; اليساريون العرب.. وموجة جديدة من النفاق | مجلة المجتمع

العنوان اليساريون العرب.. وموجة جديدة من النفاق

الكاتب يحيي محمد رسام

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1990

مشاهدات 59

نشر في العدد 965

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 08-مايو-1990

  • أعداء الإسلام في نظر اليساريين هم علماء الإسلام ودعاته لأنهم لا يفهمونه كفهمهم.
  • الاكتشاف اليساري الجديد تكتيك للمرحلة وليس اعتقادًا.
  • علماء الإسلام ودعاته في فهم مفكري اليسار هم العلمانيون واليساريون واللادينيون.

الحمد لله رب العالمين.. أخيرًا أدرك اليساريون العرب في مصر- وغيرها- أن الإسلام ليس دينًا يهتم بالروح! بل هو أيضًا نظام سياسي- «إذ لا يمكن الفصل بين العقيدة والسلوك» وأن شعار «لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة» كان شعارًا خادعًا، ومزيفًا، وأن السادات الهالك- مثلًا- كان «يروجه ليقطع الطريق على المعارضة الإسلامية».

شعارات سقطت

وأخیرًا أدركوا- كذلك- أن الإسلام دين- ثوري!- يفجر طاقات الأمة، ويدعوها للثورة ضد الطغاة والجبابرة! ويحملها على مواجهة المستعمر، الآن.. نعم أدركوا ذلك.. وغيره كثير.. فلم نعد نجد في قواميسهم الجديدة- مثلًا- شعارات ظلوا يجهدون أنفسهم عقودًا من الزمن.. في محاولة إقناع الشعوب بها، مثل شعار: «الدين أفيون الشعوب» «أو شعار مخالفة تعاليم الدين للعقل والمنطق» وغيرها من الشعارات.. ولم يعد «التدين رجعية وتخلف» بالمعنى الذي كانوا يرددونه في الخمسينيات والستينيات، ولم يعد هناك- مثلًا- «عداء بين الدين والعلم» أو أن «الإيمان بالغيبيات نوع من الدجل والكهانة والشعوذة».

حرب من نوع جديد

لقد أدرك اليساريون كل ذلك- فالإسلام فيه سياسة، والإسلام باعث ثورة، ومفجر طاقات، والإسلام دين العلم والعقل.. إلخ. ولكن هل يعني إدراكهم لهذه الأمور أنهم قد تابوا ولم تعد هناك مشكلة بينهم وبين الإسلام، أو أنهم قد أقلعوا عن محاربته، ومناصبته العداء، كما يتبادر إلى ذهن الإنسان.. الحقيقة أن الأمر ليس على هذا النحو، فمازالت هناك مشكلة! فأين إذن تكمن المشكلة في العلاقة بين الإسلام واليساريين العرب؟ المشكلة تكمن من وجهة نظرهم، في أولئك الذين يشوهون الإسلام العظيم؟ ولكن من هم أولئك المعنيون؟

أعداء الإسلام في نظر اليسار

قد يخطر ببال البعض- أنهم مثلًا- بعض علماء السلطة الذين يطوعون تعاليم الإسلام لتوافق أهواء بعض الحكام؟ أو أنهم بعض الشباب المنتمين لبعض جماعات الغلو والتطرف ممن تصنف ضمن الجماعات الداعية للإسلام؟ ولكنها بتصرفاتها التي تنفر أكثر مما تبشر، والتي قد يكون من أسبابها اختراق بعض هذه الجماعات من أعداء الإسلام.. لكنهم ليسوا وحدهم الذين يشوهون الإسلام العظيم، من وجهة نظر اليساريين.. لا ليسوا لوحدهم، لأنهم لو كانوا وحدهم لهان الأمر ولكان لوجهة النظر هذه ما يبررها؟ فالإنسان لا يستطيع أن يبرئ كل هؤلاء فمنهم من يصدق عليهم هذا الوصف!

