; الولاء لليهود والنصارى في ضوء القرآن | مجلة المجتمع

العنوان الولاء لليهود والنصارى في ضوء القرآن

الكاتب عبد القادر طاش التركستاني

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1978

مشاهدات 60

نشر في العدد 424

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 19-ديسمبر-1978

  • للقرآن الكريم منهج فريد في تربية الفرد المسلم والجماعة المسلمة، وإعداد كل منهما للدور الذي يجب أن يقوما به في الحياة الواقعية. وهذا المنهج يعتمد على مقومات ومبادئ ثابتة شأنها شأن مقومات ومبادئ الإسلام الأخرى في عدم اختصاصها بجيل من الأمة المسلمة دون جيل. إنما هي مكونات النشأة والتكامل للفرد المسلم والجماعة المسلمة عبر القرون والأجيال. 

وإن من أهم تلك المقومات والمبادئ أن القرآن يربي الفرد المسلم على أساس إخلاص ولائه لربه ورسوله وجماعته المسلمة، وعلى أساس انفصاله التام، واستقلاله الكامل عن كل جماعة تجتمع على غير مرضاة الله، وتتبع غير سبيل الله، وتؤلف حزبًا غير حزب الله، ولذلك تأتي التوجيهات القرآنية محذرة من موالاة الكفار والمشركين ومن مناصرة واستنصار اليهود والنصارى. يقول الله تعالى:- 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚوَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ( المائدة:51- ٥2- ٥٣)

  • وللولاية معانٍ متعددة- كما يقرر بعض المفسرين- فمن تلك المعاني: 

أ- معنى الاتباع في الدين.

ب- ومعنى التسامح وحسن المعاملة.

ج- ومعنى التناصر والتحالف.

 فأي هذه المعاني هو المقصود في هذه الآيات الكريمة؟

  • فأما معنى الاتباع في الدين فليس بمقصود هنا، وأما النهي عن التسامح مع أهل الكتاب، والتحذير من إحسان المعاملة معهم فهما مخالفان لروح الإسلام المتسامحة وقد رد الشيخ محمد رشيد رضا «رحمه الله» على من قال بأن المعنى هنا النهي عن مسامحة أهل الكتاب فقال في المنار «وقد جعل المتأخرون من المفسرين- كالزمخشري والبيضاوي ومن تابعهما- الولاية بمعنى المودة وحسن المعاملة واستخدام المخالفين من أهل الكتاب... والسياق يأبى ذلك». 
  • إن المعنى المقصود «للولاية» في هذا التوجيه القرآني إذن: هو التناصر والتحالف مع اليهود والنصارى. يقول ابن جرير الطبري «رحمه الله» «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعًا أن يتخذوا اليهود والناصري أنصارًا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله»[1]

ويقول سيد قطب «رحمه الله» «إنها- أي الولاية لليهود والنصارى- تعني التناصر والتحالف معهم، ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم فبعيد جدًّا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين. إنما هو «ولاء» التحالف والتناصر الذي كان يلتبس على المسلمين أمره، فيحسبون أنه جائز لهم، بحكم ما كان واقعًا من تشابك المصالح والأواصر، ومن قيام هذا الولاء بينهم وبين جماعات من اليهود قبل الإسلام وفي أوائل العهد بقيام الإسلام في المدينة، حتى نهاهم الله عنه وأمر بإبطاله بعد ما تبين عدم إمكان قيام الولاء والتحالف والتناصر بين المسلمين واليهود في المدينة»

 هذا هو معنى «الولاية» المقصود في التوجيه القرآني والذي رجحه عدد كبير من المفسرين.

