; الوقف «1 من 2» دوره في التنمية الاجتماعية | مجلة المجتمع

العنوان الوقف «1 من 2» دوره في التنمية الاجتماعية

الكاتب سليم منصور

تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2005

مشاهدات 100

نشر في العدد 1657

نشر في الصفحة 42

السبت 25-يونيو-2005

  • يشارك في تحقيق التنمية الاجتماعية.. ويحقق الكفاية في إشباع حاجات الأجيال القادمة.

  • يسهم في غرس قيم الاعتدال والمحبة في المجتمعات ويحقق السلام الاجتماعي بمعناه الحقيقي فهو يعالج الأنانية والبخل والضغينة.

للوقف في الإسلام سند شرعي من كتاب الله وسنة الرسول وإجماع الأمة، فقد حث القرآن الكريم على الإحسان، وجميع أنواع البر والصلة والخير والإنفاق، والوقف يتضمن هذه العناصر، بل يعد أحد صورها الرئيسة.

قال تعالي: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ (سورة البقرة: 254).

وقال عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ (سورة البقرة: 267).

أما الأدلة من السنة النبوية فهي كثيرة متنوعة:

عن أبي هريرة «رضي الله عنه» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له».[1]

وعن أبي هريرة «رضي الله عنه» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا وتصديقًا لوعد الله كان شبعه وريه وبوله وروثه حسنات في ميزانه».[2]

أما الإجماع فقد أجمع الخلفاء وسائر الصحابة على مشروعية الوقف، فقد أوقف الصحابة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد «رضي الله عنهم جميعًا» وتتابعت الأوقاف من قبل الصحابة والصحابيات ومن ثم التابعين، فقد توسعت الأوقاف في عهد الخلافة الأموية ثم استمر نموها في عهد الخلافة العباسية وكذلك زمن الزنكيين والأيوبيين حتى الخلافة العثمانية ووقتنا الحاضر.

أسهم الوقت في تحصين المجتمع من الداخل ووفر له إمكانات التطلع إلى تطوير نفسه، وكان للوقف أثاره الاجتماعية في مختلف الميادين، وقد تنوعت القضايا التي أسهم الوقف في التخفيف من سلبياتها أو معالجتها كليًا بحسب الأماكن والأزمات التي وجد فيها، وقد شكل على مر العصور عنصرًا ثابتًا في معالجة هموم اجتماعية كثيرة.

وقام الوقف بدور الرعاية الاجتماعية في ميادين مختلفة وصور متنوعة، شملت نواحي عديدة، وأظهرت المدى الذي يشمله الوقف، حتى غطى نواحي لم تكن في الحسبان، ومن الأمثلة على ذلك:

  • وقف الخبز المجاني:[3] وهو وقف يوزع الخبز، فيأتي إلى الدكان كل من ليس عنده خبز يومه، ومن مختلف الطوائف، فيأخذ حاجته من الخبز وينصرف دون سؤال أو إذلال.

  • وقف النساء الغاضبات:[4] وهو وقف يقوم على رعاية النساء اللاتي طلقن أو هجرن حتى يتزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن.

  • وقف الثياب:[5] وهو وقف ينفق ريعه لكسوة العرايا والمقلين وستر عورات الضعفاء والعاجزين.

  • وقف إيواء الغرباء: وهو يقوم على توفير الطعام والشراب للغرباء وكذلك توفير الأمن النفسي لهم.

  • وقف الحليب:[6] وكان من ميراث صلاح الدين الأيوبي، فقد جعل في أحد أبواب القلعة الباقية إلى الآن في دمشق ميزابًا يسيل منه الحليب وميزابًا آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي إليه الأمهات يومين من كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.

  • وأوقاف أخرى كثيرة: مثل وقف المقابر، وقف وفاء الديون، وقف مساعدة أهل الكتاب، وقف تزويج المكفوفين، وقف تزويج الفقيرات، وقف تبديل الأواني المكسورة.[7]

ويمكن للوقف أن يشارك في تحقيق التنمية الاجتماعية من خلال العديد من الأهداف:

الوقف أحد عناصر التكافل الاجتماعي

يشترك الوقف مع الصدقات والوصية والكفارات والنذور ونفقات الأقارب في عملية التكافل، فالتكافل هو المجال المتروك للأفراد، كل على قدر طاقته في سبيل مجتمعهم، وكان الإسلام حريصًا ألا يكل الأمر كله للدولة، بل ترك للأفراد مجالًا يبذلون فيه أموالهم، ويساهمون في حماية مجتمعهم.

