العنوان اليمن: التعديلات الدستورية.. ومفاجأة الحزب الحاكم!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
مشاهدات 62
نشر في العدد 1416
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
فاجأ الحزب الحاكم في اليمن - الذي يتزعمه رئيس الجمهورية علي عبد الله صالح - أحزاب المعارضة بتقديم مشروع تعديلات دستورية موسعة هي الأولى منذ إجراء التعديلات الموسعة في سبتمبر ١٩٩٤م.. لكن الفارق أن التعديلات الأولى كانت معروفة لدى القوى السياسية اليمنية جميعها، وتم إقرارها بالإجماع حينذاك.
التعديلات الجديدة شملت نوعين من المواد الدستورية بعضها مهم وبعضها إجرائي، ولم تهتم السلطة الحاكمة اعتمادًا على أغلبيتها الكبيرة جدًّا في مجلس النواب باستشارة القوى السياسية الأخرى أو إشراكها في عملية الإعداد لمشروع التعديلات، بل إن التجمع اليمني للإصلاح - أقوى الأحزاب المعارضة، وأكثرها شعبية وتمثيلًا في البرلمان - أعلن عبر تصريحات رسمية عن عدم صحة التسريبات الإخبارية - التي يقف وراءها غالبًا الحزب الحاكم - عن وجود لجنة مشتركة بين المؤتمر الشعبي والإصلاح - قامت بالتفاهم والتشاور المسبق أثناء إعداد مشروع التعديلات الدستورية، وعندما اجتمع الرئيس اليمني علي صالح بقيادات أحزاب المعارضة، بعد تقديم مشروع التعديلات إلى مجلس النواب لشرح مبررات التعديلات طلب ممثلو معظم الأحزاب منحهم مهلة زمنية؛ للرجوع إلى هيئاتهم الحزبية للتشاور مع إبداء تحفظات على أن التشاور كان ينبغي أن يسبق تقديم المشروع إلى مجلس النواب، فيما أعلن الرئيس على صالح استعداده للاستماع لملاحظات الأحزاب وآرائها.
والحقيقة أن الدستور اليمني لا يشترط لإجراء أي تعديل دستوري حصول مشاورات سياسية سابقة، بل ينص على أن طلب التعديل يقدم إلى مجلس النواب بطريقتين، إما عبر طلب من ثلاثة أرباع أعضاء المجلس أو بطلب من رئيس الجمهورية، فإذا تمت الموافقة على الطلب بأغلبية النصف يتم إحالته إلى اللجنة الدستورية؛ لمناقشته لمدة شهرين، وهي مناقشة تسمح لأعضاء مجلس النواب بالمشاركة فيها.
ردود أفعال أحزاب المعارضة عكست – بصورة عامة - وقع المفاجأة عليها، وتراوحت حدتها بين التحفظ المطلق والقبول المبدئي المتحفظ، والتردد بين القبول والرفض، لكن هذه الأحزاب تعلم أن أمر التعديلات سوف يكتمل بالموافقة عليها باعتبار أن الحزب الحاكم يستطيع توفير الأغلبية المطلوبة (۲۲۷ عضوًا) بسهولة، كما أن مواقف الرفض في البداية تنتهي - عادة - بالموافقة بعد إجراء حوارات ومقايضات في كواليس السياسة اليمنية.
لم تخل جلسة البرلمان اليمني التي أقر فيها قبول طلب التعديلات من ظهور أصوات محتجة عبرت عن مواقف رافضة فكرة التعديلات، وانفراد حزب واحد بإعدادها دون التشاور مع بقية القوى السياسية الأخرى باعتبار أن الدستور عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين قوى المجتمع، ومصالحه لكن تمتع الحزب بأغلبية كبيرة جدًّا جعل الاعتراضات غير مجدية إطلاقًا، وتم إحالة المشروع إلى لجنة خاصة تضم اللجنة الدستورية ورؤساء اللجان الدائمة بالمجلس ورؤساء الكتل النيابية، وهو ما يعني أن نقاشات وحوارات سوف تدور داخل اللجنة وخارجها؛ للوصول إلى رؤية تمثل مقاربات مشتركة لجميع التيارات مع احتفاظ الحزب الحاكم بالجزء الأكبر لتعديلاته.
ولعل من المفيد الإشارة إلى أن مشروع التعديلات تضمن بعض التعديلات التي يظن الحزب الحاكم أنها وسيلة لإرضاء الآخرين، فعلى سبيل المثال: استثنت مادة إلغاء «الاستفتاء» على تعديل مواد الدستور البابين الأول والثاني اللذين يتضمنان ٦٠ مادة تختص بتحديد الأسس العامة للنظام، وفي مقدمتها اعتبار الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعًا، وهي محاولة تطمين للإسلاميين، فيما خفضت التعديلات المقترحة من نسبة التركيبة المطلوبة لقبول الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية من ١٠٪ إلى٥٪ من أعضاء البرلمان لاستمالة الاشتراكيين وحلفائهم، الذين تضرروا منها في الانتخابات الرئاسية سبتمبر ۱۹۹۹م؛ بسبب عدم امتلاكهم النسبة ١٠٪ في مجلس النواب.
ومع ذلك، فهذان المثالان لا يخلوان من عيوب في نظر المعارضة، فالمادة الدستورية التي توضح كيفية تعديل الدستور يمكن تعديلها مستقبلًا؛ لأنها بذاتها تقع خارج نطاق البابين الأول والثاني، وبالتالي يمكن في المستقبل أن يشمل تأثيرها المواد الخاصة بالأسس العامة للدولة، أما تخفيض نسبة الـ ١٠٪ إلى ٥٪ فهي لا تشكل تخفيضًا حقيقيًّا؛ لأن النسبة الجديدة صارت من الاجتماع المشترك المجلس النواب ومجلس الشورى المقترح، وخلال الشهرين القادمين ستخوض القوى السياسية اليمنية معركة إعلامية وسياسية حقيقية حول التعديلات الدستورية، فالجانب الحكومي بدأ يصفها على طريقته التقليدية بأنها خطوة تاريخية ومنعطف تاريخي وإنجاز عظيم، وفي المقابل فإن المعارضة بدأت في إعلان مواقفها المبدئية في صحافتها الحزبية، ويمكن إجمال أهم تحفظاتها على النحو التالي:
أ-انتقاد انفراد حزب واحد بالتحكم في مسار التعديلات الدستورية دون استشارة الآخرين في قضية مهمة تمس اليمن كلها، وفيما يتعلق بالحزب الاشتراكي وحلفائه فقد أصدروا بيانًا طالبوا فيه بضرورة أن تشم التعديلات إجراء إصلاحات انتخابية وسياسية سبق أن طالبوا بها مثل إلغاء اشتراط حصول المرشح لرئاسة الجمهورية على تزكية مجلس النواب، واعتبروا أن عدم إجراء مشاورات مع المعارضة، وعدم إتاحة الفرصة لها لتقديم مقترحاتها يجعلها ترفض مبدأ التعديلات الدستورية، وإيقاف إجراءاتها في مجلس النواب.
وعلى الرغم من هذا الموقف الحاسم للتحالف الذي يقوده الاشتراكيون إلا أن الحزب الحاكم يملك أوراقًا خاصة في التعامل مع حلفاء الحزب الاشتراكي، وبخاصة الناصريون، وحزب الحق والبعثيون العراقيون الذي يرتبطون بخيوط غير منظورة مع جهات نافذة في السلطة والحزب الحاكم تمنعهم من اتخاذ مواقف جدية تضر بخطط الحزب الحاكم.
ب - تقليص صلاحيات مجلس النواب المنتخب، وفي المقابل منح مجلس الشورى المقترح إنشاؤه بالتعيين صلاحيات إقرار خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمصادقة على التشريعات والمعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بالدفاع أو التحالف أو الصلح أو السلم أو تعديل الحدود بالإضافة إلى تزكية المرشحين لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية كل ذلك في اجتماع مشترك لمجلسي النواب والشورى، وهكذا يتساوى المنتخبون انتخابًا شعبيًّا مع المعينين بقرار جمهوري، ولذلك دعا البعض إلى أن يكون مجلس الشورى منتخبًا هو الآخر؛ لكي يمارس مثل هذه الصلاحيات المهمة لكن هذه الدعوة سوف تتعارض مع خطة الحزب فيما يسميه تقليص النفقات على العملية الانتخابية، والتي كانت مبررًا لتمديد فترة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية في التعديلات الجديدة، ولذلك ربما تصير هذه النقطة بالذات من أهم نقاط الحوار والاختلاف أثناء مناقشة التعديلات الدستورية.
ج - إلغاء الاستفتاء على قرار رئيس الجمهورية بحل مجلس النواب، بعد أن كان القرار مرتبطًا بإجراء استفتاء شعبي للموافقة عليه من عدمه. ويبرر الحزب الحاكم هذا التوجه بأن هذا الشرط كان متفقًا مع الدستور السابق الذي يجعل البرلمان منتخبًا من الشعب، ورئيس الجمهورية منتخبًا من مجلس النواب، لكن تعديلات عام ١٩٩٤م التي جعلت انتخاب رئيس الجمهورية عبر انتخابات شعبية مباشرة، قد ألغت المبرر لإجراء الاستفتاء على قرار الحل.
د . إلغاء حق مجلس النواب في إعطاء توجيهات للحكومة، وقصر الأمر على توصيات، واعتبر ذلك من باب تقليص صلاحيات مجلس النواب فيما تصفه الحكومة بأنه مراعاة للفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتحقيق التوازن بينهما.
هـ . تمديد فترتي مجلس النواب ورئاسة الجمهورية إلى ٦ سنوات و7 سنوات على التوالي، واعتبار ذلك محاولة لتأجيل الاستحقاقات الانتخابية والالتفاف على مبدأ قصر مدة رئاسة الجمهورية على دورتين فقط لمدة ١٠ سنوات، وفي هذا الإطار كان هناك خلاف حول تحديد هاتين الدورتين بالنسبة للرئيس علي عبد الله صالح، فالحزب الحاكم يعتبر أن الدورة الأولى هي التي بدأ فيها التطبيق الأول للانتخابات الرئاسية المباشرة عام ۱۹۹۹م بينما تعتبرها بعض أحزاب المعارضة الدورة الأخيرة، وأن الدورة هي التي تمت بعد التعديلات الدستورية الأولى عام ١٩٩٤م، ولذلك فإن التعديل الجديد من باب حسم هذه المسألة.
الأمر المؤكد حتى الآن أن مشروع التعديلات سوف يستكمل إجراءات إقرار بنوده، لكن ما هو غير معروف حتى الآن الحلول الوسط التي سوف تلتقي عليها السلطة والمعارضة في القضايا المتنازع عليها والتنازلات المتبادلة التي سوف يقدم عليها كل طرف، فكل ذلك يعتمد على قدرة المعارضة على إقناع الحزب الحاكم برؤاها الخاصة، كما أن للرئيس علي صالح دوره الخاص في إيصال مشروع التعديلات إلى صيغة ترضي أكبر قدر ممكن من الأحزاب.