; الوقف والمرأة في عصور النهضة | مجلة المجتمع

العنوان الوقف والمرأة في عصور النهضة

الكاتب منال أبو الحسن

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2012

مشاهدات 56

نشر في العدد 2022

نشر في الصفحة 42

السبت 06-أكتوبر-2012

  • ثقافة الوقف تعتبر خاصية من الخصائص التي تتميز بها الأمة الإسلامية
  • منذ عهد زوجات الرسول ﷺ أدت السيدات دورا بارزا في مجالات الوقف
  • ارتبط الوقف بالقيم القرآنية واستطاع ترجمتها إلى حيز الممارسة الواقعية من خلال إنشاء مؤسسات الوقف الخيرية
  • في العصر الأيوبي اهتمت النساء بالعمل على نشر المذهب السني من خلال المساجد التعليمية ومكاتب للأيتام والإنفاق عليهم في الطعام والكساء والسكن والتربية والتعليم

تتعدد أشكال العمل الخيري والاجتماعي والأهلي في المجتمعات البشرية، ومنها التبرعات والهبات والصدقات، ومنها ما يقوم به الأفراد ومنها ما تدعمه الدولة، ومنها ما يقوم عليه المجتمع المدني بكافة مؤسساته ومنها ما تقوم به مؤسسات محلية وإقليمية ودولية.

والهدف الأساسي والظاهري للوقف هو الخير سواء للناس أو للحيوان أو للبيئة، وكل ما تشمله الحياة من جوانب نفسية ومادية واجتماعية وجمالية وصحية وعلمية وتعليمية وغيرها .. وتتميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم بثقافة الوقف التي تعتبر خاصية من خصائصها ؛ بدأها الرسول ﷺ في أول وقف في الإسلام وهو مسجد قباء، الذي بدأ فيه المسلمون تعلم القرآن وتعلم الكتابة واستطاع الوقف على مر العصور أن يحافظ على هوية المجتمع الإسلامي، ويضمن سماته الروحية والعقدية، والاجتماعية والاقتصادية ويحافظ على حيوية المجتمع وفعاليته. والوقف لغويا هو الحبس، ويعني في الشريعة حبس المال سواء كان على شكل عقار أو محل تجاري أو غيرهما لينفق من ريعه على من يحتاج من طلاب العلم أو اليتامى والأرامل وغيرهم على سبيل الصدقة الجارية .. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (أخرجه مسلم).

ارتباط الوقف بالقيم

ارتبط الوقف بالقيم القرآنية مثل التراحم والرأفة، والكرم والجود والإحسان واستطاع ترجمة هذه القيم إلى حيز الممارسة الواقعية من خلال إنشاء مؤسسات الوقف الخيرية.

الوقف النسائي

وقد أدت السيدات على مدار التاريخ الإسلامي دوراً بارزاً وكريما في مجالات الوقف المختلفة، ومنذ صدر الإسلام حتى اليوم؛ فقد أسهمت زوجات الرسول ﷺ وسلم أمهات المؤمنين عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، إضافة إلى ابنته فاطمة وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهن جميعاً في هذا الجانب الخيري الذي يُعد من محاسن الإسلام. وامتدت إسهامات المرأة المسلمة في العمل الوقفي سواء على مستوى الأسر الحاكمة أو حتى الجواري والعامة حسب درجات التمكين الاقتصادي والسياسي والتوجهات الدينية والسياسية والاجتماعية لهن، ففي وقت الحكم الفاطمي اهتمت المرأة بالوقف على الجوامع والمساجد التي كانت تؤدي أدوارا علمية وتعليمية.

وفي العصر الأيوبي، اهتمت النساء بالعمل على نشر المذهب السني من خلال المساجد التعليمية للمذاهب الأربعة والمكاتب للأيتام، والإنفاق عليهم في الطعام والكساء والسكن والتربية والتعليم وإنشاء مؤسسات السكن العامة.

ومن المجالات الوقفية في العصر المملوكي التي أنشأتها النساء إما للصوفية أو للنساء المنقطعات والمهجورات والمطلقات والعجائز والأرامل والعابدات وأرباب العاهات وذوي الحاجات من أرباب البيوت، وكانت لها المقامات المشهورة من مجالس الوعظ وبها دائماً «شيخة» تعظ النساء وتذكرهن وتفقههن، وتودع في الرباط النساء اللائي طلقن أو هجرن حتى يتزوجن أو يرجعن لأزواجهن صيانة لهن لما كان فيه من شدة الضبط وغاية الاحتراز والمواظبة على وظائف العبادات.

