; الوهن والغثائية .. مسؤولية من؟ | مجلة المجتمع

العنوان الوهن والغثائية .. مسؤولية من؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2002

مشاهدات 95

نشر في العدد 1509

نشر في الصفحة 45

السبت 13-يوليو-2002

نهضات الأمم تحتاج إلى العزائم قبل المال، وقبل الكثرة وقبل الصناعات، فالعزائم تصنع المستحيل، فقد تكون الأمة فقيرة الموارد عديمة الصناعات قليلة العدد ولكنها تعرف كيف تقتنص النجوم وتربي العقول وتوحد الطاقات وتبعث العزائم، وتوقظ الغافين وتزرع المجد في تربتها، وتبني صروح العزة في دارها ودولتها والأمة الإسلامية خير من درس هذا وعايشه، وشاهد هذا وعاينه في بناء دولة الإسلام التي عزت أركانها وسمت جنباتها.

عن النعمان بن بشير قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ، يظل يتلوى ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه «والدقل هو رديء التمر»، وفي كثير من الأوقات ما كان عنده مصباح. وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أنها كانت تقول: والله يا بن أختي، إنا كنا ننتظر الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهله في شهرين وما يوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار، قلت: يا خالتي، فما كان يعيشكم؟، قالت: الأسودان: الماء والتمر وما أكل رسول الله ﷺ على خوان، ولم يأكل خبزًا مرققًا حتى مات، وما كان يبقى على مائدة رسول الله ﷺ شيء، وكان يؤثر على نفسه صلوات الله وسلامه عليه، ولو شاء رسول الله ﷺ له أن نشبع لشبعنا، ولكنه كان يعطي غيره ويواسي الناس ويحمل في سبيل الله، ويرعى الفقراء والمساكين.

كان ﷺ يبني أمة ويربي جيلًا، يعيش قدوة، ويسير في وسط الناس مثلًا كريمًا، إن الإنسان ليظل يعجب حتى ينتهي العجب، كيف استطاع الرسول الله ﷺ أن يخرج من أمة جاهلية وسط صحراء قاحلة هذه النماذج الفذة وهذه العزائم الصلبة التي أذهلت التاريخ وحيرت الألباب، وكيف استطاعت قرية صغيرة مثل المدينة المنورة أن تفتح العالم وتقلب موازين القوى في الدنيا، وتغير الأعراف والمفاهيم والثقافات والدكتاتوريات وتعبد الناس لله بدل عبادة الأوثان والأشخاص والشهوات والأهواء؟ وما ورثت ثقافة أمة، ولا نظام دولة قبلها أو جند عندها، أو خزائن بعدها، وما كان رسول الله ﷺ صاحب أموال أو ضياع وما كان أصحابه من ثراة القوم وأعلاهم كعبًا في الجاهلية والجزيرة؟ 

إنها العزائم التي قهرت الصعاب وتغلبت على العوائق، وعرفت كيف ترود نفسها وتجمع شملها وتحقق هدفها، وما كان ذلك إلا بجهاد وجهد وصراع وصبر وتحمل للشدائد وانتصار على الشهوات واستغلال للطاقات واستثمار للعقول، وإخراج ما فيها من إبداعات، ما كان ذلك إلا بعدالة وريادة، وقيادة وحنكة، وتربية وإعداد، فليست بالأماني الكذاب تسود الأمم أو ترتقي الشعوب أو تبنى الدول، وليست بأحلام اليقظة ينال الإنسان ما تمنى، وإن كان يملك أموال قارون أو جند ذي القرنين أو سطوة فارس والروم، وإنما بالجد والصدق والعمل والعزم، والداب والجهد والإيمان والكفاح، والصلاح والعدالة.

وقد نبهنا القرآن إلى ذلك في وسط صراع القوى، وتسابق العقائد فقال: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء:١٢٣) لقد كان هناك من يقول نحن أبناء الله وأحباؤه، وهناك من يقول ويقول، ولعل بعض المسلمين تراودهم الرغبة في النجاح والفلاح بغير عمل، فجاء النص ليرد هؤلاء وهؤلاء إلى العمل والعمل وحده لأن الحياة والنواميس لا تحابي أحدًا، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:٧-٨).

وأمة الإسلام اليوم في ميزان الأعمال، وفي مقاييس الإصلاح وفي معايير الكفاح.. هل تساوى شروي نقير، أو عقال بعير؟ لقد كان ﷺ يستعيد بالله من العجز والكسل والجبن والبخل وقهر الرجال، ليعلم الأمة أن ذلك من شرار الأمور التي ينبغي للمسلمين أن يحذروا منها خصوصًا إذا كانت الأمة في وفرة من الأموال والأولاد، وفي كثافة من السلاح والجند، والطاقات والخامات ولله در القائل:

ولم أر في عيوب الناس عيبًا *** كنقص القادرين على التمام

فعجز القادر، وكسل الواجد وصاحب الفرصة المواتية جريمة، ينبغي أن يحاسب عليها، إذا لم تحاسبه أمته وشعبه، حاسبته الأيام والليالي، وحاسبه أعداؤه والمتربصون به والأمة اليوم تحاسب على التقصير والضياع الذي ولغت فيه رغم التنبيهات والتحذيرات المتتالية والمتوالية من الأخطاء والفساد والتمرغ في الأوحال والشهوات التي تجعلها أمة غثائية لا وزن لها ولا قيمة، يقعدها الوهن وحب الدنيا وكراهية التضحية.

لقد وقفت كثيرًا عند حديث الغثائية الذي نبهنا به رسول الله ﷺ بقوله: «توشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا أو من قله نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» وبعد: فهذا الوهن وهذه الغثائية الموغلة في التدني مسؤولية من؟ وهل لها من مدى؟ وهل هناك اليوم من يعمل على إزالتها رحمة بالأمة وإنقاذًا لها وردًا لكرامتها، وحبًّا في بناء مستقبلها، وذكرًا له في التاريخ ورغبة في ثواب الله والجنة؟ نسأل الله ذلك .. آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل