العنوان ألغاز جديدة ومثيرة في محاكمة المتهمين بقضايا التفجيرات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1997
مشاهدات 57
نشر في العدد 1280
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 16-ديسمبر-1997
استحوذت قضية التفجيرات في اليمن على جزء مهم من الاهتمامات السياسية والصحفية في الوسط السياسي اليمني خلال الأشهر الماضية... فيما زاد من حرارة الاهتمام بدء المحاكمة في مدينة «عدن» بكل ما يعنيه ذلك من صدام بين النيابة والدفاع وتبادل الاتهامات بين الطرفين.
وعلى الرغم من أن اليمن شهد عدة تفجيرات سابقة، إلا أن الحوادث الأخيرة كانت هي الأخطر تأثيرًا بسبب كثرتها ولاستخدامها السيارات المفخخة للمرة الأولى في اليمن وهو ما أعطى دلالة خطيرة على أن الأمر قد دخل مرحلة مجهولة من التوقعات والأهداف المراد تحقيقها من وراء كل ذلك.
جذور التفجيرات
وتعود جذور هذه التفجيرات إلى فترة ما بعد حرب ١٩٩٤م، فقد بدا واضحا حينذاك أن المنهزمين في الحرب لم يستسلموا نهائيًا وأعلنوا إعادة تنظيم أنفسهم سياسيًا في الخارج، فيما سعوا - بالتأكيد - لتنظيم مجموعات موالية لهم من الأنصار السابقين الذين لم يغادروا اليمن.
وقد بنت هذه المعارضة - داخليًا وخارجيًا . سياستها على تأجيج المشاعر الشعبية ضد السلطة الحاكمة باعتبار أنها تتعامل مع المناطق الجنوبية تعامل المحتل المتسلط واستغلت هذه المعارضة أحوال ما بعد الحرب استغلالًا فائقًا بل يمكن القول إنها نجحت نسبيًا في فرض خطابها السياسي والإعلامي على شريحة مهمة من الشعب في تلك المناطق، ونجحت كذلك في تصوير صراعها مع السلطة الحاكمة بأنه صراع بين قوى سياسية جنوبية، وسلطة حاكمة شمالية.
وبالنسبة لحوادث التفجيرات فقد شهدت عدن عدة حوادث سابقة، كان أبرزها إلقاء قنبلة على حفل عرس اتهم فيه طلاب معهد ديني لكن التحقيقات برأتهم، فيما انكشفت العصابة الحقيقية التي تم تقديمها للمحاكمة بالفعل حيث كشفت المحاكمات حقائق غريبة عن تمويل خارجي وصراع داخلي بين أجهزة الأمن واتهامات لشخصيات رسمية بأنها كانت وراء تلك التفجيرات.
ومنذ بدء الاستحقاقات الانتخابية في يوليو ١٩٩٦م، تجدد التوتر مع اشتعال الخلافات بين الأحزاب السياسية اليمنية حول المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها واتهام حزب المؤتمر الشعبي بأنه يسعى للاستحواذ على السلطة اعتمادًا على التزوير وفي المقابل اتهمت السلطة بعض القوى السياسية بأنها تسعى إلى تخريب الانتخابات لإحداث فراغ دستوري يهدد الأمن واستقرار البلد. وفي هذا الإطار تتهم السلطة الحاكمة عددًا من قوى المعارضة الداخلية والخارجية بأنها خططت بعد فشل مخطط تخريب الانتخابات إلى إثارة القلاقل والفوضى لإجبار السلطة على التفاهم معها وفق شروطها .
ومنذ انتهاء الانتخابات النيابية وانفراد حزب المؤتمر الشعبي العام، بدأ تنفيذ ما تصفه السلطة الحاكمة بأنه مخطط تخريبي تمثل في الحوادث التي شهدتها عدن في يونيو الماضي حيث وقعت ٤ تفجيرات تلتها ٩ في أكتوبر الماضي ثم انفجار سيارة مفخخة في نوفمبر الماضي.
ويمكن القول إن هذه التفجيرات قد شكلت أكبر حوادث الإرهاب على مدى السنوات الأخيرة، كما أنها أعطت إيحاء بأن الفاعلين قد وصلوا إلى مرحلة متقدمة من الإعداد والتجهيز والقدرة على تنفيذ أخطر العمليات... كما بدا من حادثة السيارة المفخخة.
الإسباني المجهول
رغم الإعلان عن ضبط متهمين في حوادث التفجير، إلا أن مدة احتجازهم والتحقيق معهم طالت بضعة شهور، وفي المقابل كان لهذا الأمر انعكاس في الوسط السياسي والشعبي، حيث بدا أن هناك ظنونًا بأن عددًا من المقبوض عليهم أبرياء وزج بهم في القضية لأهداف التعذيب التي تعرض لها المحتجزون لانتزاع اعترافات منهم بتورطهم في جرائم التفجير.
لكن أخطر شخصية تم ضبطها كانت شخصا سوريا يحمل جنسية إسبانية، واعتبر أنه المتهم الأول في التفجيرات ورئيس الشبكة المكلفة بإثارة القلاقل وتنفيذ عمليات اغتيال لعدد من الشخصيات السياسية المعروفة.... وقد تم اعتقاله بطريقة غير مخطط لها، حيث كان قد اعتدى على سائحة ألمانية في أحد فنادق صنعاء، ثم فر هاربًا قبل أن يقبض عليه في باحة الفندق بعد مطاردة قصيرة أصيب فيها أحد رجال الأمن اليمنيين، لكن القبض على السوري المجهول فتح أمام أجهزة الأمن بابًا واسعًا من المعلومات التي أدلى بها الرجل وأدت إلى إلقاء القبض على مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين تعاملوا مع الرجل بصفته رجل أعمال جاء إلى اليمن للاستثمار، وهي صفة تتيح له الاتصال بكثيرين والتعامل معهم لكنها أدت إلى الإضرار بهم لأسباب لا تزال مجهولة، لكن وجود أسماء المتعاملين مع المتهم أو الذين تعرف عليهم كان دافعًا لأجهزة الأمن اليمنية لاعتقالهم واستجوابهم وإبقائهم فترة طويلة في المعتقل.
ومنذ بداية المحاكمة العلنية للمتهمين في قضايا التفجيرات، دخلت المسألة في مرحلة أكثر إثارة، فالمتهمون أنكروا كلهم - باستثناء المتهم السوري - التهم المنسوبة إليهم، واتهموا جهات التحقيق بأنها قامت بتعذيبهم بوسائل بشعة لإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يقترفوها . وفي السياق نفسه نشبت أكثر من مواجهة بين الدفاع والنيابة بسبب إصرار الأخيرة على عدم تمكين المحامين من الالتقاء بالموكلين والاطلاع على ملفات القضية والتحقيق.
لكن أكثر المظاهر إثارة في المحاكمة كان هو المتهم السوري الأصل، الذي بدا طوال الجلسات هادئًا غير منكر لأي اتهام توجهه إليه النيابة وهي تهم وصفتها إحدى الصحف المحلية بأن كلًا منها يؤدي إلى حبل المشنقة، بل أكثر من ذلك، فقد رفض المتهم نقله إلى السجن العمومي كبقية المتهمين وطالب بإبقائه في سجن الأمن السياسي (المخابرات).
وفي الجلسة التي تم فيها محاكمة المتهم السوري الأصل، تم سرد أقواله في التحقيقات والتي تضمنت اعترافاته بأنه يرأس شبكة ممولة من الخارج للقيام بعملية اغتيال وتدريب على التفجيرات والتجسس وكشفت اعترافاته التي أدلى بها عن أن بعض المتهمين تعاملوا معه باعتباره رجل أعمال.... لكنه أصر على أن بعضهم الآخر تورط معه في شبكة التخريب.
وحتى نهاية شعبان الجاري سوف يظهر كثير من الحقائق والمفاجآت قبل أن تتوقف المحاكمة في رمضان المقبل كعادة المحاكم في اليمن... ولكن ثمة إحساس ينمو في دواخل الكثيرين بأن هناك لغزًا يختفي في سريرة المتهم الإسباني الجنسية السوري الأصل، وهو أمر ربما تكشفه جلسات المحاكمة القادمة.