; الولاء والبراء.. والمواطنة | مجلة المجتمع

العنوان الولاء والبراء.. والمواطنة

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000

مشاهدات 72

نشر في العدد 1417

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 12-سبتمبر-2000

المحظور أن يوالي المسلم الكتابي وينصره على المؤمنين.. أما أن يحدث تحالف لأجل مصلحة المؤمنين فهو جائز

ما زال بعض الكتاب رغم أنهم قلة نادرة -والنادر لا حكم له- يكتبون أن اليهود والنصارى في البلاد العربية تستباح دماؤهم ومن ذلك ما كتبه أحدهم من أن اليهود والنصارى في البلاد الإسلامية دماؤهم مستباحة لأنهم ليسوا أهل ذمة لعدم دفعهم الجزية ولعدم وجود الحاكم الذي يحكم بالشريعة الإسلامية.

كما كتب ثان أن التحالف مع النصارى والتعاون معهم ينطوي على الولاء المحرم شرعًا.

ومن قبل كتب ثالثهم أنني أبحث عن الآراء الشاذة التي شاعت في زمن الهزائم وابتدعها الكتاب المستغربون الذين أولوا قول النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله»، حيث قلت إن كلمة الناس في الحديث النبوي لا تعني أهل الكتاب ولا جميع المشركين في العالم، بل مشركي العرب في الجزيرة العربية فقط.

ونفى أن الجزية ترتبط بالحروب وقال: إن هذا من جهلي، فالجزية مضروبة على كل من يقيم في بلاد المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم وعدم أخذ النبي ﷺ الجزية من يهود المدينة كان الضعف المسلمين في بداية الهجرة واليهود كثرة وأن ما جاء في وثيقة المدينة من التناصر والتكافل معهم قد نسخ بعد قوة المسلمين، فلا تكافل ولا تناصر بين المسلمين وغيرهم من الأمم.

 إن هذا الكاتب الذي تخرج في كلية الدراسات الإسلامية وعمل مدرسًا بالمرحلة المتوسطة قد ظن أن رأيه هو الحق، واعتبر من خالفه غير عالم من ذلك ما وصف به الشيخ محمد الغزالي والشيخ صلاح أبو إسماعيل -يرحمهما الله- حيث زعم أنهما ليسا إلا واعظين، ومن ذلك قوله عن الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق إنه اكتشف بعقليته الفذة دون سائر العلماء قديمًا وحديثًا أن بيع الأجل حرام.

 لست بصدد الرد على من أعطى لنفسه عصمة بابوية كاذبة خاطئة، إنما أكتب لأنفي هذه الخبائث التي يلصقها هؤلاء بالإسلام والمسلمين، زاعمين أنهم يحسنون فهم الإسلام وهم يسيئون إليه وينفرون الناس منه، ولكن لا يعلمون.

حقوق المواطنة والولاء والبراء

 لقد أمر الله المسلمين أن يكونوا أمة واحدة يتعاونون ويتناصرون كما أمرهم بعدم موالاة الذين يحاربون الله ورسوله ويحاربون المؤمنين، ولقد عرف هذا في الفقه الإسلامي بعقيدة الولاء والبراء التي توجب أن يتجنب المسلم موالاة أعداء الله وأعداء المؤمنين، في جميع المعاملات والتصرفات والأعمال التي تضر بالمؤمنين وتنصر أعداءهم، وخصوصًا أن موالاة أعداء الله قد تؤدي إلى ارتداد المسلم عن دينه وذلك لقول الله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة: ٢٢). 

ولقوله تعالى: ﴿تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾(المائدة:80-81).

لهذا احتاط بعض المسلمين فحرم التعامل مع غير المسلمين في أمور كثيرة قد لا تدخل في مفهوم الولاء لأعداء الله كتحريم عيادة مرضاهم وتهنئتهم في المناسبات واتباع جنائزهم.

مفهوم الولاء والبراء

الموالاة تعني المحبة والنصرة والإتباع بالقول أو الفعل، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (المائدة: ٥٥).

والبراء يعني التبرؤ من الأعداء وعدم موالاتهم بالقول أو الفعل، قال الله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾(آل عِمْرَان: ۲۸) 

وقال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ﴾ (المجادلة: ٢٢). إن البراء من الكفار لا يعني عدم التعامل معهم أو اعتزالهم وإعلان الحرب عليهم. إنما يعني التبرؤ من عقائدهم التي تؤدي إلى الشرك بالله تعالى والتبرؤ من تشريعاتهم التي تناهض تشريع الله تعالى وحكمه، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:50).

والمقصود بالولاء لهم من دون المؤمنين هو مناصرتهم عليهم وقبول عقائدهم وتشريعاتهم المناهضة للإسلام.

لهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: ٥١) وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(الممتحنة:9). يقول الإمام الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾(المائدة:٥١) المعنى هنا ومن يتولى اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه؛ ولذلك حكم من حكم من أهل العلم النصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم بأحكام نصارى بني إسرائيل لموالاتهم إياهم، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة، وأصل دينهم لدينهم مفارقًا» (۱).

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا تعقيبًا على كلام الطبري: «وقد قيد ابن جرير الطبري الولاية يكونها لأجل الدين كما كانت الحال في ذلك العصر، إذ قام المشركون وأهل الكتاب يعادون المسلمين ويقاتلونهم لأجل دينهم، وقد تقع الموالاة والمخالفة والمناصرة بين مختلفين في الدين الصالح دنيوية، فإذا حالف المسلمون أمة غير مسلمة على أمة مثلها لاتفاق مصلحة المسلمين مع مصلحتها فهذه المحالفة لا تدخل في عموم كلامه، لأنه اشترط أن يكون ذلك المقاومةالمسلمين» (۲).

 ويقول الخازن في تفسيره: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة:٥١) يعني ومن يتولى اليهود والنصارى دون المؤمنين فينصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، لأنه لا يتولى مثول أحدًا إلا وهو راض به ويدينه، وإذا رضيه ورضي دينه صار منهم، وهذا تعليم من الله تعالى وتشديد عظيم في مجانبة اليهود والنصارى، وكل من خالف دين الإسلام» (۳). 

ومن محاسن التأويل للقاسمي: «واعلم أن الموالاة التي هي المباطنة والمشاورة وإفضاء الأسرار للكفار لا تجوز، فإن قيل: لقد جوز كثير من العلماء نكاح الكافرة، وفي ذلك من الخلطة والمباطنة بالمرأة ما ليس بخاف؟ فجواب ذلك: أن المراد موالاتهم في أمر الدين وفيما فيه تعظيم لهم، إلى أن قال: فحصل من هذا أن الموالي لكافر الفاسق عاصٍ، ولكن أين تبلغ معصيته؟ ويحتاج إلى تفصيل.

إن كانت الموالاة بمعنى المودة، وهو بوده لمعصيته كان ذلك كالرضا بالمعصية، وإن كانت الموالاة كفرًا كفر وإن كانت فسقًا فسق إن كانت لا توجب كفرًا ولا فسقًا لم يكفر ولم يفسق.

وإن كانت الموالاة بمعنى المحالفة والمناصرة: فإن كانت مخالفة على أمر مباح واجب كأن يدفع المؤمنون عن أهل الذمة من يتعرض لهم ويحالفونهم على ذلك فهذا لا حرج فيه، بل هو واجب وإن كانت على أمر محظور كأن يحالفوهم على أخذ أموال المسلمين والتحكم عليهم فهذه معصية بلا إشكال وكذلك إن كانت بمعنى أن يظهر سر المسلمين ويحب سلامة الكافرين لا لكفرهم، بل ليدلهم عليه أو لقرابة أو نحو ذلك فهذا معصية بلا إشكال، لكن لا تبلغ لحد الكفر، لأنه لم يروا أن رسول الله ﷺ حكم بكفر حاطب بن أبي بلتعة» (٤).