  • الوقف يحقق الكفاية في إشباع الحاجات للأجيال القادمة: ذلك أن الوقف الخيري يتميز بالاستمرار، ويختلف عن الصدقة، في أن منفعته تتسم بالثبات والدوام، ولا تراعي الأجيال الحاضرة فحسب، بل الأجيال القادمة، فهو ينتقل من جيل لآخر، وهي صفة يتفرد بها الوقف.

  • الوقف يشارك في نشر روح التعاون المحبة بين الناس: فقد كان لانتشار الأوقاف الخيرية والمنافع العامة دور في غرس أخلاق الاعتدال والمحبة والرحمة في المجتمع، وأن تختفي المشاعر والأمراض النفسية المتمثلة في الأنانية والبخل والشح بالنسبة للواقفين والكراهية والحسد بالنسبة للمستضعفين.

  • المشاركة في القضاء على الفقر: وذلك من خلال توفير الحاجات الأساسية للفقراء والمساكين والمشردين عبر تقديم الطيبات ورفع مستواهم الصحي والتعليمي والمعيشي، وتوفير بعض ما فقدوه أو لم ينالوه من رعاية، بل يمكن لنظام الوقف أن يجعل من الأماكن التي يتم فيها تقديم المنافع محط أنظار للفقراء ومناطق جذب للمساكين والمحرومين، وبالتالي يمكن التعرف على مشكلاتهم واحتياجاتهم وإيجاد الحلول لها، فقد كان الفقراء يجدون في التكايا والزوايا والمساجد والمآوي والملاجئ - وهي مؤسسات وقفية في أكثر الأحيان - ما يقيهم الجوع والعري، فالوقف أسهم بفاعلية في معالجة الفقر وتحسين مستوى المعيشة، وفي رعاية الفئات الأشد حاجة في المجتمع.

إسهام الوقف في العدالة الاجتماعية:

إن مشاركة المسلمين في إيجاد الأوقاف من خلال ما تجود به أموالهم وعطاءاتهم، فضلًا عن مشاركة المسؤولين وأصحاب المراكز والتجار في بناء أوقاف تذكر أسماءهم وتسهم في تطوير مناطقهم، وبمجرد إقامة المؤسسة والوقف عليها، لم تعد هذه المؤسسة ملكًا للدولة أو الأمراء أو السلاطين، إنما أصبحت ملكًا للأمة، وإذا كانت هناك بعض مظاهر المظالم الاجتماعية في التاريخ الإسلامي، إلا أن الوقف كان من المؤسسات التي جعلت نسبة العدل في المجتمع الإسلامي أعلى منه في المجتمعات الأخرى.

  • الوقف مؤسسة اجتماعية: ارتبط مفهوم الوقف بالخير والمنفعة للمجتمع، فهناك الكثير من الصدقات أو التبرعات التي يقوم بها الأفراد رعاية لشؤون الناس ومساعدة لهم في مختلف مجالات الحياة، إلا أن الكثير من هذه الأعمال لا يتكرر ولا يتابع صاحب الحاجة في حاجته أو شأنه، وترتبط هذه الأفعال بشخص أو أكثر وتنتهي بغيابهم، إلا أن الوقف يحول الخير والإحسان إلى مؤسسات، فبالمؤسسات يتطور المجتمع، وشتان بين مجتمع حول القيم الخيرة إلى مؤسسات، فاستمرت وورثت، ومجتمع بقيت قيمه رهينة الأشخاص تحيا بحياتهم وتمرض بمرضهم وتنشط بنشاطهم.

  • الوقف يخفف من الأعباء الاجتماعية للدولة: إن الأنشطة التي تعالجها الدولة أصبحت متعددة، بحيث ترهق كاهلها، وخاصة من الناحية الاجتماعية، فالدولة في هذا العصر أصبحت تحتاج إلى أموال طائلة للرعاية الاجتماعية، وخاصة أن دخل هذه الدولة في أكثر الأحيان لا يفي بهذا الغرض، وفي المقابل أصبح من المتعذر فرض ضرائب جديدة لما لها من أضرار وكذلك تقلصت القروض والمعونات الخارجية، وأصبحت تهدد سيادة الدولة، في ظل هذه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية فلا مناص من العودة إلى المجتمع، وإلى القائمين عليه لتقديم المزيد من العطاءات التطوعية.[8]

  • الرعاية الاجتماعية للوقف تسهم في العملية الإنتاجية: فالوقف بما يقدمه لدفع الضرر عن الضعفاء، ورعاية الأيتام والمعاقين والمسنين، وإنشاء الملاجئ والمستشفيات والمدارس وكفالة من يعجز بصفة مؤقتة أو عارضة ومن توفير حد الكفاية له ولمن يعول، فيرفع الإحساس باختفاء الأمن والكفاية، مما يسهم في التخفيف من الآثار السيئة لهذه الظروف على الأداء الإنتاجي للأفراد وإقبالهم على إنجاز الأعمال، فيقلل الوقف بذلك أثر هذه الظروف الاستثنائية، ويحد من سلبياتها على مستوى النشاط الاقتصادي.

  • الوقف ودوره في السلام الاجتماعي: فقد كان للوقف، من خلال ما تقدمه مؤسساته، دور في إرساء السلام الاجتماعي، فمع هذه المنشآت «تكايا، زوايا، أربطة...» التي كانت تقدم الوجبات المجانية للمحتاجين في المدن والقرى.. بالإضافة إلى الخدمات الأخرى المجانية التي تقدمها منشآت الوقف التعليمية والصحية... كان يتم امتصاص التأزم في المجتمع، فقد كان هناك - على سبيل المثال - تكيتان في دمشق: تكية السلطان سليمان القانوني، وعمارة السلطان سليم الأول في القرن الأول للحكم العثماني وحيث لم يكن سكان دمشق «يتجاوزون المئة ألف»، فإن وجود مثل هاتين «العمارتين التكيتين» بما تقدمانه من الوجبات المجانية يوميًا كان كافيًا لكيلا ينام محتاج وهو جائع في بيته.[9]

  • الوقف نشاط اجتماعي متميز: يعتبر الوقف من المواد الاختيارية في تحقيق التوزيع التوازني، وهو خطوة مكملة للموارد الإلزامية، وهو يشجع في النفس الإنسانية، حبها للعطاء حتى يتحقق الإشباع لهذا الجانب النفسي في الإنسان، وإن جعل هذه المرحلة اختيارية بتوافق مع ضجر النفس الإنسانية من الإلزام، حتى لو كان في الخير، فلم يكن مستساغًا أن يترك الأمر كلية للنفس الإنسانية، حيث تعطى إشباعها في هذا المجال، ولكن في الوقت نفسه، لم يكن يحتمل أن تحرم كلية من هذا الاختيار.

  1. عدم التحيز في توزيع المنافع والموارد: فالرعاية التي تغطيها مصاريف الضمان الاجتماعي في الأنظمة والاقتصادات الوضعية، تتجه أساسًا إلى الفئات العاملة التي ترتبط مباشرة بالعملية الإنتاجية، أما في نظام الوقف فقد امتد عدم التحيز ليشمل فئات واسعة من الناس، فقد استطاعت الأوقاف أن تشكل الضمانات التي أدت إلى تطور المجتمع في الدولة الإسلامية بكافة عناصره الإسلامية والمسيحية واليهودية، لأن واردات الأوقاف كانت تصرف أحيانًا على المسلمين وعلى سواهم من غير دينهم.[10]

الهوامش 

[1] أخرجه مسلم عن أبي هريرة (1631) كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.

[2] أخرجه النسائي عن أبي هريرة (3582) كتاب الخيل، باب علف الخيل.

[3] حلاق، حسان، أوقاف المسلمين في بيروت في العهد العثماني، المركز الإسلامي للإعلام والإنماء، بيروت، ط 1، ص 32 - 33.

[4] انظر: أمين، محمد محمد، الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر (648 - 923 هــ / 1250 - 1517 م)، دار النهضة العربية، القاهرة، د. ط. د. ت. ص 139.

[5] انظر المرجع السابق، ص 135.

[6] انظر السباعي، مصطفى، من روائع حضارتنا، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 5، 1987 م.

[7] انظر السباعي، مصطفى، من روائع حضارتنا، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 5، 1987م.

[8] ابن بطوطة، رحلة ابن بطوطة، دار الكتب العلمية، بيروت، د ت، د ط، ص 122.

[9] الأرناؤوط، محمد، تطور منشآت الوقف عبر التاريخ، «العمارة / التكية» نموذجًا، الأمانة العامة للأوقاف، الكويت، مجلة أوقاف، عدد 1 (1 / 2001)، ص 38.

[10] حلاق، حسان، أوقاف المسلمين في بيروت في العهد العثماني، مرجع سابق، ص 31.

الرابط المختصر :