفادي الأخطاء، وبني الوفاق على أسس واضحة، وبأهداف مجمع عليها فكرًا ومنهجًا، بعيدًا عن الأجندة الخاصة، والطموحات الشخصية والمنافع الذاتية، أو المصالح للأفراد والجماعات أو البيوتات فإن مثل هذا الوفاق قد يصمد ولا ينهار كما انهار، كل وفاق بني على جرف هار.

 

بعد حرب البلقان

هل يقع التدخل الأجنبي في السودان؟

الخرطوم: المجتمع 

حذر د. رياك مشار مساعد رئيس الجمهورية السوداني، ورئيس مجلس تنسيق الولايات الجنوبية– من احتمال تدخل خارجي عسكري في السودان على غرار البلقان. 

وكشف د. رياك مشار أن حركة التمرد بقيادة جون جارانج أرسلت رسالة إلى الكونجرس الأمريكي حملها فرانسيس دينق أحد أبناء الدينكا المعروفين بكراهيتهم للعرب والمسلمين. تطلب بإلحاح شديد أن يقوم وفد من الكونجرس بزيارة إلى بعض مناطق الجنوب التي تسيطر عليها حركة التمرد، بغرض إجراء دراسة جدوى على الواقع، وتقديم النصح الصناع القرار في واشنطن، إما للتدخل العسكري المباشر في الجنوب كما حدث في البلقان، أو تقديم دعم عسكري لوجستي عاجل وفاعل للحركة يكون عونًا وسندًا لها في معاركها مع الحكومة. 

تستند المذكرة في حجتها للتدخل المباشر على أن المفاوضات الطويلة التي استمرت سنوات مع حكومة الإنقاذ ومن قبلها الحكومات السابقة، لم تؤد إلى حل للمشكلة، كما أن منظمة الإيجاد فشلت هي الأخرى في التوصل إلى حل المشكلة الجنوب حلًا نهائيًا. 

وبعد المذكرة، قام وفد من الكونجرس الأمريكي بزيارة إلى رئاسة الحركة بمنطقة ياي على الحدود الأوغندية السودانية، وتدل قرائن الأحداث على أن شيئًا ما يدبر ضد السودان وأن مخططًا ينضج على نار هادئة، ربما يؤدي إلى غزو من قبل الحركة وأصدقائها من الخارج. 

أولى هذه القرائن أن حركة التمرد تعاطل وتسوف بشأن عقد جولة المفاوضات التي تأجلت مرارًا نتيجة مواقف الحركة التي تطلب تأجيل المفاوضات في آخر لحظة وفي كل مرة.

 ٢ – أن دول الإيجاد نفسها غير جادة في إيجاد حل ولا تمارس ضغطًا على حركة التمرد لتجلس إلى مائدة المفاوضات بجدية، ومسؤولية هذه المنظمة –أي منظمة الإيجاد– كانت محصورة في دول شرق إفريقيا كينيا – أوغندا – إثيوبيا – إريتريا، ولكنها توسعت وضمت دولًا أوروبية كإيطاليا، وهولندا، وبريطانيا، وألمانيا، والنرويج مما يدل على رغبة هذه الدول في تدويل القضية مع الرفض التام لإشراك مصر ولو بدرجة مراقب. 

٣– عرقلة أمريكا مساعي الحل السلمي لمشكلة السودان، وتدخل سفيرها في العاصمة الكينية نيروبي لإفشال أي مبادرة تؤدي إلى الوفاق والمصالحة الوطنية، ففي عشية اجتماعات هيئة قيادة التجمع الوطني المعارض حرص السفير المذكور على الاجتماع بانفراد بكل زعيم حزب من أحزاب التجمع وتسربت بعض المطالب التي قدمها السفير باسم بلاده وتلخصت في أن أمريكا تعول كثيرًا على وحدة التجمع وتدين الحلول الانفرادية والمصالحة مع الحكومة، وأبدى السفير عدم ارتياحه للقاء جنيف، بين د. حسن الترابي والصادق المهدي، وقد آتت هذه اللقاءات أكلها في اجتماعات المعارضة بأسمرة، حيث وضح التشدد في كلمات القادة، بينما كانت تصريحاتهم قبل لقاء السفير فيها مرونة كبيرة مما أدى إلى حالة من التفاؤل بقرب المصالحة الوطنية.

 ٤– مشاركة السفير الأمريكي في أسمرة مع سفراء دول غربية أخرى في اجتماعات المعارضة، وحضورهم الجلسة الافتتاحية، مما يؤكد أن التجمع واقع تحت تأثير القوى الغربية. 

٥– مازالت أمريكا ترفض إعادة فتح سفارتها في الخرطوم، كما أن أمريكا لم تبد استعدادا للتعاون مع الأجهزة الأمنية بالسودان من أجل التأكد من أن السودان لا يمارس عملًا يندرج تحت بند الإرهاب ولا يدعم الإرهاب. 

٦ – التشدد الواضح في بيان التجمع المعارض عقب اجتماعات هيئة قيادة التجمع بأسمرة، حيث يتحدث البيان عن «تصعيد الانتفاضة الشعبية في الداخل والتوحد الكامل للقوات المسلحة المشتركة للتجمع للاندفاع إلى العمق بكل قوة للالتحام مع الشعب السوداني». 

والسؤال الآن.. هل هناك احتمال تدخل أجنبي في السودان على غرار التدخل في كوسوفا؟ 

إنها مقارنة ظالمة، ففي كوسوفا مارس الصرب التمييز الديني ضد شعب له هويته ولا يملك حق الحكم الذاتي ومارست السلطات التهجير الجماعي للسكان بأسلوب وحشي أما في جنوب السودان، فالوضع مختلف تمامًا، الجنوب مقسم إلى عشر ولايات، وفي كل ولاية حاكم جنوبي ووزراء ومحافظون جنوبيون يحكمون أنفسهم بأنفسهم حكمًا ذاتيًا على النظام الفدرالي، ثم إن نائب رئيس الجمهورية ومساعده جنوبيان، وهناك وزراء مركزيون في الخرطوم من أبناء الجنوب، وثلثا سكان الجنوب يعيشون في مدن الشمال، فما مبررات التدخل إن كان الجنوبيون ينعمون بحكم فدرالي ويشاركون أيضًا في حكم الشمال مع أن الشماليين لا يشاركون في حكم الجنوب؟ 

ثم إن اتفاق السلام يعطي حق تقرير المصير للجنوب بعد عامين، يحق لهم الانفصال بحرية إن شاءوا. 

ويرى المراقبون أن أمريكا ستخطئ خطأ فاحشًا إن هي فكرت في تدخل مباشر أو غير مباشر في السودان، وسيكون أول ضحايا التدخل الجنوبيون أنفسهم، ولذلك جاءت صرخة التحذير من الجنوبي رياك مشار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

159

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

134

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8