  • إن الإسلام حين يطالب المسلم بالسماحة مع أهل الكتاب وحسن التعامل معهم فإنه في الوقت نفسه يربي المسلم على أن ينفصل عن الواقع الجاهلي بكل صوره وأشكاله شركه وكفره وانحرافه المتمثل في اليهود والنصارى، لأن طريق المسلم «لتمكين دينه وتحقيق نظامه المتفرد لا يمكن أن يلتقي مع طريق أهل الكتاب. ومهما أبدى لهم من السماحة والمودة فإن هذا لن يبلغ أن يرضوا له البقاء على دينه وتحقيق نظامه، ولن يكفهم عن موالاة بعضهم لبعض في حربه والكيد له، وسذاجة أية سذاجة وغفلة. أية غفلة أن نظن أن لنا وإياهم طريقًا واحدًا نسلكه للتمكين للدين! أمام الكفار والملحدين! فهم مع الكفار والملحدين إذا كانت المعركة مع المسلمين!».

﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (البقرة: ١٢٠)

ولذلك يهتف التوجيه القرآني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (المائدة:51) ثم يتوعد من يخالف هذا النهي ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (المائدة:51) أي ومن ينصرهم ويستنصر بهم من دون المؤمنين وهم قلب واحد عليكم فإنه في الحقيقة منهم لا منكم، لإنه معهم عليكم. ولا يعقل أن يقع ذلك من مؤمن صادق! 

فهو إما موافق لمن والأهم في عقيدتهم أو في عداوتهم لمن والأهم عليهم، وعلى كلتا الحالتين يكون حكمه حكمهم». تفسير المنار م ٦ / ٤٣٠.

ثم تمضي الآيات ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ (المائدة:51)! وقد روى ابن كثير عن ابن جرير الطبري في سبب نزول هذه الآيات أنه قال «جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي بن سلول- رأس المنافقين-: إني رجل أخاف الدوائر فلا أبرأ من ولاية موالي. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن أبي: «يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه»  فقال قد قبلت. فأنزل الله هذه الآيات». تفسير ابن كثير م ٢ / ٦٨ و٦٩.

  • إن المنافق ابن أبي- وله في التاريخ وفي دنيا الواقع أشباه ونظائر- يخشى أن تدور عليه الدوائر وأن تنزل به الضائقة وأن تهلكه الشدة، ويريد أن يأوي إلى ركن «يهود» ويستمسك بحلف «يهود» حتى يسلم من الوقوع في ذلك كله، أو حتى يجد منهم عونًا له على الدوائر ونصرة لقومه على الضائقة وإنقاذا لسلطته ومركزه من الضياع. إن أمثال ابن أبي يظنون أن في إسراعهم إلى موالاة اليهود- وكذا النصارى-  مخرجًا له من ضائقاتهم وأزماتهم، ولكن القرآن يهددهم ويحذرهم فيقول ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ (المائدة:52) وحينئذ... حين تنكشف الولاءات، وتسقط النصرة.. ويخون المولى ويتخلى النصير حينئذ يندم المنافقون ويتحسر الراكضون خلف ولاء الشرق أو الغرب «فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (المائدة:53).

«ولقد جاء الله بالفتح يومًا، وتكشفت نوايا، وحبطت أعمال، وخسرت فئات. ونحن على وعد من الله قائم بأن يجيء الفتح كلما استمسكنا بعروة الله وحده، وكلما أخلصنا الولاء لله وحده، وكلما وعينا منهج الله، وأقمنا عليه تصوراتنا وأوضاعها وكلما تحركنا في المعركة على هدى الله وتوجيهه فلم نتخذ لنا وليًّا إلا الله ورسوله والذين آمنوا». الظلال م ۲ / ۷۷۱.

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (المائدة: ٥٥- ٥٦) .

﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (النساء:138- 139).

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (العنكبوت:41).

  • إن ولاء المسلم جزء أصيل من عقيدته لا يفرط فيه. وإن ولاء المسلم عزيز نفيس لا يجود به إلا لله ولرسوله والمؤمنين. أما الكافرون فليس لهم من المسلم ولاء ولا نصرة ولا استنصار. وأما اليهود والنصارى فلهم على المسلم التسامح معهم وحسن التعامل معهم- في حدود ما رسم الإسلام- ثم لا ولاء.. ولا نصرة.. ولا استنصار..

عبد القادر طاش- الولايات المتحدة- أوكلاهوما - ۲۳/ ۱۰ / ۱۹۷۸

الرابط المختصر :