; اليمن: رغم توقيع «صالح».. الطريق مازال محفوفا بالأخطار | مجلة المجتمع

العنوان اليمن: رغم توقيع «صالح».. الطريق مازال محفوفا بالأخطار

الكاتب عادل أمين

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011

مشاهدات 53

نشر في العدد 1980

نشر في الصفحة 30

السبت 10-ديسمبر-2011

  • وزير الخارجية اليمني: «صالح» لن يرحل بل سيظل يمنيا له الحق في البقاء وممارسة دور سياسي من خلال المؤتمر الشعبي العام 
  • عقب توقيع المبادرة بساعات سقط في صنعاء ٦ شهداء و ٤٠ جريحا... في حين عاد القصف بضراوة على المناطق المتاخمة للعاصمة في أرحب ونهم وبني الحارث
  • قوات صالح قامت بعملية إنزال مظلي لـ ١٥٠ جنديا من قوات مكافحة الإرهاب لضرب القبائل.. إلا أنهم أحبطوا العملية وتمكنوا من أسر القوة المظلية بكل أسلحتها الأمريكية المتطورة

الثالث والعشرون من نوفمبر ۲۰۱۱م كان يوما مختلفا بالنسبة للرئيس «صالح» ولليمنيين كافة، فبعد طول عناء ومكابدة في ساحات النضال الثوري، وبعد مراوغة طويلة ومحاولة هروب يائسة من استحقاق الثورة الشعبية امتدت لعشرة شهور كاملة أذعن صالح أخيرا، ومضى مكرها صوب الرياض لتوقيع المبادرة الخليجية التي تلزمه بالتنحي ونقل صلاحياته كاملة لنائبه، وتسليم السلطة في غضون ثلاثة شهور من التوقيع.

المبادرة الخليجية قالت بوضوح إن «صالح» أصبح شيئا من الماضي، وتاريخا منسيا بالنسبة لليمنيين، وعليهم أن يشرعوا على الفور بإعادة ترميم بلدهم وتضميد جراحهم.

خطوة أولى

في هذا السياق، بدأ الرئيس بالإنابة عبدربه منصور هادي بمزاولة أولى مهامه الرئاسية، وذلك بإصدار قرار رئاسي بدعوة الناخبين للاقتراع العام في الانتخابات الرئاسية العامة المبكرة لانتخاب رئيس للجمهورية في ۲۱ فبراير ۲۰۱۲م، وسيصدر كذلك قرارا رئاسيا آخر بتكليف مرشح المعارضة السيد محمد سالم باسندوه الرئاسة الحكومة والبدء بتشكيل حكومة الوفاق الوطني مناصفة بين المعارضة وحزب المؤتمر الشعبي» (الحاكم).. وكان الجيش المؤيد للثورة اعتبر في بيان له أن توقيع «صالح» للمبادرة الخليجية يعد الخطوة الأولى وبداية الطريق التي ناضل من أجلها اليمنيون، وأن قادم الأيام تحمل بشارات الخير بالانتصار وتحقيق مطلب اليمنيين في التغيير السلمي الشامل، فيما أهاب المجلس الوطني لقوى الثورة بكافة الأطراف تهيئة كل الظروف للوفاق الوطني، وإعادة البناء».

تهميش الشعب

من جانبهم، شن الحوثيون» في اليمن هجوما لاذعا على تكتل أحزاب المشترك المعارضة، وقالوا: إنها لم تكن مع الثورة، وإنما كانت تبحث عن تقاسم السلطة والثروة من نظام الرئيس علي صالح» ووصفوا المبادرة الخليجية بالصفقة وحذروا من خطورتها... وقال بيان صادر عن المكتب الإعلامي للحوثيين: «إن تلك المبادرة فيها من التلاعب والمعايير ما يؤكد أنها صفقة، وليس لها معايير قانونية ولا شرعية، وعززت الدور الخارجي، وهمشت الشعب بكافة أطيافه وتنوعاته، ومنحت حق التدخل للأجنبي في شؤون البلد، وقدمته كمن يملك الحل وليس الشعب.

إلى ذلك، رفض شباب الثورة في كل الساحات المبادرة التي منحت علي صالح» وعائلته وكبار معاونيه ضمانات قانونية بعدم محاكمتهم مستقبلا أو تجميد أرصدتهم فيما أكد مساعد الرئيس الأمريكي لشؤون مكافحة الإرهاب جون برينان أن بلاده ستكون الراعي المباشر عن كتب التنفيذ المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية.

لماذا وقع «صالح»؟

وفقًا لبعض الصحف الغربية، فإن انزعاج الولايات المتحدة وبلدان غربية أخرى وزعماء دول الخليج العربي من انهيار الأمن في اليمن دفع بالاتفاق بقوة من قبل تلك الدول، في حين قال مسؤول يمني رفيع: «إن «صالح» خائف أن يفقد ثروته... وبحسب نيويورك تايمز»، فإن إدارة «أوباما» هي من أرشد «صالح» الذي كان أقرب حلفاء واشنطن في المنطقة إلى الخروج من السلطة، وكانت الإدارة الأمريكية قلقة في البداية من أن رحيل «صالح» قد يضر بعمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية في اليمن، لكن عندما توسعت الاحتجاجات المناهضة للحكومة، وأصبح من الواضح أكثر أن رفض «صالح» التنحي يشكل تهديدا أمنيا غيرت إدارة أوباما» موقفها ودخلت في مفاوضات لإخراج الرئيس من منصبه، وهناك من يقول: إن «صالح» رأى النهاية المأساوية لـ معمر القذافي وابنه «سيف»، بالإضافة إلى الضغوط المتصاعدة على بشار الأسد في سورية، كما أنه تعرض لضغوط دبلوماسية مكثفة من قبل السعودية والأمم المتحدة لتوقيع المبادرة، وكان الاتحاد الأوروبي قد بدأ في التفكير بفرض عقوبات عليه، علاوة على أن الوحدات العسكرية الموالية له كانت قد بدأت بتلقي الهزائم. 

هل انتهت الأزمة؟

بعد ساعة من إعلان الرئيس بالإنابة عبدربه منصور» عن الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة في ۲۱ فبراير ۲۰۱۲م کشفت وسائل الإعلام الرسمية عن عودة «صالح» إلى صنعاء، عاد «صالح» متحديا بذلك الاحتجاجات الشعبية المنددة لمنحه الحصانة في المبادرة الخليجية» التي وقعها نهاية الأسبوع المنصرم، وكان وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي أكد أن «نظام علي عبدالله صالح لم يرحل عن اليمن، و«صالح» لن يرحل بل سيظل يمنيا له الحق في البقاء وممارسة دور سياسي من خلال المؤتمر الشعبي العام.

وعشية توقيع «صالح» المبادرة الخليجية وقبل التوقيع وبعده لم تكن الأجواء مشجعة ومطمئنة بأن الرجل رضخ للأمر الواقع، فقد زادت قواته من وتيرة تصعيدها القمعي ضد الثوار في مختلف مناطق التماس تقريبا، ففي صنعاء وحدها سقط ستة شهداء وأربعون جريحا عقب التوقيع بساعات، في حين عاد القصف بضراوة على المناطق المتاخمة للعاصمة في أرحب ونهم وبني الحارث وبني جرموز وبني حشيش، وكانت قوات «صالح» سارعت مؤخرا إلى استحداث موقع عسكري جديد بالقرب من تلك المناطق عقب سقوط بعض معسكراتها هناك، ومحاصرة رجال القبائل للبعض الآخر منها، وكانت قوات «صالح» قامت بعملية إنزال مظلي لـ ١٥٠ جنديا من قوات مكافحة الإرهاب بغية السيطرة على جبل قريب واستخدامه لضرب القبائل إلا أن الأخيرين أحبطوا العملية وتمكنوا من أسر القوة المظلية بكل عتادها وأسلحتها. الأمريكية.

أما مدينة تعز ( ٢٤٠) كلم جنوبي البلاد فقد شهدت الكثير من أحيائها قصفا عنيفا بمختلف أنواع الأسلحة، فيما أكدت المصادر أن قوات إضافية معززة بأرتال من الدبابات تحاصر المدينة من كل الجهات استعدادا لما يبدو أنه عملية اجتياح لها، في محاولة يائسة الإخماد الثورة الشعبية التي تعد مدينة تعز أحد أهم معاقلها، وأفادت مصادر أخرى بأن عددا من قيادات المؤتمر تقوم بنقل وتوزيع أسلحة وذخائر من القصر الجمهوري لعدد من عقال الحارات الموالين للنظام.

كل ذلك ينبئ أن نقل «صالح» للسلطة لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة، وبلوغ الثورة أهدافها، فطبيعة الرجل المتأصلة المراوغة، وتشبثه الشديد بالسلطة ستدفعانه إلى افتعال الأزمات بعد التوقيع، ووضع العراقيل لإفشالها حكومة الوفاق.

مصالح مشتركة

ثمة توقعات بأن يعمد «صالح» إلى استغلال حالة النشوة بتحقيق الانتصار السياسي لدى المعارضة لطمأنتها وخفض درجة الجاهزية، واستغلال هذا الأمر من قبل الطرف الآخر للجيش ليشكل عامل المفاجأة والحسم السريع، تماما كما حدث عقب توقيع وثيقة العهد والاتفاق في فبراير ١٩٩٤م في الأردن، حيث انفجرت حرب صيف ١٩٩٤م.

بعد شهرين فقط من توقيع تلك الوثيقة وتحديدا في ٢٧ أبريل ١٩٩٤م أضف إلى ذلك، فنظام «صالح» ما يزال يرتبط بصلات وثيقة مع الجماعات المتطرفة المسلحة في الشمال والجنوب، وهذه الجماعات ترى أن الثورة الشعبية تقوض مشاريعها الخاصة القائمة على العنف والفوضى، وبالتالي فالمصالح المشتركة بينها وبين النظام، والوضع الجديد الذي فرضته الثورة سيفرضان على تلك الجماعات المتطرفة إعادة تحالفاتها مع بقايا النظام للعمل سوية من أجل محاصرة الثورة وإعاقة تقدمها وتلك إحدى الأوراق المتبقية لنظام «صالح» في مواجهة ثورة الشعب السلمية التي أرغمته على توقيع وثيقة تنحيه من السلطة، وقد شرع «صالح» بالفعل في إعاقة تنفيذ بنود المبادرة من خلال التدخل في اختصاصات الرئيس بالإنابة، وإضعاف دوره الذي تنص عليه المبادرة، فقد عمد «صالح» إلى توجيه أوامره لوزير الداخلية بالتحقيق في المجزرة الأخيرة بحق ثوار العاصمة، وبعث برسالة تهنئة لقادة الجيش الموالي بمناسبة العام الهجري الجديد مذيلة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة وكل ذلك تجاوز صريح للمبادرة التي أبقت عليه رئيسا شرفيا بلا أي صلاحيات، وقالت المعارضة: إنها أمهلته يومين ليكف عن هذا التدخل وخرق المبادرة، لكن من المرجح أنه سيستمر في خرق المبادرة وتحميل المعارضة النتائج السلبية لتصرفاته الرعناء بقصد جرها ثانية إلى مربع الصراع.

الرابط المختصر :