العنوان القضية الكردية خلال مراحلها المختلفة (القسم الأخير)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1975
مشاهدات 88
نشر في العدد 247
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 29-أبريل-1975
ماذا جاء في مذكرة الحزب الكردي؟
في المقدمة، وقبل رصد الأخطاء، قالت المذكرة الكردية للبعث: «لقد ربطتم مجمل الأعمال اليومية التي يمارسها المواطن الكردي لحزبنا، ولم تأخذوا بالحسبان الظروف الاستثنائية التي مرت بها المنطقة الكردية خلال السنوات العشر الماضية، وما ولدته تلك الظروف من إثارات وحزازات في المنطقة».
ثم أخذت مذكرة الحزب الديمقراطي الكردي تعدد مأخذها وانتقاداتها للبعث في النقاط التالية:
۱ - عدم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق العناصر التي أطلقت النار على مقر حزبنا في مدينة الموصل بعد إعلان اتفاقية آذار عام ۱۹۷۰ ببضعة أسابيع.
۲ - ممارستكم لسياسة التعريب في كردستان.
٣ - عدم إفساح المجالات أمامنا للمشاركة في الحكم والسلطة التشريعية وفقاً لما تقضي به بنود الاتفاق.
٤ - عدم الالتزام بمشاركتنا في تخطيط وتوجيه السياسة العامة للدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي عن طريق اللقاءات الحزبية بيننا رغم الاتفاقات المتتابعة التي تمت في هذا الشأن.
٥ - عدم توقف سياستكم الرامية إلى إضعاف قيادة حزبنا وتفكيك وحدتها.
وهناك نقاط أخرى أوردتها مذكرة الحزب الكردي أيضاً.
ماذا بعد الاتهامات المتبادلة؟
ولم يقتصر الأمر بين الأكراد والحكومة العراقية على مؤامرات تدبر بالخفاء، وعلى بيانات واتهامات تتبادلها الصحف والإذاعات.. بل انفجر الموقف، وكأعنف ما يكون الانفجار.. ففي مارس ١٩٧٤، وفي الموعد المحدد أصلاً لإعلان الحكم الذاتي، أعلنت حكومة بغداد بنود الحكم الذاتي للأكراد وربطت كل الأمر بها واعترض بالطبع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه الملا البرزاني واشتعلت الثورة في کردستان وانسحب معظم الأكراد القادرين على حمل السلاح إلى الجبال والتحقوا بالبرزاني ولكن ثورة البرزاني هذه المرة لم تكن بسهولة المرات السابقة.. فكيف خطط لهذا الأمر؟
حين توقف القتال بين الأكراد وحكومة البعث في بغداد، واتفق صدام حسين نائب الرئيس العراقي والملا مصطفى البرزاني على إنهاء الصراع وإعطاء الأكراد حكمهم الذاتي، لم يثق أحد بأحد والكل سعى لتعزيز مواقفه ومواقعه..
ويظهر أن الظروف الحالية والملابسات الدولية مكنت حكومة بغداد من أن تبدو في الموقع الأقوى والأصلب واستطاعت خلال الأربع سنوات السابقة تقليص العديد من مشاكلها الداخلية والخارجية فيما ظهر وكأنها تتفرغ للقضاء على الحركة الكردية واجتثاث جذورها.
* فعلى الصعيد الخارجي عقدت معاهدة صداقة وتعاون مع روسيا وبذلك منعت تأييد روسيا الطبيعي للبرزاني الذي قضى في روسيا من عام ١٩٤٦ - ١٩٥٨ والذي يشكل الشيوعيون أغلبية الطبقة المحيطة به.
* ونجحت كذلك في مد يد الصداقة إلى تركيا حتى صار بإمكان الطائرات العراقية تتبع فلول الأكراد الملتجئين إلى تركيا دون أية معارضة أو ممانعة وكان ذلك بواسطة خط النفط والغاز الذي يجري إنشاؤه في تركيا ليوصل النفط العراقي إلى الموانئ التركية بدلاً من الموانئ السورية.
