العنوان الولايات المتحدة أساءت استعمال نفوذها لفرض العولمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1998
مشاهدات 65
نشر في العدد 1322
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 20-أكتوبر-1998
- معظم الدول العربية نجت من الآثار المباشرة للأزمة الاقتصادية لقلة نصيبها من الاستثمارات الخارجية
- تراجع أسعار النفط يدفع الدول العربية لفتح الأسواق أمام القطاع الخاص المحلي والأجنبي.. مما يجعلها عرضة للتأثر بأي أزمة قادمة
- كارثة اقتصادية كادت تحيق بالولايات المتحدة.. خسائر بورصة وول ستريت وحدها ٣ تريليونات دولار. بورصة لندن ٧٠ مليار.. ألمانيا ٣٣ مليار.. البرازيل ٢٠ مليار!
بدأت الأزمة الاقتصادية العالمية - كما أضحت تسمى اليوم . قبل 15 شهرًا في دولة صغيرة جنوب شرقي آسيا، ولكن فداحة الآثار السلبية للأزمة التي سعى الغرب إلى التقليل من أهميتها في البداية، بدأت تتضح بعد أكثر من عام مع مخاوف من خروجها عن السيطرة، حيث لم يعد بوسع الاقتصاديين، والمحللين الأوروبيين والأمريكيين تجاهل النتائج المرشحة لمضاعفات أكبر.
ففي صيف عام ١٩٩٧م، وبالتحديد في الثاني من يوليو انتهت مشکلات اقتصادية عانت منها تایلند زمنًا إلى فك ارتباط البات بالدولار وخفض قيمته، وذلك نتيجة لانهيار القطاع المصرفي الذي دأب على منح القروض للقطاع الخاص دون قيود، وخلال فترة وجيزة، انتقل الانهيار إلى الرينجيت الماليزي، والبيزو الفلبيني والروبية الإندونيسية، ثم إلى عملتي: كوريا الجنوبية، وسنغافورة، بدرجات متفاوتة، وهونج كونج - التي حافظت حتى الآن . على سعر الصرف فيها، ونجت الصين الشعبية من حملات المضاربين لعدم انفتاح أسواقها المالية. ولكن الأزمة مع توسعها لم تعد جنوب شرق آسيوية فحسب، بل زادت في ركود الاقتصاد الياباني الأسوأ منذ عشرة أعوام، ولعبت دورًا مهمًا في ضرب الاقتصاد الروسي المتداعي أساسًا.
أسباب الأزمة تكمن في الرأسمالية
لم يكن ما حدث في هذه البلدان في وقت أشبه بغمضة العين بالنسبة للعالم سوى نتيجة ممكنة الحدوث في نظام رأسمالي (ربوي) يقوم لبه على «الفائدة»، إذ إنه في ظل انتشار نظام العولمة السريع، أخذت المصارف الاستثمارية تعرض القروض على شركات وأصحاب أعمال لم يفكروا يوما في الاقتراض، وأقنعت المصارف هؤلاء أن العولمة تعني التوسع، وبالتالي فإن الأعمال الصغيرة ستطحن، ولا بد للبقاء من الاقتراض للتوسع إلى مستويات مرموقة.
غير أن المستثمرين كانوا يبغون من وراء هذا التسليف عائدًا مرتفعًا من غير مخاطرة، ومع ظهور بوادر الأزمة المالية أخذ أصحاب السندات يبيعونها، وانهارت الأسواق، ووضعت العوائد على السندات بالأسعار المتدهورة الشركات أو الدول الصغيرة في وضع يكاد يستحيل معه الاقتراض مرة أخرى عند استحقاق السندات السابقة، عكس ما كانت تخطط له هذه الدول التي اعتمدت على دفع الفائدة دون أساس القرض واستندت إلى إمكانية سداد أصل الدين عند استحقاقه بقرض جديد تدفع فوائده وهكذا، أي أن القرض أصبح جزءًا أساسيًا في التركيبة الاقتصادية.
