العنوان مؤشرات التحسن الاقتصادي في اليمن بين التفاؤل والتشاؤم
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
مشاهدات 56
نشر في العدد 1166
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
للمرة الأولى منذ خمس سنوات بدأ عدد من المؤشرات الإيجابية تعكس وجود تحسن في الاقتصاد اليمني بعد عام من انتهاء الحرب الأهلية.
وتعد الحرب الأهلية نهاية سلسلة من الأزمات الصعبة التي تعرض لها الاقتصاد اليمني الضعيف أصلًا، منذ منتصف الثمانينيات مرورًا بعملية توحيد شطري اليمن فأزمة الخليج الثانية، ثم انعكاسات التأزم السياسي والصراع الحزبي الذي شهده اليمن منذ1990م حتى الصيف الماضي ١٩٩٤م.
عندما خرجت اليمن من الحرب الأهلية، كان الهم الأول يرتكز في كيفية بسط سيطرة الدولة على الأرض اليمنية كلها، وهي عملية ليست سهلة، بل لم تحدث إلا مرات معدودة خلال مئات السنين، ولفترات محدودة.
وفي تلك الفترة الحرجة ظلت الأوضاع الاقتصادية تعاني مزيدًا من التدهور الذي انعكس بطريقة قاسية على حياة المواطنين ولاسيما بعدما استمرت عملية تصاعد سعر صرف الدولار وانهيار العملة اليمنية «الريال» في مقابله بصورة تجاوزت حد المعقول!
وفي بداية العام الجاري، وفيما كانت مشاورات تجري لوضع خطة لوقف الانهيار الاقتصادي، جاءت أحداث التوتر في العلاقات اليمنية السعودية لتزيد من تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن، وقد ساعد في ذلك ظهور اختلافات قوية في مواقف حزبي الائتلاف الحاكم حول أولويات خطة الإصلاح المالي والإداري الأمر الذي أدى إلى تأخر البدء في عملية الإصلاحات الاقتصادية حتى بداية إبريل الماضي.
ورغم أن برنامج حكومة الائتلاف الثنائي المعلن في نهاية مارس الماضي قابل انتقادات عديدة من المعارضة اليمنية، إلا أن أحدًا -كذلك- لم يكن يتوقع أن تكون له أثاره التي ظهرت بحجم تطمينات المتفائلين القليلين.
ويمكن القول إن تحسن العلاقات اليمنية السعودية بعد زيارة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح للسعودية كان عاملًا مطمئنًا انعكس بقوة على الأوضاع الاقتصادية فتكاثف ذلك مع عدد من الإجراءات المالية التي هدفت إلى إيقاف تدهور سعر العملة المحلية.
ومن تلك الإجراءات الهامة كان قرار سحب السيولة المالية من الأسواق ودفع الفائدة البنكية على التسهيلات الممنوحة للمواطنين والتي كانت أحد مصادر الفوضى المالية، حيث كانت أموال التسهيلات تستخدم للمضاربة على «الدولار».
بالإضافة إلى ذلك، نفذ البنك المركزي اليمني عملية لبيع الدولارات مباشرة للمواطنين، الأمر الذي كسر حدة المضاربة على «الدولار» بواسطة مراكز الصرافة.
وقد ساعد في كل ذلك حدوث تحسن واضح في إيرادات الجمارك والضرائب بعد تعديل سعر صرف الدولار الذي على أساسه يتم احتساب قيمة الجمارك، كذلك أسهمت سياسة تعديل أسعار الخدمات الأساسية في زيادة إيرادات الدولة لأول مرة منذ سنوات طويلة.
وفي كل الأحوال، كان للاستقرار السياسي العام في البلد، وانتهاء عهد الأزمات السياسية، وانخفاض مستوى الصراع الحزبي.. كل ذلك أوجد حالة ملموسة من الاستقرار والاطمئنان.
ولأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات يشهد سعر صرف الدولار تدهورًا أمام الريال اليمني فقد فيه ٥٠% من قيمته في السوق! وهو أمر انعكس إيجابيًا في استقرار الأسعار فترة من الزمن قبل أن تنخفض هي الأخرى بنسب متفاوتة.
وبالرغم من حالة الارتياح التي تعم الشارع اليمني بسبب التغيرات الإيجابية في السوق، إلا أن هناك تحفظات حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه عملية التحسن الاقتصادي، بل تذهب بعض الآراء إلى التشكيك في جذرية التحسن وحقيقته محذرة من موجة جديدة من تدهور العملة المحلية وعودة ارتفاع الأسعار بصورة أشد.
وبالطبع، فإن لكل من المتفائلين والمتشائمين مبرراتهم، لكن الأثر الذي أحدثته التحسينات الاقتصادية بدا واضحًا في الأوساط الشعبية التي يهمها في المقام استقرار الأسعار أو انخفاضها بعيدًا عن نظريات السياسيين والاقتصاديين المتشاكسين.
ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الائتلاف الحاكم في اليمن «المؤتمر الشعبي + الإصلاح» قد نجح في تحقيق انفراج اقتصادي ملموس بعد نقطة لصالحه في مواجهة انتقادات المعارضة القوية ضده، والتي بنت استراتيجيتها منذ انتهاء الحرب على أساس استغلال ورقة المعاناة الاقتصادية التي اكتوى اليمنيون بها.
ويبقى أن الجميع الآن بانتظار ما تبقى من شهور العام الجاري لمعرفة حقيقة التحسن الاقتصادي ومدى جديته.. ولاسيما أن الفترة الأخيرة من العام تشهد زيادة في الاستيراد الخارجي، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار وبالتالي ارتفاعه من جديد.
ولذلك ما يزال التفاؤل الكبير يشوبه حذر حقيقي من انتكاسة الوضع الاقتصادي في حالة حدوث تأزم سياسي، أو ظهور بوادر على عدم جدية الإجراءات الاقتصادية المتخذة. وهو أمر سوف تظهره الأسابيع المقبلة لمن أراد أن يعرف!!