العنوان اليمن.. تحركات سياسية تسابق الانتصارات العسكرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 01-أبريل-2016
مشاهدات 70
نشر في العدد 2094
نشر في الصفحة 38
الجمعة 01-أبريل-2016
اليمن..
تحركات سياسية تسابق الانتصارات العسكرية
تتعاقب المستجدات الميدانية في اليمن بشكل يومي، ولا تتوقف انتصارات المقاومة والجيش الوطني المسنودين بقوات دول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، ويبدو أن الوضع على المستوى السياسي سيبدأ هذه الفترة في مجاراة الوضع الميداني بعد ما استجد خلال الشهر الماضي من حراك، خرَق الهدوء الذي ظل مخيماً في هذا الجانب منذ جولة الحوار المعروفة بـ «جنيف 2»، التي عقدت في ديسمبر 2015م بين الحكومة الشرعية وحلف الانقلاب (صالح، والحوثي).
في الأول من مارس، ظهر رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي في حوار صحفي على جريدة «عكاظ» السعودية، وعلى خلاف المتوقع لم يتطرق بأي قدر للقرار الأممي (2216)، وبدا الأمر لافتاً ومثيراً للتساؤل، وسرعان ما انكشف السبب على لسان رئيس مجلس الأمن الذي تحدث بعد يومين فقط من ذلك الحوار (3 مارس) عن إجماع أعضاء المجلس بشأن إصدار قرار جديد وصف بـ «الإنساني».
أثار الخبر انتباه الشرعية ودول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية من قرار أممي ينقض القرار (2216)، أو يعمل على تمييعه تحت صفة القرار «الإنساني»، أو ينفي عن الانقلابيين الإدانة الدولية والأممية، ويجعلهم طرفاً مقابلاً للشرعية على مستوى واحد من الندية، وعلقت المملكة العربية السعودية على ذلك بلسان مندوبها في الأمم المتحدة محمد المعلمي بأنه: لا داعي لقرار جديد في ظل وجود القرار (2216).
إذن، هناك انطلاقة سياسية جديدة من الواضح أن شيئاً ما استثارها، ولا يستبعد أن يكون التقدم الذي أحرزته المقاومة والجيش الوطني في مديرية «نِهْم» شرقي العاصمة صنعاء، وأن ذلك استفز حفيظة الأمم المتحدة والأطراف الدولية التي لا تريد للمقاومة والجيش الوطني تحرير صنعاء بعمليات عسكرية تنهي قوة الحوثيين الذين يعتبرون الوكيل الحصري في اليمن لأجندتها الرامية لتقسيم البلاد مذهبياً ضمن أجندة عامة تستهدف دول المنطقة العربية بالتقسيم الطائفي.
نشاط أمريكي متعدد الأهداف
في 12 مارس، قام وزير الخارجية الأمريكية «جون كيري» بزيارة المملكة العربية السعودية، وأجرى هناك مع المسؤولين السعوديين والإماراتيين مباحثات تتعلق بالملف السوري واليمني وغيرهما، وشدد من جوار نظيره السعودي عقب اجتماعهما في حفر الباطن على إيقاف الحرب واستئناف الحل السياسي في اليمن.
في اليوم التالي، كان «جون كيري» في إيطاليا يناقش ذات القضايا مع وزراء خارجية بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، ووزير خارجية الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن أنه استبق زيارته إلى السعودية باتصال هاتفي مع نظيره الروسي بذات الشأن.
نشاط أمريكي واضح، وتحشيد للدول العظمى يوحي بسعي الولايات المتحدة لأمر لا يبدو اعتيادياً، وربما يكون بحجم قرار سعودي خليجي ينهي العمليات العسكرية التي بدأتها دول التحالف في اليمن في 26 مارس من العام الماضي، وانقضى إلى الآن عام كامل منذ انطلاقتها بهدف إنهاء الانقلاب وإعادة الشرعية وتمكين الحكومة من بسط سلطتها على كل المحافظات اليمنية ونزع سلاح الانقلابيين.
وفي سياق هذا النشاط الأمريكي، قرر الرئيس «أوباما» حضور القمة الخليجية المقرر عقدها في 20 أبريل الجاري، تفاصيل كثيرة يمكن استحضارها في توقع دواعي الزيارة، وفي مقدمتها حاجة الرئيس «أوباما» لتلطيف العلاقة الأمريكية السعودية المشدودة هذه الفترة جراء الاتفاق الأمريكي الإيراني، وجراء النشاط الأمريكي الحريص على إنقاذ الحوثيين وإبقاء جماعتهم حاضراً ومستقبلاً في السلطة، مع احتفاظها بالسلاح خارج إطار الدولة، وأن تصبح مصدر قلق دائم للمملكة والخليج، ومنصة تستهدف دول الجزيرة العربية أمنياً وعسكرياً وثقافياً، وتصدر لها عوامل الإثارة والانقسام الطائفي.