 قال القاسمي: إن الذي يوجب الكفر من الموالاة أن يكون من الموالي الرضا بالكفر، والذي يوجب الفسق هو أن يحصل الرضا بالفسق (٥).

 وقال الشيخ محمد رشيد رضا: «إن المحظور في باب الولاية أن يوالي نفـــــرًا من المسلمين، اليهود والنصارى ويتعاهدوا على التناصر معهم من دون المؤمنين، أو يوالوا منهم بالتحدث معهم وصد باقي المسلمين، أما ما يكون من التحالف مع غير المسلمين لأجل مصلحة للمؤمنين أو دفع ضرر عنهم فهو موضع اجتهاد والجمهور، والعلماء يجيزونه» (٦).

المواطنة والمواطن

لقد جبل الإنسان على حب نفسه والمحافظة عليها كما جبل على حب العائلة التي ينتسب إليها ومنها خرج إلى الحياة الاجتماعية فهي مهد الإنسانية الأولى وبانتشار الناس في الكرة الأرضية وتكوين كل مجموعة متجانسة مجتمعًا يعيشون فيه انتقل الأشخاص من دائرة العائلة والقبيلة إلى دائرة المجتمع لهذا كان لأفراد هذا المجتمع انتماء إليه بجانب انتمائهم إلى العائلة، وهذا الانتماء برتب واجبات وينشئ ولاء لهذا المجتمع ويعرف هذا بالمواطنة.

فالمواطن هو الشخص الذي ينتمي بنشأته وتقاليده إلى وطن معين وبذلك يصبح مواطنًا طبقًا لقانون الجنسية في هذا البلد، ولكن المواطنة أكثر شمولًا من مفهوم الجنسية التي لا توجد إلا مع وجود دولة أصدرت قانونًا للجنسية يحدد العلاقة بين الدولة والأفراد.

والمواطنة علاقة سابقة على وجود الدولة وعلى وجود قانون للجنسية، وهي أعمق وأشمل من الجنسية فقد تمنح الحكومة جنسية الدولة الشخص لم يكن مواطنًا في هذه الدولة ويحتفظ بجنسيته الأصلية.

الوطن في الإسلام

لقد أدى ظهور مصطلح الوطنية والقومية إلى التساؤل عن موقف الإسلام من ذلك. إن أقصى ما يهدف إليه دعاة الوطنية هو حب الوطن والدفاع عنه وذلك قد فطرت عليه النفس وأمر به الإسلام، فالنبي ﷺ قد قال عن موطنه مكة: «ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك». (۷)

وأقصى ما يهدف إليه دعاة القومية هو الاهتمام بعشيرة الإنسان وقومه والذود عنهم. 

وكل ذلك قد أمر به الإسلام وحث عليه فقد جعل الله من درجات الإيمان ونيل درجة الشهيد أن يدافع الإنسان عن وطنه ويفديهم بالنفس والمال، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (النساء: ٧٥).

كما روى أبو داود والترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد».

في المفهوم الإسلامي لا يوجد تعارض بين انتماء الفرد لدينه وأسرته ووطنه وقومه، كما لا تعارض بين الروابط التي تربط الشخص بزوجته وأولاده ووالديه.

الهوامش:

(۱) تفسير القرطبي 6/179.

(۲) تفسير المنار: 6/140-٤٣١.

(۳) مجموعة من التفاسير: 2/300.

(٤ و5) محاسن التأويل القاسمي:4/ 80، 81، 82.

 (6) تفسير المنار ١٦ ص ۸۱ و ۸۲.

(۷) رواه أحمد في المسند/ ج4 ص ٣٠٥، والترمذي ج ص ۷۲۲. الحديث ۳٩٢٦ وابن ماجه ج۲  ص ۱۰۳۷.

الرابط المختصر :