ومع تزايد مخاوف المستثمرين من الخسارة نزحت الرساميل بسرعة عن الدول الآسيوية والأمريكية اللاتينية التي لعبت الدور الأساسي في دفع عجلة النمو الذي عرفه العالم منذ منتصف التسعينيات وتوقفت دول مثل ماليزيا وروسيا عن السير في نظام حرية السوق، وانتقال الرساميل وجمدت دفع ديونها، فيما اضطرت هونج كونج إلى التدخل في السوق لحماية أسهم الشركات فضلًا عن قيمة عملتها.
وتشبه هذه الأوضاع ما حدث في أواخر العشرينيات، وأوائل الثلاثينيات من هذا القرن في فترة «الكساد العظيم»، إذ اضطرت الدول الأوروبية في حينها إلى تقييد حرية انتقال الرساميل وجمدت دفع الديون ومارست حماية تجارية عرقلت احتمالات النمو.
ويقول الخبيران - إيان هارورد و دیلان رايس- من قسم الأبحاث في مصرف «كلاينفرت بنسون» في لندن إنه يبدو أن صندوق النقد الدولي لم يستفد من تجربة كساد الثلاثينيات، حيث فرض إجراءات على الدول الآسيوية، جعلت اقتصاداتها تنكمش بسرعة من ذلك رفع الفائدة كثيرًا لحماية سعر الصرف والحفاظ على ثقة المستثمرين وفشل في الحالتين.
ولكن لماذا لجأ صندوق النقد الدولي إلى ذلك؟
يقول الخبير المصرفي والمستشار لدى محافظ استثمارية في لندن حسن الخليل: إن الولايات المتحدة سعت إلى فرض العولمة على طريقتها وبمفهومها لغرض تخفيف الضغط عنها، لإنقاذ العالم الثالث واعتقدت أن العولمة تساعد على دخول الرساميل إلى الأسواق والاقتصادات المحتاجة ما يحسن دخل الفرد والمستوى المعيشي، ومن ثم استخدمت الولايات المتحدة نفوذها في صندوق النقد الدولي لفرض مبدأ العولمة، وأصبح واضحًا اليوم أنها أساءت استعمال هذا النفوذ عن طريق معاقبة من لا يلتحق بالعولمة، وتطبيق مطالب صندوق النقد معتبرة أن العولمة ستحل مشكلة انتقال التكنولوجيا، ومعالجة البطالة والفقر تلقائيًا.
بيد أن النتيجة كانت كارثة اقتصادية تكاد تلحق بالولايات المتحدة نفسها، لأن بورصة وول ستريت في نيويورك وحدها خسرت 3 تريليونات دولار خلال الأزمة الأخيرة بينما خسرت بورصة لندن 70 مليارًا، والبورصة الألمانية 33 مليار دولار. واضطر ألن جرينسبان - رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي - إلى التسليم أخيرًا بأن من الخطأ الاعتقاد أن الولايات المتحدة تعيش في معزل أي أنها ستتأثر بالاضطرابات المالية التي تحدث في باقي أنحاء العالم، وكان جرينسبان قد أحجم عن الإدلاء بمثل هذا الاعتراف على مدى أكثر من عام، لأنه كان يدرك تمامًا أنه قد يقلب الأوضاع رأسًا على عقب ويحول الانتعاش الأمريكي في التسعينيات إلى كساد، أو ربما انهيار شامل.
واعترف مسؤول أمريكي كبير مؤخرًا أن حجم التدهور كان أعظم بكثير من كل التوقعات، كما أن بیان مجموعة الدول الصناعية السبع قال إنه في
ضوء الضغوط الاستثنائية في الأسواق المالية، والاحتمالات المتدهورة للنمو في العديد من أنحاء العالم يفوق خطر التباطؤ في الاقتصاد العالمي خطر التضخم بكثير.
وسعت الولايات المتحدة إلى الحد من آثار الأزمة في مناطق الخلل تحسبًا لانتقال عدواها إلى أماكن أخرى، فقد قدمت دعمًا كبيرًا للبلدان المتأثرة من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين منذ بداية الأزمة، كما عمل جرينسبان على شراء ما قيمته مليارًا دولار من العملة - الين الياباني - في محاولة لإنعاش الاقتصاد الياباني مفتاح الانتعاش في باقي الدول الآسيوية. ولم تفلح هذه المحاولة كثيرًا لأن مشكلات الاقتصاد الياباني كانت أكبر من ذلك. أن التباطؤ في الاقتصاد الياباني الذي يعد ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم انعكس سلبًا على الدول المنتجة للنفط وعلى رأسها الدول العربية.
