; حزب البعث اليمني يحتضر!! | مجلة المجتمع

العنوان حزب البعث اليمني يحتضر!!

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

مشاهدات 69

نشر في العدد 1127

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

•قيادات في حزب البعث تتهم الأمين بتجاوز صلاحياته وتشكك في ذمته المالية.

•معارضو أمين حزب البعث يتحدثون عن تورطه في مؤامرة الانفصال.

تفاقمت الخلافات الحادة بين أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث الاشتراكي اليمني بعد شهور من خروج الخلاف خارج إطار الحزب.

وفي ذروة الخلافات استدعت المباحث الجنائية في العاصمة اليمنية د. قاسم سلام- أمين سر حزب البعث- للتحقيق معه بشأن حادث تبادل إطلاق نار جرى في أحد شوارع صنعاء بين مرافقين له ومرافقين لأحد أعضاء قيادة البعث المفصولين: وقد اتهم أمين سر البعث الرئيس على عبد الله صالح شخصيًا- وفي صحيفة الحزب.. بأنه وراء عملية احتجازه، فى إشادة واضحة إلى أنه يقف وراء المتمردين على زعامة أمين السر!

رسالة مهملة

تكشف رسالة موجهة من عدد من قيادات حزب البعث في اليمن إلى القيادة القومية في بغداد أسباب الخلافات العميقة بين أمين سر الحزب وعدد كبير من القيادات البعثية، حيث أجملت الرسالة تلك الأسباب في عدم التزام د. قاسم سلام بالنظام الداخلي للحزب والتمرد في قيادة الحزب وتعطيل اجتماعات قيادة القطر منذ ديسمبر ۱۹۹۳م.

وتعد الرسالة السرية التي حصلت المجتمع على نسخة منها- تأكيدًا لرسالة أولى سبق إرسالها في ١٤ / ١٩٩٤/٤م بواسطة اثنين من أعضاء قيادة البعث في اليمن اللذين سلماها باليد إلى ديوان رئاسة الجمهورية العراقية بعد منعهما من مقابلة الرئيس العراقي صدام حسين.

 وتمتليء الرسالة الثانية بسلسلة طويلة من المأخذ التي اتهم بها أمين سر البعث اليمني!

كما تتسم لهجة الرسالة، بالمرارة القوية تجاه إهمال بغداد للأزمة في حزب البعث وانحيازها للدكتور قاسم سلام دون محاولة معرفة وجهة نظر القيادات المعارضة له.

وكان البعثيون المعارضون لأمين سر حزيهم قد عقدوا اجتماعًا في ١٩٩٤/٧/١٥ قرروا فيه إعفاء «سلام» ونائبه، وشكلوا قيادة جماعية أسندوا فيها للدكتور سلام منصب أمين المكتب الثقافي الذي رد على معارضيه بقرار تجمدهم عبر منشور حزبي نشرته صحيفة الحزب في ١٩٩٤/٧/١٨م.

كما قام «سلام» بتوزيع منشور باسم الأمانة العامة للقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي يقضي بحل قيادة قطر اليمن وتشكيل قيادة مؤقتة لها كامل الصلاحيات برئاسة «سلام» نفسه ودعوة القيادة المجمدة إلى «بغداد» خلال أسبوع!

وقد أثار نشر المنشور علامات استفهام حول وقوع حزب البعث تحت طائلة قانون الأحزاب اليمني الذي يحرم أي صلة مالية أو تنظيمية مع الخارج، وبالتالي يعرضه لإغلاق مقراته وسحب ترخيصه كما تقدم د. سلام بشكوى إلى رئيس الجمهورية يتهم فيها رفاقه بالتخطيط الاحتلال مقرات الحزب والاستيلاء على ممتلكاته مؤكدًا- في شكواه- أن قرار تجميدهم صدر عن القيادة القومية للحزب! الأمر الذي دفع رئيس الجمهورية إلى تشكيل لجنة ثلاثية لبحث الخلاف داخل حزب البعث؟

 وبعد تفاقم الخلافات أصدر كل طرف صحيفة باسم «الجماهير» وعقد اجتماعات لأنصاره في المحافظات اليمنية لتأكيد شرعيته.

أما بالنسبة لقرار تجميد القيادات، فالمتضررون يتهمون القيادة القومية في بغداد بأنها قد تجاوزت في ذلك النظام الداخلي للحزب.. كما يشككون في كونها صادرة عن اجتماع بغداد في ٧/٢١ لكون د. سلام قد قام بتوزيعها في صنعاء ظهر اليوم نفسه.

أسباب الأزمة!

تعيد القيادات المفصولة بتاريخ بدء الأزمة إلى منتصف ۱۹۹۲م.

عندما تمت مطالبة أمين سر الحزب بتوضيح صلاحياته، ومهامه ولا سيما فيما يختص بالشئون المالية التي ظلت بدون إدارة مسئولة وحكرًا على أمين السر فقط!

وقد أثارت هذه المطالبات خلافًا حادًا بين القيادات البعثية، الأمر الذي استدعى إرسال عدة وقود من العراق لحل الإشكال دون جدوى، فانهارت العلاقة بين الطرفين حتى تفجرت في الصيف الماضي.