لكن الغيورين الجدد على الإسلام من يساريي أواخر الثمانينيات يضيفون إليهم كل ما لا يمكن أن يخطر في بال مسلم يملك مسحة من عقل، إنهم يضيفون إليهم «كل العلماء والمفكرين الإسلاميين والدعاة إلى الله» نعم فكل هؤلاء يسيئون للإسلام من وجهة نظر اليساريين؟ ولكن لماذا؟ وكيف؟ وما السر الذي يكمن وراء ذلك كله؟ - هل لأنهم- مثلًا- لا يجيدون عرض الإسلام للناس؟ فيسيئون من حيث يقصدون أن يحسنوا.. أم لأنهم يدعون الناس إلى تعاليم الإسلام بألسنتهم، ويخالفونه بسلوكياتهم؟ كما قد يفهم البعض؟ لا.. إن المسألة ليست كذلك أيضًا!

والسبب بسيط، فالواقع يكذب ذلك ويدحضه.. وإذا جاز ذلك في حق بعضهم وهم قلة- تصل حد الندرة- فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصح أو يجوز في حقهم جميعًا.

ونعود إذن للإجابة على؟ لماذا؟ وكيف؟

الفهم اليساري للإسلام

أما لماذا يسيئون للإسلام؟ وكيف؟ فلأنهم- كما يهذي اليساريون- لا يفهمون الإسلام؟ تصور! بل ولا یدرکون أحكامه، ومعانیه، ومغازيه وأهدافه العظيمة! أولًا وثانيًا.. وثالثًا؛ لأنهم يستغلونه لتحقيق مصالحهم الذاتية! لكن هل يعقل ذلك؟ ويجيب اليساريون.. نعم يفعلون كل ذلك! وتسأل: وكلهم؟ نعم ودون استثناء!

إذن من الذي يفهم الإسلام على حقيقته أولًا يا ترى؟ ويعمل له بإخلاص دون أن يداخل عمله- يخالطه- شائبة من شوائب المصلحة الذاتية؟ ثانيًا وثالثًا و...

ويأتي الجواب ممن لا حياء لهم: إنهم اليساريون، أمثال اليساري العتيق «العالم» محمود أمين «العالم».. والمفتي الثبت الجريء رفعت السعيد! والمفكر «الإسلامي!» الكبير محمد أحمد خلف الله- علينا بغيره- وغيرهم وغيرهم كثير من أمثال غالي شكري- حتى لو كان نصرانيًّا- وعبدالعظيم أنيس.. ولا تقولوا: أين درس هؤلاء الإسلام مثلًا؟ ومن أي الجامعات الإسلامية تخرجوا؟ وعلى أي العلماء تلقوه؟ إنكم لو فعلتم ذلك لزدتم الطين بلة! ولأنكم ببساطة متناهية.. ستضافون إلى قائمة الذين يسيئون للإسلام، ويشوهون صورته؟ ثم إن الأمر أسهل مما تتصورون؟ أليس هؤلاء- الفطاحل- أعلام زمانهم.. أليسوا أدباء وشعراء! وفلاسفة، وأساتذة رياضيات! ومفكرين علمانيين! بل ويساريين وتقدميين.. ومناضلين؟!

إذن فذلك يكفي مسوغًا لهم ليكونوا أفقه من غيرهم وأفهم للإسلام من سواهم.. ومادامت تلك هي مؤهلاتهم، وتلك هي مصادر معرفتهم.. فهم بذلك أقدر من غيرهم، أيضًا على إدراك مغازي الإسلامي، بل وإصدار الفتاوى، ودفع من يسمون بالدعاة إلى الإسلام وعلمائه، ومفكريه من رجال الحركات والجماعات الإسلامية أو من العلماء المستقلين بما يحلو لهم من أوصاف، وبما يخطر في بالهم من افتراءات وطعون! ولو كانوا بريئين منها، ويجاهدون لرفع شأن الإسلام، ويصاولون أعداءه في كل ميدان..

أما بعد؛

فقد كان هذا الذي قرأته عزيزي القارئ عبارة عما فهمته -أنا- من خلال نظرة عامة وخاطفة وقراءة عاجلة لعدد من مجلة «قضايا فكرية» عدد أكتوبر ١٩٨٩- أو سلسلة كتاب «قضايا فكرية» والتي يشرف عليها اليساري العتيق محمود أمين العالم.

أما الدخول في تفصيلات أكثر حول هذا الإصدار والذي خصص «للإسلام السياسي- الأسس الفكرية- والأهداف العملية» فذلك ما يمكن أن نتطرق لبعض جوانبه في عدد قادم بإذن الله.

الرابط المختصر :