تدهور الأسعار: شهدت أسواق النفط انهيارًا في الأسعار التي تأرجحت بين ۱۲ وأقل من ١٥ دولارًا للبرميل الواحد خلال الأشهر القليلة الماضية، على الرغم من التزام معظم أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط، أوبك بخفض الإنتاج بمقدار ٢,٦ مليون طن حتى نهاية العام الجاري بعد أن كانت المنظمة قررت رفع الإنتاج أواخر العام الماضي.
وأثر انخفاض سعر النفط على قدرة الدول العربية على النمو، وفقدت هذه الدول أحد أهم مصادر الدخل وواجهت المشروعات التنموية الحيوية مشكلات على صعيد التمويل، ومن شأن ذلك كله خفض مستويات النمو التي شهدت معدلات عالية وجيدة خلال الأعوام الماضية، ولكن الخبراء يتوقعون أن يتراجع هذا المعدل بنسب قد تصل إلى هذا العام قياسًا بمثيله العام الماضي.
كما يعاني الإنفاق الجاري في هذه البلدان من شح الموارد، ويقول الدكتور حسن المصري: إن هذه الدول بعدما قطعت شوطًا معقولًا في مجال الإصلاحات الاقتصادية دفعتها طفرة ارتفاع الأسعار التي أصابت سوق النفط عام ١٩٩٥م، إلى اتخاذ قرار متسرع بتأجيل استكمال السير في هذا الطريق، ظنًا منها أن الظروف التي دفعتها إلى الإقدام على هذه الخطوة قد ولت إلى غير رجعة.
ولكن هذه الدول مضطرة الآن بسبب ما تعانيه السوق من تدهور متواصل في أسعار النفط إلى استكمال هذه الإصلاحات بكل السبل لأنه بحلول عام ٢٠٠٥م، ستخضع دول العالم التي انضمت إلى منظمة التجارة العالمية والتي لم تنضم إليها إلى سياسات السوق الحرة، ومعاملات التبادل التجاري المفتوح للسلع والخدمات، كما تحدده اتفاقية هذه المنظمة التي انضم إليها، حتى الآن حوالي 135 دولة، ولعل معظم الدول العربية نجت بالفعل من الآثار المباشرة للأزمة الاقتصادية العالمية، كونها لم تحظ بنصيب وافر من الاستثمارات الخارجية المباشرة، وحافظت على أسواقها، ولكن تراجع الدخل النفطي يدفعها باتجاه فتح الباب أمام القطاع الخاص المحلي والأجنبي للمساهمة في مشروعات التنمية التي لم تعد الحكومات قادرة على دعمها، كما كان الحال في السابق، وذلك يجعلها عرضة للتأثر بأي أزمات قادمة.
روسيا وأمريكا اللاتينية ... امتدادات متوقعة
تفاقمت الأزمة في روسيا خلال أغسطس الماضي، عندما اضطرت الحكومة الروسية، والمصرف المركزي أمام عجزهما عن الوفاء بالتزاماتهما المالية الداخلية والخارجية إلى تخفيض قيمة الرويل وتجميد سداد الديون الخارجية لمدة ٩٠ يومًا، وإعادة جدولة الديون الداخلية وتغيرت الحكومة الروسية نتيجة لذلك، ولا ريب في أن تراجع أسعار النفط ساهم في زيادة حدة الأزمة الروسية.
ويقول الملياردير اليهودي الأمريكي جورج سوروس - المعروف بمضارباته الكبيرة - الذي حدد حمل بعضهم وبالذات رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد جانبًا من المسؤولية عن الانهيارات الآسيوية.
بعد نقل نشاطه إلى موسكو إن الأسواق الروسية وصلت إلى النهاية، ولا اتجاه لديها دون توافر احترامي راعي جديد بقيمة خمسين مليار دولار». وحث على ربط سعر الرويل بعملة أجنبية كالدولار أو اليورو (العملة الأوروبية الموحدة).
وعلى الرغم من أن حجم الاقتصاد الروسي لا يوازي حجم اقتصاد ولاية أمريكية واحدة، إلا أن انهياره – ولا سيما بعد الذي حدث في آسيا - نقل عدوى فقدان الثقة إلى أسواق المال في اقتصادات سليمة في أمريكا اللاتينية، وبالنتيجة انخفضت أسعار الأوراق المالية من أسهم وسندات بنسبة تزيد على 50% وفي بعض الحالات 70% كما حدث في فنزويلا، علمًا بأن أمريكا اللاتينية مؤلفة من كتلة شكلت جانبًا لاستثمارات خارجية ضخمة ولا سيما من الولايات المتحدة وأوروبا ساعدتها على تحسين إنتاجها حتى غدت أكبر مجموعة إنتاجية بعد مجموعة الدول السبع، إذ إن البرازيل على سبيل المثال تعد ثامن أكبر اقتصاد في العالم.
ولكن البرازيل نفسها تقف اليوم على المحك ويرى المحللون الغربيون أنه يجب المحافظة على الاستقرار المالي في البرازيل، وعدم دفعها إلى خفض عملتها، ووضع قيود على تحويل العملات الأجنبية، ذلك أنها خسرت نحو 20 مليار دولار أخيرًا بمعدل مليار دولار يوميًا نتيجة خروج الرساميل منها خوفًا من أزمة مالية محتملة وانخفض احتياطيها من العملات الصعبة إلى ما دون 50 مليار دولار بعد أن بلغ 76 مليارًا.
مستقبل النظام الرأسمالي
تعيد الأزمة الاقتصادية العالمية فتح باب التساؤل مجددًا حول جدوى النظام الرأسمالي، واعتماد السوق الحرة ولا سيما مع اقتراب سریان اتفاقات منظمة التجارة العالمية الذي لم يبق على تطبيقه على مستوى العالم سوى 6 أعوام، فالاقتصادات التي فتحت أبوابها للاستثمارات الخارجية أصيبت بنكسة قوية يصعب النهوض منها خلال فترة قصيرة، في حين استطاعت الصين التي أبقت أبوابها مغلقة إلى حد كبير، الحفاظ على متانة نموها الاقتصادي الذي يفترض أن يبلغ 8% العام الجاري وهي نسبة عالية وسط الأزمة التي تكتسح العالم، كما أكدت بكين مجددًا أنها لن تخفض من قيمة عملتها .
وتكمن مشكلة العولمة في صعوبة احتواء الأزمة حين اندلاعها في أي ركن قصي من أركان العالم لأن التدهور في الدول المنتجة للمواد الأولية سيؤثر على إنتاجها، وبالتالي على الدول التي تعتمد عليها، وفي حال أنتجت هذه المواد بأسعار أقل من مستواها الطبيعي تخسر الدولة التي تصدرها جزءًا من دخلها، ما يعني أن الدولة المصنعة لها لن تكون قادرة على إعادة بيعها بعد التصنيع إلى الدولة التي أنتجت المادة الأولية لضعف قدرتها الشرائية.
وتدور الاقتراحات الحالية بشأن مستقبل الرأسمالية حول ضرورة احتواء الأزمة إلى أن يتم إيجاد نظام مالي جديد كبديل عن نظام السوق الحالي، ومن الاقتراحات الصادرة في هذا الإطار ما جاء على لسان دومينيك شتراوس - وزير المال الفرنسي - وأوسكار لافونتين - المرشح لمنصب وزير المال في ألمانيا - اللذين أشارا إلى أن الأزمة الحالية دلت على أنه ليس من السهل اعتماد اقتصاد السوق بسرعة، وأن محاولات روسيا وكوريا وتايلند وماليزيا، كانت كمن يحاول السباحة في بركة ماء بارد جدًّا، ومن الأفضل اعتماد التحول المنظم مع التركيز على الإصلاح والشفافية والمعلوماتية ويتفق الخبراء اليوم على أن تحرير الأسواق السابق لأوانه لعب دورًا مهمًا في الانهيار الحالي، لأن التحرير سمح لدول وشركات بالاقتراض المفتوح، وبدخول الرساميل بسرعة وخروجها بالسرعة نفسها.
