; الولايات المتحدة هي التي صنعت الفوضى في الصومال | مجلة المجتمع

العنوان الولايات المتحدة هي التي صنعت الفوضى في الصومال

الكاتب جمال خطاب

تاريخ النشر السبت 28-أبريل-2007

مشاهدات 63

نشر في العدد 1749

نشر في الصفحة 27

السبت 28-أبريل-2007

وسائل الإعلام التي تنقل التطورات العالمية عبر البحار قلما تغوص إلى أسبابها الخفية، وهذا غالبًا ما يعفي الحكومة الأمريكية من اللوم. والعنف القاتل في الصومال يقدم لنا مثالًا كلاسيكيًا لذلك. فلقد ركزت وسائل الإعلام الأمريكية على ارتفاع أسهم الإسلاميين في الصومال وأخفت مساندة أمريكا للغزو الإثيوبي للصومال بحجة مساعدة الحكومة الانتقالية ضد الإسلاميين.

وكان على أجهزة الإعلام الأمريكية أن تركز على أحد أهم الأسباب الرئيسة للفوضى في الصومال وهو تدخل الحكومة الأمريكية. والواقع أن حكومة بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر قد خشيت من غياب حكومة قوية في "الدولة الساقطة الصغيرة في شرق إفريقيا، وهي أصغر قليلًا من ولاية تكساس، حتى لا تتحول إلى مأوى للإرهابيين، ونسيت إدارة بوش حقيقة مهمة وهي أن الدول الأخرى ذات الحكومات الضعيفة لم تتحول إلى ملاجئ للإرهابيين، وحتى لو تحولت الصومال إلى جيب للإرهابيين، فكيف ستتمكن من مهاجمة الولايات المتحدة البعيدة وخصوصًا إذا غابت الاستفزازات الأمريكية؟!

خطايا السياسات الأمريكية

ونتيجة لخوف الإدارة الأمريكية غير المبرر بدأت بتأييد لوردات الحرب المكروهين في أمة مزقتها الحرب، وكانت هذه هي البداية الحقيقية للمتاعب.

ولم يكن الإسلاميون الراديكاليون ليحظوا بما حظوا من شعبية لولا إدراك الشعب الصومالي بأن هناك قوى خارجية تدعم الفساد من خلال قطاع الطرق وزعماء وأمراء الحرب الفاسدين. هنا تفاقمت شعبية الحركة الإسلامية لتجتاح معظم الصومال، والأمر باختصار أنه لم تكن هناك مشكلة مع الإسلاميين في الصومال، ولكن الإدارة الأمريكية خلقت المشكلة.

وهذه ليست هي المرة الأولى، بل النموذج الثالث للنتائج العسكرية التي تنتج عن سياسة الإدارة الأمريكية، ففي الثمانينيات، على سبيل المثال، أيدت الإدارة الأمريكية الإسلاميين الراديكاليين والمجاهدين في محاربة السوفييت المحتلين لأفغانستان آنذاك، لكونهم كفرة يحتلون بلاد المسلمين. والآن، انقلب السحر على الساحر لتحارب القاعدة الوجود الأمريكي المسلح الكافر في الخليج. 

والتاريخ يقدم لنا نموذجًا آخر في العراق، حيث بررت إدارة بوش غزوها للعراق جزئيًا بوجود صلة بين القاعدة وصدام حسين السفاح بحق. لكنه لم يكن يشكل خطرًا أو يشن هجمات على أمريكا، والعراق الآن، حيث لم يكن يوجد لنا أعداء من الإسلاميين أصبحت مليئة بالإسلاميين المحاربين لنا.

الصومال، إذن، هي المثال الثالث، حيث خلقت الإدارة الأمريكية أعداء جددًا من الإسلاميين، لم يكونوا موجودين من قبل. صحيح أن الإدارة ساندت الغزو الإثيوبي وأضعفت الإسلاميين، ولكن الإسلاميين ما زالوا يقاتلون بشراسة للسيطرة على مقديشو، وكل ما يفعله الإسلاميون هو مواصلة القتال حتى إنهاك المحتل ومن ثم إجباره على الرحيل. وعندما يحدث ذلك سيصبح الإسلاميون هم القوة السياسية المسيطرة في الصومال، مستفيدين من مقاومتهم الوطنية للاحتلال الإثيوبي البغيض ومعاونيهم الأمريكان.

الولايات المتحدة تدعم الإثيوبيين المكروهين الذين يتزايد احتقارهم وكراهيتهم نتيجة لقصفهم العشوائي للمناطق المدنية في مقديشو، وهذه جرائم حرب حسب منظمات حقوق الإنسان. وعكس ما كان عليه الحال عندما كانوا يسيطرون على العاصمة، لا تستطيع الحكومة الانتقالية حفظ النظام وهذا يقوض مصداقيتها والدعم الشعبي الذي يمكن أن تحظى به. والنتيجة أن الصوماليين ينظرون نظرة طيبة إلى فترة حكم الإسلاميين ويتشوقون إلى عودتهم.

وهذا ما يمكن أن يحدث مثلما حدث لطالبان في أفغانستان، التي عادت بقوة بسبب الاحتلال الأجنبي المستمر لبلادهم، وسوف ترى عودة محتملة مماثلة للإسلاميين في الصومال. تجربة أمريكا في أفغانستان والعراق والصومال يجب أن يتعلم منها خبراء السياسة الخارجية، ويتعلم الرأي العام الأمريكي أن التدخل الأمريكي في الخارج خطر يأتي غالبًا بنتائج عكسية، ولكن الإعلام يساعد الحكومة الأمريكية على إخفاء هذه الإخفاقات السياسية بفشله في إظهار الأسباب الخفية للعنف، ممكنًا الإدارة الأمريكية من تكرار نفس الأخطاء مرات ومرات.

 

الرابط المختصر :