العنوان اليمن: محاولات احتواء الثورة عبر تسويق الإرهاب وتوظيفه
الكاتب عادل أمين
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2012
مشاهدات 101
نشر في العدد 2004
نشر في الصفحة 20
السبت 26-مايو-2012
- «فورين بوليسي» : تعزيز الديمقراطية وآمال ملايين اليمنيين الذين أيدوا الثورة لا تبدوان ضمن اهتمامات إدارة «أوباما » في اليمن
- أصدقاء «صالح» باتوا على قناعة راسخة بأنه وعائلته تواطؤوا مع الإرهاب وجماعة الحوثي والحراك الانفصالي في الجنوب حتى يدرك الجميع أنه رقم صعب في أمن اليمن والمنطقة
في الأيام الماضية عادت اليمن إلى واجهة الأحداث العالمية مجددًا ولكن هذه المرة ليس عبر بوابة الثورة الشعبية كما جرت العادة ولا حتى عبر التسوية السياسية والمبادرة الخليجية التي ما تزال متعثرة، بل عبر «تنظيم القاعدة» في جزيرة العرب الذي يستوطن اليمن، فقد فاجأت الولايات المتحدة الرأي العام العالمي بإعلانها إحباط محاولة جديدة مزعومة لتنظيم «القاعدة» في اليمن استهدفت «بحسب المصادر الأمريكية» تفجير طائرة ركاب أمريكية بواسطة عبوة ناسفة محلية الصنع خالية من أية معادن، حيث كان من المفترض أن يقوم بتفجيرها أحد عناصر القاعدة وعوضا عن قيامه بتفجير القنبلة المزعومة، قام بتسليمها للجهة الاستخبارية التي جندته وزرعته داخل «القاعدة»، تلك هي باختصار العملية الإرهابية التي لم تقع، والتي لا أحد يدري متى وكيف تم إحباطها، ولماذا تم الكشف عنها في هذا التوقيت بالذات على الرغم من أنها وقعت في شهر مايو المنصرم بحسب المزاعم الأمريكية؟!
للتذكير فقط، فقد أعلنت أجهزة الاستخبارات الأمريكية يوم ٢٥ يناير ٢٠٠٩م عن أحباط عملية إرهابية مماثلة، قيل: إنها خططت لتفجير طائرة أمريكية فوق ولاية ديترويت بواسطة النوع ذاته من العبوة المكتشفة، وكان بطل تلك العملية الفاشلة التي أحبطت كالعادة، النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب، الذي قيل حينها بأنه قدم إلى اليمن للتدرب على هذا النوع من العمليات الإرهابية، وأنه التقى المدعو أنور العولقي «اغتالته المخابرات الأمريكية بطائرة دون طيار منتصف ۲۰۱۱م»، وهو من كلفه القيام بتلك المهمة حسب المزاعم الأمريكية، وفي أكتوبر ۲۰۱۰م أعلن مجددا عن إحباط عملية أخرى كانت عبارة عن طرود مفخخة «آلات تصوير معبأة بمواد شديدة الانفجار» جرى إرسالها، بحسب الرواية الأمريكية، من اليمن بغية استهداف كنيس يهودي في أمريكا، لكن تم اعتراض الطرود وكشفها في مدينة دبي وذلك عبر عميل داخل التنظيم يعمل لحساب أحد أجهزة الاستخبارات العربية على أن النتيجة الأهم التي خلفتها عملية النيجيري عبد المطلب عام ٢٠٠٩م
باسندوة : لم أعط الإذن لأي طائرة أمريكية بدون طيار بضرب أهداف داخل اليمن فلسنا بحاجة إلى تدخل خارجي لمجابهة الإرهاب أولًا : أكسبت تنظيم «القاعدة» في اليمن المعروف بـ «تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب» بعدًا عالميًا، جرى تسويقه على نطاق واسع لمآرب وأهداف باتت مفضوحة، بعدما كان التنظيم محصورا في نطاق محلي.
ثانيًا: خلقت تلك العملية المشبوهة التي ما يزال يحوطها الكثير من الغموض تماما مثل العملية الأخيرة الذرائع والمسوغات اللازمة للتدخل الدولي- الأمريكي على وجه الخصوص- في الشأن اليمني، وذلك عبر مؤتمر دولي سمي بمؤتمر أصدقاء اليمن انعقد في لندن أواخر يناير ۲۰۱۰م، ووضع اليمن منذ ذلك الحين تحت الوصاية الدولية «الأمريكية الأوروبية تحديدًا» بذريعة الحرب على ما يسمى بالإرهاب، وأن اليمن صار وفقا للتصنيف الغربي أحد مهددات الأمن والسلم الدوليين، بعد تنامي نشاط «القاعدة» فيه، بل إن الأمريكيين ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين اعتبروا أن اليمن غدا منطقة إستراتيجية مهمة للأمن القومي الأمريكي.
الثورة في مواجهة الإرهاب
ثمة حقيقتان يتعين الإشارة إليهما في سياق ما يسمى بالحرب على الإرهاب في اليمن قبل الخوض في مناقشة دلالات وأبعاد العملية الإرهابية الأخيرة التي كشف عنها في السادس من مايو الجاري، الأولى: أن الثورة الشعبية اليمنية بكل مكوناتها السياسية والاجتماعية والثورية والعسكرية أعلنت بوضوح وقوفها ضد الإرهاب وتصديها له، بل وخطت خطوات عملية في هذا الجانب عبر مشاركة الجيش الموالي للثورة في الحرب ضد ما يسمى بأنصار الشريعة في محافظة أبين «جنوبي البلاد» بعدما سلمت للقاعدة في عهد الرئيس «عبدالله صالح»، وغدت إمارة إسلامية وفقا لإعلان التنظيم، وفي خطوة عملية أخرى، جرى تشكيل اللجان الشعبية في مدينة لودر «أبين» المجابهة هذا الخطر المفتعل الذي ترعاه أجهزة أمن النظام السابق، التي ما تزال تخضع من الناحية الفعلية للرئيس المخلوع، وقد أحرزت تلك اللجان الشعبية تقدما على الأرض واستطاعت هزيمة تلك العصابات الإجرامية الممولة داخليًا وخارجيا، وشرعت في خطة الزحف على معقلها الرئيس في مدينة زنجبار «عاصمة المحافظة».
الحقيقة الثانية: هي أن أصدقاء اليمن باتوا على قناعة راسخة بتواطؤ «صالح» وعائلته مع الإرهاب ورعايتهم له، إذ أكدت مصادر صحفية أن «صالح» قرر التحالف مع أعدائه في الماضي القريب، جماعة الحوثي في الشمال، والحراك الانفصالي في الجنوب وتنظيم القاعدة بغرض زعزعة أمن بلاده والمنطقة بأسرها، لإيهام الجميع بأنه لن تقوم لليمن قائمة دونه، وأنه ينبغي أن يظل رقما صعبا في المعادلة السياسية اليمنية، كما أن الأمريكيين رأوا بأم أعينهم كيف قدم «صالح» التسهيلات اللازمة للقاعدة «المفترضة» في محافظة أبين، وفي مدينة رداع «يناير ۲۰۱۲م» التابعة لمحافظة البيضاء، وهو ما جعل السفير الأمريكي بصنعاء يتهم صراحة السلطات المحلية بالتواطؤ وتسهيل مهمة تلك العناصر الإرهابية للسيطرة على المدن في حين كشفت وثائق «ويكيليكس» بجلاء وجود قناعات أكيدة لدى الطرف الأمريكي بوجود علاقات مشبوهة بين القاعدة و«صالح» وأن هذا الأخير كان يوظف الإرهاب لتعزيز حكمه وخطب ود الغرب كمظلة دولية، لكن وعلى الرغم من كل ذلك، لم يعمد هؤلاء «الفاعلون الدوليون والإقليميون» حتى اللحظة إلى اتخاذ أية إجراءات أو تدابير من شأنها إنهاء سيطرة «صالح» وعائلته على الأجهزة الأمنية والعسكرية.
الديمقراطية ليست خيارًا
بناء على ما تقدم، ووفقا كذلك لحيثيات أخرى من بينها تصريحات صحفية لرئيس وزراء اليمن محمد سالم باسندوة قال فيها : إنه شخصيا لم يعط الإذن لأية طائرات أمريكية بدون طيار بضرب أهداف داخل اليمن، وأن اليمن ليس بحاجة إلى تدخل خارجي لمجابهة الإرهاب، وكذلك تصريحات وزير الداخلية اليمني التي قال فيها : لن نسمح بأن تكون اليمن وزيرستان أخرى. ولكون الولايات المتحدة «وحلفائها» لا تريد أن تخسر ورقة الجوكر «القاعدة» التي تلعب بها في اليمن، فيما لو جاءت حكومة وطنية قادمة، قادرة على الخروج بهدوء من تحت العباءة الأمريكية، لذلك جاءت الحادثة الأخيرة التي لم يكشف عن تفاصيلها الدقيقة بعد، والتي أعلنت كالعادة من طرف واحد هو الطرف الأمريكي، جاءت العملية لتعيد اليمن مرة أخرى إلى المربع الأول، حيث تشتد القبضة الأمريكية أمنيا، لتعيد تشكيل علاقة البلدين وفقا لمعطيات الإرهاب الجديدة والمتعاظمة، وطريقة أمريكا في التعامل معه بما يخدم مصالحها، وتأتي العملية الإرهابية الأخيرة «المزعومة» ضمن محاولات الدول الغربية، والولايات المتحدة خصوصًا، وبدعم من دول عربية لإفشال الثورة اليمنية، وإعادة اليمن إلى الحضن الأمريكي مثلما كانت عليه الحال في السابق.
وطبقا لمجلة فورين بوليسي الأمريكية فإن تعزيز الديمقراطية وآمال ملايين اليمنيين الذين أيدوا الثورة لا تبدوان ضمن اهتمامات إدارة «أوباما» في اليمن. وقد تجلى ذلك الأمر بوضوح خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط في صنعاء «جيفري فليتمان» حيث كرر تأكيده على دعم خطة الانتقال السلمي للسلطة، والتي لا تدعو إلى إجراء انتخابات حتى فبراير ٢٠١٤م، والذي يعني بقاء شبكة محسوبية الرئيس السابق علي صالح كما هي عليه. «نجله أحمد ما يزال يسيطر على الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، ابن أخيه يحيى مايزال على رأس قوات الأمن المركزي، وابن أخيه الآخر عمار على رأس جهاز الأمن القومي، تلك الحقيقة التي تثير الكثير من القلق في أوساط المعارضة المؤيدة للديمقراطية». وبحسب المفكر الأمريكي الشهير «نعوم تشومسكي» فإن سياسة الولايات المتحدة في العالم الثالث تتلخص في: نحن نعارض بمثابرة وإصرار الديمقراطية إذا كانت نتائجها خارج نطاق سيطرتنا.