ولكن هؤلاء الخبراء يحذرون من أن الانغلاق الكامل لا يشكل حلًا مثله مثل الانفتاح الكامل، كما أن اللجوء إلى إجراءات فورية لرفع القوائم بهدف الحد من هبوط العملة، أو خروج الرساميل قد يتسبب في ضرر قوي على المدى البعيد، ولو ساهم مرحليًا في تجميد الوضع، ومن ثم فعلى الدول إدارة عملية انكماشها، والعودة إلى داخل حدودها بطريقة سلمية من خلال الخفض التدريجي للعجز في الموازنة السنوية، والحد من الاقتراض الخارجي إلى أن يتم تخفيض الدين العام، وقد تتصاحب هذه الإجراءات مع ركود نسبي يمكن إدارته، ويقول حسن الخليل إنه بذلك يمكن الحفاظ على النظام الرأسمالي في شكل نسبي، لأنه من الصعب إذا فشلت الرأسمالية بعد انهيار الشيوعية إيجاد بديل سريع، ولكن ذلك سيظل علاجًا مؤقتًا. وستظل الرأسمالية بعيوبها الجوهرية، وأهمها الاعتماد على النظام الربوي سببًا لمزيد من الأزمات العالمية .
الفساد والرشاوى تنخر في الاقتصاد الدولي
مع وصول الأزمة المالية التي اجتاحت الأسواق الأسيوية منذ أكثر من عام إلى اليابان - والتي أدت إلى انخفاض قيمة العملة اليابانية - (الين) لأدنى مستوى لها منذ ثماني سنوات، ونظرًا لأن الاقتصاد الياباني يعتبر ثاني أقوى اقتصاد بعد اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية - فإن الأزمة الآسيوية تكون قد دخلت مرحلة جديدة .
هي أخطر بكثير من المرحلة الأولى لأنها تعني ببساطة - بعدما بدأت تأثيراتها على الصين وروسيا - سهولة انتقالها إلى الولايات المتحدة وبالتالي إلى الاتحاد الأوروبي مما يعني انهيار النظام الاقتصادي العالمي الحالي .
ويسيطر القلق على معظم الخبراء الاقتصاديين من توالي عمليات الانهيار الاقتصادي على الصعيد العالمي، فخبراء صندوق النقد والبنك الدوليين يحذرون من أن الأزمة ستستمر طويلا، ويؤكدون أنه على الرغم من مرور أكثر من عام على الأزمة الآسيوية فإنه لا تبدو في الأفق أي دلائل على أن الأزمة قد انتهت بل إن الخبراء يتوقعون استمرار الأزمة لفترة طويلة مقبلة بالرغم من الإجراءات الواسعة التي اتخذتها دول المنطقة، ويدللون على ذلك بانتقال الأزمة إلى دول كبرى أخرى لها دور رئيس في الاستقرار الاقتصادي العالمي، ويقولون: أما وقد انتقلت الأزمة إلى اليابان فإن الاقتصادي العالمي أصبح مهددًا ولم يعد من السهولة التكهن بنتائج الانهيارات المقبلة أو الخسائر التي قد تنتج عنها، ومع اعتراف عمار باتاشاريا - المستشار في البنك الدولي - بأن الأزمة الآسيوية كشفت خللا في النظام النقدي والمصرفي في الدول الآسيوية، فإن خبراء آخرين يؤكدون أن الخلل ليس في النظام النقدي الآسيوي فحسب بل في النظام الاقتصادي العالمي الذي أتى الفساد على قواعده وبخاصة في قطاع الاستشارات وذلك على أيدي الشركات الكبرى، وهو ما تؤكده دراسات أعدتها جامعة هارفارد الأمريكية من أن هناك علاقات مباشرة بين انتشار الفساد في أي دولة نامية وبين حجم تدفقات الاستثمارات الأجنبية إليها، وأشارت الدراسة إلى دور الشركات الأجنبية في تشجيع الفساد في البلدان المضيفة للاستثمار.
ولعل السرعة التي اكتسبها إيقاع الأزمة التي ضربت اليابان وبدأت الآن تعصف بروسيا وتهب على الصين سلطت الضوء مرة أخرى وربما بشكل أوضح من السابق على الفساد كأحد الأسباب الرئيسة للزلزال المخيف الذي ضرب آسيا.
