العنوان الولايات المتحدة تنظر بقلق إلى توجهات تركيا الإسلامية
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996
مشاهدات 48
نشر في العدد 1208
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 16-يوليو-1996
تعاملت وسائل الإعلام الأمريكية مع حدث صعود «نجم الدين أربكان» زعيم حزب الرفاه الإسلامي ونجاحه بتشكيل ائتلاف حكومي مع حزب الطريق القويم، برئاسته بتجاهل غريب في الوقت الذي لازالت تمتلأ صفحات الصحف والمجلات الأمريكية بالأخبار والتحليلات عن الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وكذلك بالتغطيات والتناولات الموسعة للحملات الانتخابية في روسيا الاتحادية.
وإذا ما حاول المرء أن يتفهم أسباب غياب الاهتمام الإعلامي بهذا الحدث رغم ضخامته -كونه يمثل عودة الإسلام رسميًا إلى تركيا بعد انقطاع دام لأكثر من سبعة عقود- فإنه لن يجد تفسيرًا مريحًا لذلك، إذ يبدو الأمر - فعلًا - لغزًا محيرًا لسبب ما، عودتنا عليه تلك الوسائل عندما يتعلق الأمر بحدث إسلامي له ذيول تقع ضمن إطار «إكليشيهات» الأصولية أو التطرف والإرهاب.
لقد سبق أن شغلتنا تلك وسائل الإعلام الأمريكية بالحديث عن الظاهرة الإسلامية ومخاوف نجاحها في الوصول إلى السلطة، وامتلأت أعمدة الصحف والمجلات بالتحريض والتحذير لقطع الطريق على الإسلاميين وعدم التمكين لهم بالحكم، وقد لاقت حملات التشويه تلك نجاحات لها في العديد من الأقطار العربية، حيث تعطلت العملية الديمقراطية وحدثت تعديات على الحقوق السياسية والإنسانية للإسلاميين والغرب، وخاصة أمريكا لم تحرك ساكنًا للامتعاض أو الاحتجاج، وهي التي أطلقت شعارات دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وإذا نظرنا إلى حزب الرفاه الإسلامي فإننا نجد أن الحزب قد استفاد من تجارب الآخرين، وبالتالي خرج عن مألوف الظاهرة الإسلامية عندما قام بالتحالف والائتلاف مع حزب الطريق القويم العلماني برئاسة «تانسو تشيللر»، لذلك فإن المرونة والانفتاح أو البرغماتية -حسب التعبير الغربي- التي أظهرها الإسلاميون في تعاملهم مع خصومهم السياسيين، وكذلك لغة الخطاب المتوازن والمتعقل والمتفهم لمعادلات السياسة المحلية والإقليمية والدولية، هي وضعية جديدة يبدو أن المحللين السياسيين والإعلاميين في الغرب لم يعهدوها أو يستوعبوها بعد، ومن هنا تعطلت لغة الكلام انتظارًا لحدوث متغيرات أو تطورات مفاجئة داخل تركيا العلمانية رسميًا.
عندما زار نجم الدين «أربكان» العاصمة الأمريكية واشنطن العام الماضي، كانت وسائل الإعلام التركية تلاحقه من مكان إلى مكان وبالطبع، فإن الصحافة الأمريكية لم تغفل عن متابعة تحركاته كذلك، وحيث إن الرجل اعتاد التحدث عن طموحاته في رؤية العالم الإسلامي أمة واحدة متماسكة لها هيئتها الدولية ويجمعها حلف دفاعي إسلامي، ولها سوق إسلامية مشتركة وعملة واحدة كمتطلبات لقيام كيان إسلامي عالمي غير خاضع لاستعماريات الغرب ودوائر هيمنته المتعددة، لذلك فالرجل يشكل فزاعة حقيقية للغرب، ولقد سمعت الكثير من صانعي السياسة في الولايات المتحدة يتحدثون ويتساءلون في الوقت ذاته عن خطورة «أربكان» على استراتيجية الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، فالرجل دائم التحدث عن إمكانيات إنشاء كومنولث إسلامي أشبه بالاتحاد الأوروبي يتمتع مواطنوه بحرية التنقل والتجارة بعيدًا عن احتكارات الغرب وأسواقه، كما أن طموحاته بالاستقلال بالأمة الإسلامية وإمكانياتها المادية والحضارية تلقى استجابة متعاظمة لدى جماهير وقيادات العمل الإسلامي في كل مكان.
لا شك أن حسابات الولايات المتحدة في الحفاظ على تركيا حليفًا استراتيجيًا لها بالمنطقة هي من الضخامة بمكان خاصة في إطار سياسة الاحتواء المزدوج لتطويق قدرات العراق وإيران وشل إمكانيات قيام أي تهديد لجغرافيا مصالحها الحيوية بالخليج، ولما كانت هذه الاستراتيجية قائمة على اعتبارات وجود العلمانية التركية في الحكم، فإن حدوث أي تغيير في اتجاه« الإسلامية»، معناه إمكانية حصول تغيير في منظومة التحالف والأولويات لسياسات تركيا الإقليمية والدولية، وبالتالي إضعاف قدرات الولايات المتحدة بالتحكم بالمنطقة، وتراخي قبضتها على شريان النفط الحيوي فيها، واحتمال تراجع قيادتها العالمية، وتداعي هيبة حمايتها للدولة العبرية والعديد من الرسميات العربية، ولقد وجدت هذه المخاوف طريقها إلى دوائر القرار السياسي في الولايات المتحدة، ولكن يبدو أن الرهان على قوة العسكريين باعتبارهم حماة الكمالية (العلمانية) في تركيا لازال يمثل مظلة التطمينات المريحة للغرب.
لقد أعرب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية «نيكلوس ببرنز» عن ارتياح الولايات المتحدة لانتهاء حالة التقلب السياسي داخل تركيا والتي استمرت تسعة شهور، وقال: «إن بلاده بانتظار التصديق على الحكومة الجديدة بالبرلمان، قبل أن تبدأ سلسلة من الحوارات المعمقة للتعرف على اتجاهات السياسة القادمة لحكومة «أربكان»، وخاصة ما يتعلق فيها بحلف الناتو ودور تركيا المهم فيه. (واشنطن تايمز 1996/7/2م)
لا شك أن أمريكا لا ترغب في تكرار سيناريو الجزائر، ولكنها في الوقت نفسه لن تنتظر أن يقتلع الإسلاميون كل ما زرعته من مرتكزات استراتيجية لها بالشرق منذ الأربعينيات والخيار الأفضل هو الانتظار بأمل إمكانية تطويع الإسلاميين والالتقاء معهم في منتصف الطريق، وهذا ما سنتناوله في تحليلات وحوارات قادمة.