ومن الأوقاف التي خصصت للنساء في العهد الأيوبي ما خصص لإمداد الأمهات بالحليب اللازم لأطفالهن، وجعل في أحد أبواب قلعة دمشق ميزاب يسيل منه الحليب وميزاب آخر يسيل منه الماء المذاب بالسكر فكانت تأتي الأمهات يومين من كل أسبوع، يأخُذْنَ لأطفالهنَّ ما يحتاجون إليه من الحليب.

كما كان للجواري والمعتوقات دور في تعزيز مؤسسة الوقف بإسهاماتهن، ذلك في العصرين المملوكي والعثماني أيضا وهو أمر منطقي في دولة كان كثير من الملوك والسلاطين ورجال الدولة والجيش فيها من المماليك، وكانت تجارة الرقيق منتشرة ورائجة فالكثيرات من نساء السلاطين والملوك كن جواري أو معتوقات؛ أي كن من الرقيق مثل أزواجهن، وكان السلاطين وكبار الأمراء وعلية القوم يحرصون على توفير موارد ثابتة للرزق لجواريهم عقب وفاتهم فيهبوهن الثروات من أموال وعقارات وأراض، واتجهت الكثيرات منهن للوقف من هذه الثروات مما أسهم في مجال العمل الوقفي العمراني وهو ما يوضح حقيقة زورها الإعلام الغربي والإعلام التابع له عن الجواري المسلمات في حكايات ألف ليلة وليلة، فالجارية المسلمة أسهمت في العمل الخيري والوقفي وفي حركة العمران ومنهن «مسكة » جارية الناصر بن قلاوون؛ حيث أنشأت جامعا عام ٧٤٦هـ، وكانت من ربات النفوذ والسلطان، وكان لها أثر عمران هائل أدى لتغييرات وجه العمران في القاهرة، حيث بدأ الناس يبنون حول حكرها وسكن الحكر الأمراء والأعيان وأنشؤوا به الحمامات والأسواق.

أوقاف خارجية 

 وامتد العمل النسائي الإسلامي للمصريات في العصر العثماني ليتعدى المجال المحلي إلى المجال الإقليمي في العمل الوقفي ومنه إنشاء أوقاف بعض النساء المصريات في العصر العثماني في المدينة المنورة، حتى وقفت إحدى زوجات السلطان العثماني في القرن العاشر الهجري سفينتين مخصصتين لنقل الغلال من مصر إلى الحجاز من السويس إلى جدة وينبع لخدمة التكية التي أنشأتها في مكة المكرمة؛ لتقديم الوجبات ولسكن الطلاب وتعليم الأطفال... وكان للتمكين الاقتصادي للنساء في العصر العثماني سواء زوجات الأمراء أو السيدات من الطبقات الوسطى وعامة الشعب دور في تعزيز العمل المجتمعي والوقفي، حيث أتيحت لهن مزاولة بعض الأعمال التي تجلب لهن الربح، وذلك جعلهن قادرات على الوقف من كسبهن، فقد كانت المرأة في ذلك العصر تتولى وظيفة «الالتزام» حيث تعهد لها الدولة بجباية الضرائب المربوطة على الأراضي الزراعية كما أتيح للنساء امتلاك أنواع من الممتلكات التي لم تكن متاحة لهن من قبل في العصر المملوكي وما قبله؛ مثل الوكالات والفنادق ودور الحياكة والمصابغ ومضارب الأرز وبيوت القهوة والعقارات المختلفة، ووقفت النساء مالكات تلك المؤسسات التجارية من ريعها على مختلف أنماط الوقف من سبيل ومكاتب لتعليم الأطفال وتوفير المياه، وأخذ الوقف أشكالا جديدة ومجالات عديدة، منها الطب والرعاية الاجتماعية للبنات المحتاجات. 

وقف لنشر العلم

وكان للمرأة حضور مميز في مجال إنتاج المعرفة ونشر العلم، ففي القرن السابع الميلادي أوقفت السيدة فاطمة الفهرية لبناء جامع القرويين الذي أضحى أول جامعة في 

المغرب العربي، وفي القرن العشرين أوقفت فاطمة ابنة الخديو إسماعيل لبناء جامعة القاهرة العريقة، وفي أوائل القرن العشرين كان للسيدات المسلمات دور في دعم فضيلة الوقف في تنمية المجتمع، وتشير بعض الإحصاءات الحديثة إلى أن أوقاف النساء تبلغ حوالي ٢٥ من حجم الأوقاف الحالية في العالم الإسلامي وترتفع النسبة في الدول الخليجية حتى تصل إلى ٤٠.

تحديات أمام العمل الوقفي

وللعمل الوقفي تحديات أبرزها تأثير السياسة عليه من جهات عديدة منها تغيير مجالات العمل الوقفي ومنها التبعية لسياسة الدولة، وسيطرة أجهزة الدولة عليه، ومنها التركيز على مجالات وقفية بعينها، ومنها طمس العمل الوقفي خاصة وقت الاحتلال الغربي للدول الإسلامية.

ففي فترة حكم صلاح الدين الأيوبي استخدمت الأوقاف لنشر المذهب السني بعد القضاء على الدولة الفاطمية، وفي الحكم المملوكي انتشرت المدارس والخوانق للتعليم وللأغراض الدينية المتصوفة التي تساعد في التقرب للناس وقبولهم اجتماعيا والتودد للشعب المصري، وفي أوقات الاحتلال الغربي حاول الاستعمار طمس الهوية الإسلامية والسيطرة على الأوقاف.

ومن مظاهر التأثير السياسي على العمل الوقفي تبعية الأوقاف لوزارة من وزارات الدولة تعنى بشؤون الوقف بما يؤدي إلى اتباع سياسة الدولة باعتبار الوزارة جزءا من مؤسسات الدولة، وهو ما أثر سلبا أو إيجابا على الوقف كمشروع خيري وعمل مجتمعي. ففي مصر في عهد «حسني مبارك» اتبعت الأوقاف سياسة الدولة، وتدخلت زوجة الرئيس في العمل الوقفي من خلال الوزارة وتدخلت السيدات اللاتي استطعن ممارسة العمل السياسي في فرض مطالبهن التي تنبع من التوجهات الدولية للعمل النسائي فنجد اهتمام الوزارة بمساندة هؤلاء النسوة في توجهاتهن وتأييدهن وهو ما ظهر في موضوعات المساواة بين الرجل والمرأة على النهج الدولي، وشهادة المرأة أمام القضاء، بل لجأت للجانب التنظيمي لتنفيذ سياسة الدولة الخاصة بالمرأة، من خلال تشكيل لجنة تهتم بشؤون المرأة لتساند مجلس الشعب في مشاريع القوانين الخاصة بالمرأة والصادرة من المجلس القومي للمرأة الذي كانت ترأسه زوجة الرئيس.. ونظرة واحدة على موقع هيئة الأوقاف في صفحة المرأة، تظهر توجهات الوزارة وتبعيتها لسياسة الدولة قبل الثورة، والعجيب نشر وترويج مواقع ليست لها علاقة بالأوقاف، بل إنها لو عرضت على أصحاب الوقف ربما تجد معارضة شديدة، كالترويج المواقع نوادي الروتاري».

تلجأ الدول إلى وسائل عديدة للحصول على موارد مادية تعوض النقص والفقر الذي حل بها، ومن ذلك القروض البنكية لما تمثله من ثقافة ربوية تتعارض مع صحيح الإسلام، في الوقت الذي يمكن من خلال المؤسسات الوقفية أن تقوم بهذه المهمة وتوفر الكثير من الحرج الشرعي عن الاقتراض البنكي، فالوقف الإسلامي لا يرتبط بفئة اجتماعية دون أخرى؛ مما يساعد على التلاحم المجتمعي بكافة طبقاته وفئاته حتى من لا ينتمي للإسلام، فالخير من الجميع وللجميع.

ومع التطور المجتمعي المتوقع بعد الثورات العربية وتحرر الشعوب من الظلم والتبعية والاستبداد تتفتح آفاق جديدة للعمل الوقفي سواء من خلال مؤسسات مستقلة أو أفراد متخصصين قائمين عليها أو تلاحم وترابط إسلامي دولي لدعم العمل الوقفي أو من خلال دمج مشاريع النهضة العربية في العمل الخيري التطوعي فهناك مجالات جديدة كالوقف الإلكتروني على شبكة الإنترنت للمواقع التي تتيح للجمهور الاستفادة العلمية من المراجع النادرة بدون مقابل، أو حل مشكلات مستعصية كالفقر والنظافة والأمن المجتمعي والمرور وتنظيم الشوارع وتجميلها وتنظيفها، وتنقية مياه الشرب وزراعة الصحراء وحل المشكلات الاجتماعية للأسرة؛ كالعنوسة والطلاق وكفالة اليتيم، كذلك يمكن العمل من خلال الإنتاج السينمائي المتطور لنشر التاريخ الإسلامي الصحيح، وتصحيح الصورة الذهنية للإسلام والمسلمين وغيرها من المجالات الخيرية. ولكن الجميل أن يتم العمل بالوعي المطلوب بأهمية وأولوية القضايا الملحة في كل مجتمع والتأكيد على العمل الجماعي وقيام مؤسسات الدولة بدعم المجتمع المدني والأفراد لاستكمال مسيرة النهضة. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1628

73

السبت 27-نوفمبر-2004

المجتمع المحلي (1628)

نشر في العدد 1642

65

السبت 12-مارس-2005

المجتمع المحلي (1642)