والاعتقاد السائد حتى وقت قريب هو أن الدول الكبرى والقوية التي تتمتع بقدر معين من الشفافية ستكون بمنأى عن الهزات الاقتصادية.
لكن الذي حدث يؤكد عكس ذلك فالأزمات وصلت إلى الدول القوية والتي تتمتع بقدر من الشفافية التي يتحدث عنها صندوق النقد الدولي ولعل حجم القلق الذي يبديه خبراء الاقتصاد في البنك والصندوق الدوليين إنما يسبب الأخطار التي تهدد اقتصادات الدول الكبرى وليس اقتصادات الدول النامية والفقيرة، وبالتالي بنيان الاقتصاد العالمي ككل مع بداية انطلاق عصر العولمة والأحلام الوردية التي رسمها صناع القرار الاقتصادي للسيطرة على الاقتصاد العالمي. غير مكترثين حتى بالتحذيرات التي أطلقها أولئك المشاركون في صياغة العالم اقتصاديًا ومن هؤلاء رئيس البنك الدولي «جيمس ولفنسون»، الذي حذر ومنذ أكثر من عام من أخطار الفساد ليس على الدول الفقيرة فحسب بل على الدول الصناعية، ومما قاله: «ليس ثمة شك في أن الفساد ينسف جهود الجميع في مختلف أنحاء العالم في تحسين مستوى معيشتهم ونوعية حياتهم كما يؤثر الفساد سلبًا على الاستقرار الاقتصادي للدولة ويعرقل مجرد التفكير في المشروعات الاستثمارية، فهو مشكلة قديمة ومرض يصيب الدول الصناعية والبلدان النامية على السواء.
لكن ماذا سيكون التصرف إذا كان البنك الدولي نفسه هو ساحة للفساد فقد كشف التقرير الذي أعده رئيس البنك الدولي ولنفسون أن الشركات الاستشارية هي الملعب الكبير للفساد والذي ينمو بمعدلات سريعة داخل البنك الدولي نفسه، وقال إن قيمة العقود الصغيرة التي تم إبرامها منذ أواخر الثمانينيات مثل العقود الاستشارية وبرامج المساعدات التقنية والصحة العامة والتعليم وضمانات المخاطر الجزئية لم تستوف الشروط المطلوبة، كما أن قيمتها بلغت نحو 7 مليارات دولار سنويًا يذهب مليار دولار منها کأتعاب لأعمال استشارية تقوم بها البنوك وشركات المحاسبة، ويضيف ولنفسون أن قسمًا من هذه العقود تفرضها الدول المانحة وبخاصة في ظل تقديم المعونات الثنائية.
ومع غياب الإحصاءات الدقيقة لحجم ظاهرة الفساد على المستوى العالمي إلا أن بروز بعض الأرقام بين فترة وأخرى يؤكد على استفحال الظاهرة وخطورتها على بنيان هذا الاقتصاد، فعلى سبيل المثال يقول البنك الدولي إنه إذا كان حجم الرشوة (5% سنويا على جميع الاستثمارات الأجنبية المباشرة والواردات المتجهة إلى الدول المشهورة بالفساد فإن إجمالي الرشاوى يكون ٨٩ مليار دولار سنويا.
وتورد صحيفة «هيرالد تربیون» مثالًا آخر، فتقول إنه بينما بلغ اجمالي القروض الخارجية لروسيا 99 مليار دولار فإن 103 مليارات دولار نقدًا تسربت إلى خارج البلاد.
ما يمكن قوله إن أي أزمة اقتصادية تصيب دولة من الدول سوف تترك تأثيرات بحسب قوة اقتصاد هذه الدولة ومع وصول الأزمة إلى اليابان فقد أصبحت الأزمة الآسيوية بعدًا دوليًا خطيرًا يصعب التكهن بنتائج عمقه.. وهو ما يؤكده نوربرت فالتر مدير قسم الاقتصاد في البنك المركزي الألماني، بقوله: إن احتمال وصول الأزمة إلى نيويورك عبر بكين ومن هناك إلى أوروبا أصبح ممكنًا أكثر من أي وقت مضى إلا إذا حدثت معجزة.