ويبدو في الأحداث الأخيرة أن د. قاسم سلام يحظى بثقة القيادة القومية في «بغداد» ولاسيما لكونه عضوا فيها.. كما أنه عاش فترة طويلة منذ منتصف السبعينيات في العراق حتى عاد بعد حرب الخليج الثانية إلى اليمن، وبناء على ما سبق، فإن د. سلام عقد في الشهر الماضي مؤتمرًا لحزب البعث في منزله بصنعاء لمدة يومين ولم يسمع به أحد إلا في بيانه الختامي، الأمر الذي شكك في شرعيته وأحقية المشاركين فيه كما أنه أظهر عمق الأزمة الذي يعيشها أحد أقدم الأحزاب اليمنية الذي عقد مؤتمرًا سريا في بلد يبيح التعددية السياسية، وشهد في سبتمبر الماضي انعقاد المؤتمر الأول للحركة الإسلامية بصورة علنية كانت مثار إعجاب المتابعين من جانبهم، يؤكد المعارضون أن حزب البعث قد شهد تدهورًا واضحًا في شعبيته بسبب افتقار الحزب للبنية التنظيمية الصحيحة والثقافة الحزبية والكوادر المدرية بسبب الطريقة الديكتاتورية التي كان د. قاسم سلام يدير بها الحزب طوال السنوات الماضية من منفاه الاختياري في العراق وفرنسا.

 كما يتهم المعارضون أمين سر الحزب بالتعاطف مع الحزب الاشتراكي اليمني أثناء الأزمة السياسية التي سبقت الحرب الأخيرة حيث كان يصر على أن البعثيين والاشتراكيين والناصريين مؤهلون للتحالف المشترك، وتشكيل جبهة معارضة في وجه المؤتمر والإصلاح الأمر الذي أظهر الحزب في موقف متردد تجاه مؤامرة الانفصال التي قادها الاشتراكيون.

كما يشيع معارضو أمين سر البعث اليمني أخبارًا حول تورطه في مؤامرة الانفصال مع الحزب الاشتراكي! وأنه كان موعودًا بحقيبة وزارة التخطيط في حالة نجاح المخطط، من جهة أخرى رفع عدد من أعضاء حزب البعث دعوى قضائية ضد زعيمهم! وهي الحالة الأولى من نوعها في اليمن؟

ولأن الأوضاع في اليمن لا تسمح باتخاذ مواقف حاسمة في أزمة حزب البعث.. فمن غير المتوقع أن تعود الأمور لمجاريها السابقة وسيبقى كل طرف متمسكًا بمواقفه: فأمين السر يستند إلى دعم بغداد.. والمعارضون يستندون إلى القيادات البعثية الكثيرة التي تزيدهم.

عودة للتاريخ القريب

يعود تأسيس حزب البعث في اليمن إلى النصف الثاني من الخمسينيات، حيث اكتسب شعبية كبيرة بين المثقفين، لكن خلاف البعث السوري مع عبد الناصر، جعل البعثيين ينشطون خلف واجهات أخرى مثل المؤتمر العمالي وحزب الشعب الاشتراكي في عدنبالتعاون مع أبرز أصدقائهم عبد الله الأصنج؟

أما في «الشمال» اليمني، فقد كان للبعثيين دور كبير في إسقاط نظام بيت «حميد الدين» في صنعاء، لكنهم اختلفوا مع المشير الراحل السلال الذي انحاز إلى عبد الناصر في خلافه مع البعث السوري.. ولذلك شارك البعثيون في انقلاب 5 نوفمبر ١٩٦٧م الذي جاء بنظام القاضي عبد الرحمن الإرياني، حيث نشطوا بقوة قبل أن يصطدموا بالحمدي الذي كان يميل للناصريين ويرغم تاريخهم الطويل في اليمن، إلا أن البعثيين اليمنيين عانوا من الانشقاقات التي شهدها البعث في سوريا.. وانقسموا إلى عراقيين وسوريين.. ثم انقسم كل طرف إلى أجنحة.. فيما تبنى جناح مهم منهم الفكر الشيوعي بزعامة أنيس حسن يحيى.

وبصورة عامة، فقد شهد البعث في اليمن مراحل متناقضة من الصعود والهبوط فيما اقتصرت قوته على عدد من كبار المشايخ والضباط والتجار أمثال: العميد مجاهد أبو شوارب الذي استقال من الحزب في العام الماضي، والعميد يحيى المتوكل وزير الداخلية الحالي!

ومع مرور الزمن، فقد الحزب كثيرًا من قواعده الشعبية! وبدأ عاجزًا عن الاستفادة من كوادره الكثيرة في الدولة وأوضح دليل على ذلك نتائج انتخابات مجلس النواب اليمني في العام الماضي، حيث فاز سبعة مرشحين بعثيين.. أجمع كل المراقبين على أن مكانتهم الاجتماعية فقط كانت السبب الوحيد لفوزهم أما أغرب ما في أزمة البعث في اليمن فهو التأييد الذي يلقاه أمين السر من الأحزاب التي تزعمت الانفصال برغم أن تلك الأحزاب هاجمت العراق، وصدام حسين بقوة بحجة مساندته للرئيس على صالح ضدها.. وفى الوقت نفسه تدعم «بغداد» الطرف نفسه الذي يعادى أصدقاها ويتقرب من أعدائها!!

الرابط المختصر :