أياً تكن مبررات الزيارة، فإنه لا يمكن استبعاد ذلك الهدف المتعلق برغبة الأمريكيين الجامحة في قرار توقف به دول التحالف ضرباتها الجوية في اليمن، أو عملياتها العسكرية بشكل عام، خاصة أن إعلان هذه الزيارة جاء عقب عودة وزير خارجيته وتأكيده على نجاحه في المهمة التي جاء من أجلها إلى السعودية وناقشها مع نظيره الروسي ونظرائه الأوروبيين.
من الواضح أن ذلك التحشيد والموقف الدولي يسعى إلى إيقاف العمليات العسكرية والحرب في الداخل، ولكن هل سينجح في ذلك في ظل المعطيات السابقة أم سيفشل؟ أم سيتمكن فقط من إنهاء العمليات العسكرية لدول التحالف التي قد ترى أن بمقدورها مواصلة السير نحو هدفها من خلال استمرار دعمها للجيش الوطني والمقاومة في الداخل اليمني؟ أم أن أي قرار بإنهاء عمليات التحالف سيقطع عليها طريق الدعم للجيش والمقاومة في الداخل من خلال قرار أممي يلزم الجميع بوقف إطلاق النار؟
قرار كقرار إنهاء العمليات العسكرية للتحالف ليس من اختصاص القمة الخليجية، لكن القمة لن تكون بعيدة، إذ لا يستبعد أن يصدر هذا القرار بأي من المستويات المذكورة قبيل انعقاد القمة، أو في أثنائها، حتى تتمكن القمة من تعويض هذا بشيء جديد يتعلق بانضمام اليمن لمجلس التعاون، وخطوات عملية باتجاه إعادة الإعمار.
تظل الاحتمالات المذكورة واردة على السواء، وبما يفتح المجال لتوقع أن تكون الفترة الممتدة من هذه اللحظة وحتى انعقاد القمة الخليجية أواخر هذا الشهر فترة غاية في الخطورة بالنسبة للوضع الميداني، إذ سيحرص طرفا الشرعية والانقلاب على تحقيق أكبر قدر من التقدم، وإذا كان يكفي علي صالح والحوثيين أن يحافظوا على مستواهم الحالي، فإن الأمر يقتضي من الشرعية إحراز أكبر مستوى ممكن من التقدم.
تحشيد يمني دون المأمول
في اتجاه مضاد للتحشيد الأمريكي والدولي، تأتي تحركات السلطات الشرعية اليمنية التي اتكأت على الجهد السياسي والدبلوماسي السعودي طيلة الفترة الماضية، ولم تقم بشيء يذكر من العمل الدبلوماسي والحقوقي الدولي لعرض قضيتها، ونقل حقيقة أحداث اليمن للعالم الذي يبدو أنه لا يعرف شيئاً إلا أن السعودية تخوض حرباً هناك؛ حيث قامت السلطات الشرعية اليمنية خلال شهر مارس ببعض التحركات التي تضاف إلى الجهد الفردي للدكتور عبدالملك المخلافي الذي يبذله منذ تعيينه مؤخراً وزيراً للخارجية.
ومن هذه التحركات إيفاد د. المخلافي للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية الدول العربية الذي خلص في القاهرة إلى التأكيد على دعم الشرعية والمطالبة بتنفيذ القرار (2216)، وكذا زيارة الرئيس هادي لكل من الكويت والإمارات والبحرين.
ويمكن الوقوف هنا على أن أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح جدد عقب لقائه الرئيس هادي التأكيد على دعم بلاده لليمن «حتى إكمال التحرير»، حسب ما نقلت وسائل الإعلام، وتزامن مع ذلك إعلان الكويت رسمياً استعدادها لاستضافة الجولة القادمة من الحوار السياسي.
وعلى أن هذا التحشيد اليمني قد لا يبدو مكافئاً لذلك التحشيد الأمريكي من حيث القوة التأثيرية للدول العربية قياساً بالولايات المتحدة وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي، إلا أن حجم الخطر الذي يهدد اليمن والخليج من تشكيل نواة دولة إيرانية جنوب الجزيرة العربية تهدد مستقبل اليمن ومستقبل دول الجزيرة أمر قد يحمل دول الخليج على الاستماتة من أجل إمضاء قرارها بتحرير اليمن مهما بلغت التضحيات، خاصة أن الفرصة السانحة أمامها اليوم والمواتية للسيطرة على هذا المشروع الإيراني لا يمكن أن تتكرر، والتفريط فيها أمر قد يستحيل تداركه مستقبلاً.
العمليات العسكرية لدول التحالف التي حملت اسم «عاصفة الحزم»، ثم حملت في مرحلتها التالية والمستمرة إلى اليوم اسم «إعادة الأمل»، بدأتها دول التحالف بقيادة السعودية ومشاركة خليجية أكثر فعالية، متحملة كلفة باهظة في مختلف الاتجاهات، لكن الأطراف الدولية الكبرى تريد أن تنهيها هي كما تريد.
يتفق الجميع على أن الأزمة اليمنية في منعطفها الأخير، إلا أنه لا يمكن الجزم بما إذا كان منعطفاً حاداً يفضي إلى النهاية، وما السيناريوهات المحتملة في حال نجاح تلك الأطراف الدولية في الحفاظ على الحوثيين كقوة مسلحة في قلب اليمن وخاصرة الخليج؟!>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل