العنوان تعديل المادة «35» ميلاد جديد للصحافة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1972
مشاهدات 125
نشر في العدد 88
نشر في الصفحة 3
الثلاثاء 22-فبراير-1972
تعديل المادة «35»
ميلاد جديد للصحافة
المزيد من الحرية يعني: المزيد من تحمل المسؤولية، والصحافة الحرة هي الصحافة المسؤولة.. وليست الحرية ترفًا يعيشه أصحاب الفراغ.
المادة «٣٥» من قانون المطبوعات التي كانت تتيح للسلطة التنفيذية تعطيل أية صحيفة في أية لحظة. هذه المادة النشاز كانت تمثل قيدًا غليظًا على حرية الصحافة في هذا البلد.
وكانت تتناقض مع روح دستور البلاد، بل مع نصوصه الصريحة التي تكفل حرية التعبير والنشر.
هذه المادة أبطل مفعولها في مجلس الأمة، ونجت الصحافة من قبضة التعطيل الإداري، وعادت إليها حريتها. والآن –فحسب- يمكن أن يقال: إن في الكويت «صحافة حرة»، والآن فقط يمكن أن تنهض الصحافة نهضة حقيقية قوية؛ ذلك أن الصحافة ليست جمالًا في الإخراج، ولا فنًّا في التحرير، ولا دراسة أكاديمية واسعة؛ إنها إلى جانب كل هذه الإمكانات -بل قبلها- حرية الكلمة.. وحرية النشر.. وحرية التعبير.
إن الصحفي مهما أُتيح له من الإمكانات المادية والفنية فإنه لا يستطيع أبدًا أن ينهض بصحيفته نهضة حقيقية.. ما دام القيد في يده.. والقيد في قلمه.
إن المقال الخائف أو التحقيق الواجف.. أو الخبر الجزع.. أو التعليق الفزع؛ ليس شيئًا من هذا كله يعتبر إنجازًا صحفيًّا رائعًا، حتى ولو حرر أتقن تحرير.. وأخرج أتقن إخراج!!
الصحفي الذي يتلفت -وهو يحرر- عشرين.. ستين.. ألف مرة خوفًا من التعطيل.. وخضوعًا لثقل الأغلال، هذا الصحفي لا يستطيع أن ينجح في عمله وهو في هذا الوضع المحرج.
نعرف صحافيين عاديين أنتجوا إنتاجًا رائعًا.. وقفزوا إلى الأمام.. هم وصحفهم خطوات واسعة.
لماذا؟؟.. لأنهم يعملون في جو حر يجعل لجمال التحرير والإخراج معنى، وطعمًا، وعمقًا.. لأنهم يفرغون كل ما لديهم من قدرة وخبرة دون تردد.. ولا خوف.. ولا لعثمة.
وفي الوقت ذاته نعرف صحافيين عمالقة لم ينتجوا الإنتاج الصحفي المرتجى من أمثالهم... المتكافئ مع خبرتهم ودرايتهم.
لماذا؟؟.. لأنهم يعملون في أجواء خانقة.. معطلة للإبداع.. كابتة للحرية.. ومن ثم لم يستطيعوا أن يعملوا إلا بربع جهد.. أي بربع حرية!!
إن حرية الصحافة مقياس دقيق لوجود الحريات في مجتمع ما.. فإن كانت هناك حرية صحافة، كان هناك مجتمع ديمقراطي.. وإن وُجد نقص في حرية الصحافة، كان ذلك نتيجة لنقص «ديمقراطية» المجتمع..
● وإلغاء مادة التعطيل أو تعديلها؛ بحيث تكون نتيجة أي الإجراءين في النهاية منع السلطة التنفيذية من تعطيل الصحف إداريًّا.. هذا الإلغاء أو التعديل يعني في ذاته شيئًا هامًّا.
إن رفع التعطيل الإداري عن الصحافة يعني مباشرة أن التعطيل الاداري كان يمثل ظلمًا.. وتناقضًا مع الدستور.
معنى ذلك بالطبع أن هذه الصحيفة -حين عُطّلت- قد وقع عليها ظلم واضح.. وأنها حجبت عن قرائها بغير حق.
● ورفع التعطيل الإداري عن الصحف ينقل مسألة المخالفات الصحفية من يد السلطة التنفيذية إلى يد القضاء، وهذه أبرز ضمانات الحرية في مجتمع ديمقراطي.
إن القضاء مستقل، ولا سلطان لأحد عليه، وهو يعمل وفق نصوص دستور البلاد، وتحرس هيبته ونزاهته الحريات العامة... ومنها حرية الصحافة.. والاحتكام للقضاء المستقل شيء مطمئن جدًّا.
● ورفع التعطيل الإداري عن الصحف يُحمّل الصحافة مسؤولية كبيرة وجديدة. إن المزيد من الحرية يعني -في أطوار الرشد العقلي- المزيد من تحمل المسؤولية، والصحافة الحرة هي الصحافة المسؤولة.
نعم ليست الحرية ترفًا يعيشه أصحاب الفراغ، وليست الحرية فوضى تتيح لبعض الناس نشر كل ما يهبط بالإنسان، ويؤذي ضميره، وأخلاقه. وليست الحرية فرصة لعرض الصحافة في سوق البيع والشراء... وإننا لنعني شيئًا آخر غير بيع الصحف في الأكشاك، وعلى أيدي الباعة المتجولين.
إن حرية الصحافة مسؤولية كبيرة.. وأمانة عظمى تجاه الإنسان الفرد الذي ينبغي أن يقدم له ما يُعلي أخلاقه... ويصقل إنسانيته، ويساعده على التحرر من استعباد الغريزة والنزق.
● وتجاه القيم الأصيلة التي لا بقاء لمجتمع سليم بغيرها...
● وتجاه المجتمع الكويتي في إطاره العام... نعم تجاه المجتمع الكويتي وهو يمر بمرحلة تحول اجتماعي هائل... وتريد قوى بعينها أن تكون مرحلة التحول هذه فرصة لمسخ شخصية الكويت، وسلخه من مقوماته وتعبئته بمقومات هي ذاتها فشلت في المحافظة على «إنسانية» الإنسان.
● وتجاه المعرفة بمضمونها الواسع.. فلا تستغل الصحافة الحرية المتاحة لتقدم للناس خرافات وأوهامًا تحت ستار «التجديد»... فكم في هذا العصر من خرافات لا يحولها عيشها في هذا العصر إلى حقائق.