* وهي تحاول منذ مدة طويلة وبوساطات مصرية تركية إنهاء مشكلتها المزمنة مع إيران. ولم يكتف النظام العراقي بتوثيق صلاته الخارجية فحسب بل حقق عربيا وداخلياً الكثير من الإنجازات في هذا المجال.. فعلى الصعيد العربي تخلى تدريجياً عن محاولاته السابقة في تزعم جبهة الرفض العربية التي لم تقبل بوقف إطلاق النار، وبدأ بالتدريج يمد يده لمصر حتى أن حجم القروض التي سيقدمها للأخيرة تقرب من مليار دولار.. وهو رقم هائل يعبر عن رغبة العراق الأكيدة في تغيير اتجاهاته، كما أن السعودية - مناوئة العراق التقليدية - حسن علاقاته معها. أما على الصعيد الداخلي فقد كانت المحاولة الفاشلة التي تزعمها كزار رئيس الأمن البعثي فرصة للحكم لكي يلقي التبعة على كزار وشلته.. وبالفعل فقد حصل نوع من الانفتاح الداخلي وبدأ الناس يتنفسون نسبياً.
كل هذا فعله نظام الحكم في بغداد.. فما الذي فعلته الثورة الكردية؟ أول عمل قام به البرزاني بعد هدنة عام ۱۹۷۰ هو تأمين صفه الداخلي.. وهكذا بدأ يستقبل الذين انشقوا عليه وخاصموه في الفترة السابقة فاستقبل في نفس العام كلاً من جلال الطالباني وأمين عام الحزب السابق إبراهيم أحمد اللذين انشقا عليه عام ١٩٤٦. وكأنما كان يدرك بحسه القلق وطبيعته الشاكة أنه في هدنة مؤقتة مع حكم البعث في بغداد.. ونظم حزبه فجعل له مكتباً سياسياً وركز سلطته بحيث صار الزعيم القومي الذي لا ينازع.
والخطوة التالية التي قام بها هي السيطرة على قمم الجبال التي تخلى عنها الجيش العراقي نتيجة لبيان آذار ۱۹۷۰، وتمتين صلاته المتينة أصلاً مع حكومة الشاه في إيران.
وهكذا فما إن أعلنت بغداد بنود الحكم الذاتي الذي يضع حل الأمر في يدها حتى أعلنت محطة كردستان السرية عن قيام الثورة.. وبدأت زحوف الشباب الكردي تنضم للثورة بمعدل ٥٠ - ٢٠٠ رجل في اليوم الواحد!!
المفاجأة أو الفصل الأخير مؤقتاً:
وفي ٦ مارس ۱۹۷٥، وبعد مرور سنة على القتال العنيف الذي استخدم فيه العراقيون أقصى قوتهم ومنتهى شدتهم، حدثت المفاجأة.. فقد أثمرت الوساطات المصرية والجزائرية وفاقاً عراقياً - إيرانياً.. واستطاع هواري بومدين رئيس الدولة الجزائرية أن يوقع صفقة اتفاق بين صدام حسين التكريتي الرجل القوي في العراق وبین شاه إیران خلال مؤتمر دول النفط الذي عقد مؤخراً في الجزائر.
وبانتهاء الصراع الإيراني العراقي الذي امتد ١٧ سنة انتهى التمرد الكردي وفق الظروف المرئية.
وقد كتبت وكالات الأنباء تصور حالة الأكراد بعد هذا الاتفاق كلاماً ننقله هنا بنصه لأنه يعبر بوضوح عن أحوال القوم.
كتبت وكالة رويتر يوم ٢٢-٣-٧٥ ما يلي: «انهارت حركة التمرد الكردية في شمال العراق في جو من التهجم واليأس وزوال الوهم، وقد بدأ ألوف من المتمردين الأكراد يسلمون بنادقهم التشيكية الصنع ورشاشاتهم السوفياتية في بلدة حاج عمران الواقعة على الحدود قبل عبورهم إلى إیران.
وقال الملا مصطفى البرزاني لأنصاره إن القتال انتهى. كما صرح الملا مصطفى للصحفيين في مقر قيادته في وادي شومان بعد أن أخذ أنصاره يهجرونه بقوله «إننا وحدنا دون أصدقاء فلم يقدم الأمريكيون أية مساعدة أو حماية لنا واظن أن أياماً سوداء تنتظرنا».
وفي الوقت الذي تحدث فيه الملا مصطفى، الذي يبلغ الثانية والسبعين للصحفيين، كان عشرات الألوف من اللاجئين يتجهون شمالاً في سيارات شحن وسيارات جيب وسيراً على الأقدام عبر أنهر ارتفعت مياهها بفعل الأمطار وعبر ممرات جبلية تكسوها الثلوج.
وتحطمت آمال الأكراد بتحقيق انتصار عسكري مرة واحدة في السادس من شهر آذار الماضي عندما توصل العراق وإيران إلى اتفاق مفاجئ في الجزائر على تسوية خلافاتهما على الحدود عن طريق المفاوضات.
وكان الإيرانيون يمدون الأكراد بالأسلحة كما كانوا يغطونهم بمدفعية ثقيلة عبر الحدود. وعندها عرضت الحكومة العراقية عفواً عاماً عن جميع المتمردين الذين يستسلمون قبل أول نيسان محذرة من أن أولئك الذين يرفضون العفو سيسحقون.
واستمر القتال على الرغم من أن حكومة بغداد أعلنت وقف إطلاق النار في ١٣ آذار. ولكن انهيار حركة التمرد نهائياً جاء هذا الأسبوع عندما أنتشرت شائعات في وادي شومان مفادها أن الإيرانيين هددوا بمساعدة السلطات العراقية على سحق التمرد.
وصرح العقيد رشيد سندي للصحفيين بعد اجتماع عقدته قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني في مقر قيادة الملا مصطفى في الجبال «إن جميع أفراد البيش مركة سيذهبون إلى إیران».
وأضاف يقول: «إننا نستطيع القتال لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر فقط إذا نحن اعتصمنا في الجبال وعندها سننتهي وتكون العاقبة سيئة لشعبنا».
وادعى الملا مصطفى أن الأكراد الذين سيبقون سيتعرضون للإبادة على أيدي الجنود العراقيين الزاحفين وناشد البرزاني الولايات المتحدة التدخل لمساعدة المدنيين!!
وقال كذلك إنه هو نفسه قد يطلب اللجوء السياسي إلى الولايات المتحدة. وأضاف يقول «إننا إذا أجبرنا على مغادرة البلاد للإبادة والحرب فإننا سنطلب اللجوء إلى هناك».
هذا هو الفصل الأخير من المشكلة الكردية ونحسبه مؤقتاً للأسباب التالية:
١ - بعد جميع الفرقاء المعنيين عن الالتزام بالإسلام - نظام حياة وإطار أخوة حميمة - هذا البعد هو الذي يسبب المشكلات والأزمات أما الالتزام بالإسلام فهو الأمر الوحيد الذي يوحد بينهم ويؤلف منهم أمة واحدة.. فلا يمكن للكردي الذي تغلغل الفكر القومي في دمه أن يقبل بصوت عربي ينادي بالقومية العربية والعكس صحيح أيضاً..
٢ - منطق الأمور كما يريدها المستعمر الشرقي والغربي الذي تمتد خيوطه إلى مناطق الصراع إبقاء للمنطقة في صراع مستمر يستنزف الطاقة ويستهلك السلاح ويبذر أموال النفط ويمنع التنمية ويحول دون أي وفاق أو استقرار.
٣ - وأخيراً إسرائيل ومن ورائها أمريكا خاصة والشرق والغرب عامة تريد لهذه المنطقة أن تبقى ممزقة وستحاول إسرائيل دائماً أن تغذي هذا الصراع وهذا التمزق.
ونختتم بحثنا هذا بتصريح أدلى به البرزاني لجريدة الصنداي تلغراف البريطانية يوم ٢٥ مارس ونشرته جريدة القبس الكويتية يوم ٢٦ مارس ۱۹۷٥ حين سئل: هل تعتبر ما يحدث حالياً بداية النهاية بالنسبة للحركة الوطنية الكردية؟
أجاب البرزاني: عندما يكون هناك شعب وأمة، فان الحركات لا تنتهي بل ربما تنتهي مرحلة، وهذا ما يحدث حالياً.
الخاتمة:
هذا عرض موجز سريع للقضية الكردية في مراحلها المختلفة في أماكنها المختلفة.. ونحن على ثقة بأننا لن نستطيع في هذه العجالة إلقاء الأضواء على مختلف جوانب المشكلة.
فالأمور أكثر تعقيداً مما يظن، وأكثر تلاحماً مع كل قوى الشر في العالم والنظريات الكافرة المطروحة في منطقتنا الإسلامية.. ولن تحلها اتفاقات آنية ولن تنهيها مصالح مؤقتة، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. (البقرة: 137).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل