العنوان اليمن.. سقط رأس النظام وبقي رئيس العصابة!
الكاتب عادل أمين
تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011
مشاهدات 61
نشر في العدد 1981
نشر في الصفحة 32
الجمعة 23-ديسمبر-2011
- ثمن التوقيع على المبادرة مليار ريال يمنى وخمسة ملايين دولار سحبها من الخزينة العامة للدولة!
- مصادر موثوقة: نهب منظم لوثائق وأصول وممتلكات عدد من الوزارات ومؤسسات الدولة خاصة وزارتي الداخلية والإعلام اللتين ستكونان من نصيب المعارضة في تشكيلة الحكومة القادمة
- ظلت الأمية لصيقة بصالح كأحد أكبر عيوبه التي لم يمكنه الفكاك منها
- مؤشرات تؤكد أن صالح لن يتوانى في إعاقة عمل اللجنة العسكرية المكلفة بإعادة هيكلة الجيش وتوحيده.. لأن ذلك يعني إزاحة أقاربه من مفاصل المؤسسة العسكرية!
في غفلة من التاريخ وصل الرئيس السابق على صالح إلى السلطة بحسب علي محسن الأحمر، الذي اعترف مؤخرا بخطئه فيما جرى كنوع من الإحساس بالذنب، وهو ذات الخطأ التاريخي الذي ساهم فيه أيضا - على حد وصفه - الكثير من السياسيين والعسكريين حينما سمحوا الشاويش صالح أن يستغفلهم فيقفز إلى السلطة ويسطو عليها كحق مكتسب.
داء الغفلة الذي ابتليت به النخب السياسة والعسكرية التي أشار إليها اللواء الأحمر في معرض حديثه عن ذلك الخطأ التاريخي الذي تشاطروه جميعا، والذي قال: إنه مستعد للمساءلة بشأنه كشاهد أو حتى تحت طائلة الإدانة، مكن صالح من الاستحواذ على السلطة 33 عاما.
شركة خاصة
طيلة تلك الفترة لم يكن صالح يبني وطنا بقدر ما كان يغرس جذوره فيه ليمتص خيراته، لم يترك مرفقا حيويا ولا مؤسسة وطنية إلا وسخرها واستثمرها لحسابه الخاص، حول اليمن إلى شركة استثمارية خاصة تدر أرباحا طائلة له ولعائلته فقط، الوطن لم يكن يعني له سوى غنيمة استأثر بها لنفسه.. ألم تسمعوا أثناء الانتخابات الرئيسية في 2006 م يحذر ممن أسماهم بالتتار الذين قال إنهم يريدون السطو على البنك المركزي ووزارة الاتصالات والكهرباء وغيرها من الوزارات الإيرادية؟ هو لا ينظر للوطن إلا من زوايا كونوا مصدر إيرادات تصب في جيبه.
هذا الرجل الذي استطاع أن يمر إلى كرسي السلطة في غفلة من رجال الفكر والسياسة والعسكريين المتمرسين الذين عاد ليشتمهم في الكثير من خطبه وينعتهم بقليلي الخبرة وعديمي الفهم كحالة من الإسقاط النفسي رجل مريض يقتله الشعور بالنقص ويفتقر لأدنى معايير الكفاءة والمهنية والتأهيل العلمي، لم يستطع رغم كل ادعاءاته بامتلاك الموهبة المصقولة بالخبرة والتجربة والمراس، الظهور طوال سنين حكمه والتصرف من موقعه كرئيس دولة لا كزعيم عصابة!
للأسف لم تشفع له سنوات حكمه الطويلة لتجعل منه رجلا سويا أولا قبل أن يكون حاكما سويا راشدا، لقد كانت غريزته المتطبعة على الطمع والهلع وحب التملك وجمع الأموال من حلها وحرامها، علاوة على إحساسه اللصيق به بالنقص والدونية كنتاج طبيعي للأمية التي ظلت لصيقة به كأحد أكبر عيوبه التي لم يمكنه الفكاك منها، كل ذلك كان أقوى بكثير من قدرته على التطبع بصفات جديدة لحاكم يحظى باحترام رعيته، ونتيجة لذلك لم يكن علي صالح يوما حاكما بقدر ما كان يتلبس صورة الحاكم وحسب، لم يمتلك الرجل صفات الحكام التي من المفترض أن تكسبه الاحترام، عدا ما عرف عنه من مكر وخداع وقدرة على المراوغة واحتراف للكذب ونكوث بالعهود وعدم احترام الكلمة ودموية مفرطة نجح في إخفائها عن الأعين، وهذه جميعا صفات متعلقة برئيس عصابة لا بزعيم دولة.
زعيم عصابة
ذكرت مصادر أن صالح سحب أموالا طائلة من الحسابات المركزية العسكرية والمدنية خلال الفترة الماضية، إضافة إلى قيام بعض أقربائه بسحب مبالغ كبيرة بتوجيهات هاتفية.
وقالت المصادر: إن بدل السفر والمستلزمات المالية التي سحبها صالح مقابل سفره إلى الرياض للتوقيع على المبادرة الخارجية بلغت أكثر من مليار ريال يمنى ونحو خمسة ملايين دولار أمريكي من الخزينة العامة للدولة! فهل هذه تصرفات حاكم يحترم نفسه وشعبه، أم تصرفات زعيم عصابة؟ هذا ما عنيناه لأنه لم يستطع التصرف بمسؤولية كحاكم، وأن نزعة اللصوصية وسلوك زعماء العصابات تغلبت عليه، فعاش لصا متلفعا بثوب حاكم، وهذا في الحقيقة هو ثمن غفلة اليمنيين التي سمحت له باعتلاء كرسي الحكم والرقص على رؤوس الثعابين، إنها الحقيقة من فمه، الرقص على رؤوس الثعابين هو اختزال كثيف لسياسته المتبعة طوال فترة حكمه.
اللعب بأدوات جديدة
أذعن علي صالح للضغوط الخارجية، ووقع مبادرة نقل السلطة لنائبه بعد عشرة أشهر من المراوغة والمناورة السياسية، لكن ذلك لا يبدو أنه خاتمة المطاف بالنسبة له، فقد أكد في اجتماع خاص بالمقربين منه أنه حتى وإن أرغم على التوقيع فلن يعني ذلك بالنسبة له شيئا ذا قمة فهو لا يزال يمتلك من القوة ومن الأموال ما يمكنه من الصمود عشر سنوات بحسب قوله.. لقد نجح صالح من خلال توقيعه على المبادرة في تجنب عقوبات مجلس الأمن التي لوح بها بقوة المجتمع الدولي، وبذلك استطاع حصر معركته للحفاظ على السلطة في إطارها المحلي بينه وبين المعارضة فقط، بمعنى أنه تجنب دخول مجلس الأمن كطرف ثالث كان سيقف حتما ضده، وهذا الأمر أتاح له مجددا مساحة واسعة من المناورة واللعب من خلف الستار بأدوات جديدة، فتمكن في اللحظات الأخيرة التي سبقت التوقيع من انتزاع مكاسب إضافية، علاوة على أن «المبادرة الخليجية» منحته وأركان حكمه حصانة من الملاحقة الفضائية، وأبقت على حزبه شريكا في السلطة، فقد اشترط أن يحتفظ بصفة رئيس شرفي لمدة ثلاثة أشهر، في مخالفة صريحة لبنود المبادرة التي نصت في الأساس على تنحيه وتسليمه السلطة بشكل نهائي خلال شهر واحد فقط من توقيعه، ودون أن تمنحه مسمى رئيس شرفي، لكن المعارضة استجابت لرغبة الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز الذي تدخل بقوة ومارس ضغوطا على الطرفين لإتمام توقيع المبادرة.
تأزيم وتعطيل
لقد تبين لنا سبب إصرار صالح على المكوث ثلاثة أشهر كرئيس شرفي بعد نقل صلاحيته الدستورية لنائبه، لقد خطط صالح لبقائه في السلطة مدة أطول تحت لمظلة «رئيس شرفي» الذي من المفترض أنه بلا أي صلاحيات، لكنه في حقيقة الأمر لا يزال هو الآمر الناهي في إدارة شؤون الحكم حتى الآن، فمن ناحية يتسم النائب عبد ربه منصور هادي بضعف الشخصية وعدم القدرة على إنفاذ أوامره، بدليل أن قوات صالح ظلت تدق مدينة تعز طيلة أربعة أيام متواصلة في حين لم يحرك هادي ساكنا ولم يستطع ممارسة صلاحياته كرئيس بالإنابة وإصدار توجيهاته لتلك القوات التي أرسلها صالح بالعودة إلى ثكناتها وإخلاء المدينة فورا، والسبب بسيط وواضح، وهو أن صالح نفسه هو من أمر تلك القوات بتشديد الخناق على المدينة ومعاقبة أهلها الصادمين، ليس لإطفاء وهج الثورة فيها، فهذا بات من المحال، ولكن لمعاقبة أهلها والانتقام منهم وإرواء غليله وحسب، ومن ناحية أخرى، فمن موقعه في رئاسة حزب المؤتمر «الحاكم» وخضوع هادي لطغيان شخصيته، يستطيع صالح فرض إرادته على هادي باعتباره عضوا تنظيميا في حزبه ويتعين عليه الالتزام بقرارات الحزب، ومن موقعه في رئاسة حزب المؤتمر يستطيع صالح تأزيم الحياة السياسية والعبث بها.
نهب منظم
لم ينته الأمر عند ذلك، فقد أشار مصدر إعلامي مسؤول في مكتب رئيس الوزراء المكلف محمد سالم باسندوة، استنادا إلى مصادر موثوقة، بأن نهبا منظما يجري لوثائق وأصول وممتلكات عدد من الوزارات ومؤسسات الدولة، خاصة وزارة الداخلية والإعلام اللتين ستكونان من نصيب المعارضة في تشكيلة الحكومة القادمة، وتنبئ كل المؤشرات بأن صالح لن يتوانى في إعاقة عمل اللجنة العسكرية التي جرى تشكيلها مؤخرا، لتقوم بمهمة إعادة هيكلة الجيش وتوحيده، وهذا سيؤدي بالتالي إلى إزاحة أقاربه من مفاصل المؤسسة العسكرية، وهو ما يؤذن بأفول حكم صالح وأقاربه إلى الأبد، لكن الرجل لن يستسلم بتلك السهولة التي يتوقعها البعض، فهو لا يزال حاضرا في المشهد السياسي اليمن من خلال مسمى الرئيس الشرفي، والذي سيمتد لثلاثة أشهر كاملة، وحين انقضاء هذه المهلة سيظل حزبه «المؤتمر الشعبي العام» شريكا في السلطة لعامين كاملين، ومن خلال وجوده على رأس الهرم القيادي للحزب سيظل يمارس عاداته في التدخل في شؤون الدولة وإدارة الحكم بشأن الوسائل الممكنة، ويبدو أنه لن يغادر البلاد في المدى القريب والمنظور خشية ملاحقته في الخارج من شباب الثورة بجرائم القتل والإبادة المتورط بها خلال شهور الثورة.